كان نهر السين ولايزال مبعث خيال الرسامين والفنانين في العالم أجمع ،بقواربه وأزهاره وحدائقه وتلك البيوت الخشبية المطلة عليه . وهنا لم تكن ريشة الرسامين بعيدة عن رصد جماليات هذا المشهد، فلم تتوقف عن رسم هذه المناظر الخلابة ،ومن أبرز هؤلاء أوغست رينوار وكلود مونيه وغوستاف كاييبوت.

تقول مارينا فيريتي، المسؤولة عن هذا المعرض: (كان نهر السين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مهد تيار التشكيل الجديد، لأنه شكل منبع كل الابتكارات). وهناك رسامون عديدون سكنوا على ضفاف نهر السين مباشرة، حيث أقام الرسام المعروف كلود مونيه على مقربة من نهر السين، في حين مخر غوستاف كاييبوت مياهه مراراً، كما صرف القسط الأكبر من الرسامين الانطباعيين الباقين وقتهم في المقاهي البديعة المحاذية له. وذلك ليكون كأحد مصادر التأثير المحورية في أسلوب هؤلاء التشكيليين، خلال القرن التاسع عشر، إبان التحولات الطارئة عليه في ما كان يفقد طابعه البري لينخرط في حقبة الصناعة وعجلة الترفيه.

وهنا تقف جسور باريس وأرصفة موانئ «بيرسي» التي تعج بالبراميل، في حين تنتصب كاتدرائية مانت لاجولي من خلف شعب النبات، وتبين أيضاً الغاسلات المنهمكات في العمل على بساط من الحصى في «انديلي»، فضلاً عن الحانات الشعبية المختلفة المنتشرة على طول النهر. غير انه وعلى مرّ الوقت يتبدل المشهد الريفي، فتبرز المعامل على ضفاف صارت أكثر فأكثر اكتظاظاً، حيث استبدلت الجسور المعدنية بالمباني الحجرية، بينما صارت مراكب الاستجمام تجاور العبارات الضخمة.

وقد أراد الرسامون وصف الحياة عينها، وفي حالات كثيرة بانت في اللوحات عناصر نافرة، مثل الطيف المشرق لأحد المتنزهات، أو شراع ساطع لسفينة استجمام على خلفية مداخن المصانع والجسور المعدنية.

وهنا التزم الرسامون تماماً (العالم الجديد الذي صوروه، عالماً مؤمناً بمزايا التقدم وحيث ساد مذهب المتعة)، فكانوا يرتادون الحانات الشعبية في حين مارس بعضهم الرياضات البحرية، مثل غوستاف كاييبوت الذي صار رئيساً لنادي مراكب شراعية.كما اختار عدد كبير منهم الإقامة على ضفاف النهر حتى، في مقدمهم زعيم التيار الانطباعي كلود مونيه، الذي استقر في (جيفيرني).

حيث أقام حديقة طافحة بالألوان ستشكل بالنسبة إليه، مصدر وحي لا ينضب.إن نهر السين يمثل مصدر الهام المبدعين منذ آلاف السنين، وتشير فيريتي أيضاً، إلى أن هذا الانسجام تعاظم مع وصول خطوط سكك الحديد في منتصف القرن التاسع عشر، إلى مدينتي روان والهافر، أول مدينتين كبيرتين في فرنسا بلغهما القطار، وهذا تطور ساهم في جعل نهر السين أبرز موضوع بالنسبة للانطباعيين.

انطباعية

وهنا فإن متحف «جيفيرني» في النورماندي شمال باريس، يبرز النهر الفرنسي الشهير كأحد مصادر التأثير المحورية في أسلوب هؤلاء التشكيليين، خلال القرن التاسع عشر، إبان التحولات الطارئة عليه وخلالها كان يفقد طابعه البري، لينخرط في حقبة الصناعة وعجلة الترفيه.وفي مدرسة (الانطباعية) حمل الفنان مرسمه وخرج للطبيعة، وتخلى عن المراسم والغرف المغلقة.

وكان هناك ما يسمى بالرصد لتلك الحالة المتجلية في الهواء الطلق، ليضفي الفنان على عنصر المشهد الماثل أمامه حالة حسية انطباعية، لها علاقة مباشرة مع إحساسه بالمشهد، بطريقة حسية سميت بالانطباعية، وقد تميزت أعمال الانطباعيين، ومنهم الفرنسيين خاصة، بتركيز الفنان على عنصري الظل والنور، وهنا برز أعلام لتلك المدرسة، أمثال الفنانين: ادوار مانيه ؟ سيزان ؟ ادغار ديغا ؟ رينوار ؟ كلود مونيه.

وتهدف الانطباعية إلى إشباع العين من الطبيعة، وتهتم بتسجيل الظاهر الحسي للأشياء، وهي تضع فعل الرؤية البسيط، فوق الخيال، كما تضع الإبصار في مكان أعلى من المعرفة، وقد ظهرت في فرنسا خلال النصف الثاني للقرن التاسع عشر.

وذلك حين تجمع المصورون المجدون الذين كان يتم استبعادهم عادة من صالونات الفن، ليكونوا مدرستهم التي عصفت بالمعتقدات والأساليب القديمة، تحت عنوان الحرية والهيام بأجوائها، وقد هجر هؤلاء مظاهر الرفاهية، و سعدو بالفقر والبساطة، وكان زعيمهم «كلود مونيه» (1840-1926)، الذي تنسب الانطباعية إلى إحدى لوحاته، وكان عنواناً (انطباع شروق الشمس)، وكانت هذه التسمية مدعاة للاستهزاء والسخرية، ثم كانت عنواناً لهذه المدرسة.

انتقل مونيه بالتصوير من الواقعية إلى الانطباعية عندما أهمل الخط واعتنى بالمساحات اللونية، لتسجيل الإحساس البصري الخاطف للضوء في لحظة معينة. وقد واكبت المدرسة الانطباعية النظريات الحديثة في تحليل الضوء، فاستفادت منها في توظيف الألوان.

وتقوم الانطباعية على التمرد على قوالب الكلاسيكية، والاستفادة من الأبحاث العلمية في تحليل الضوء إلى عناصره الأساسية، والاهتمام ببقاء آثار الفرشاة على اللوحة، حتى أصبح اللون يكون طبقة على اللوحة، وقد تجاهل الانطباعيون قضية (الموضوع)، وانصبت أاهتماماتهم على (الشكل) ونقل الإحساسات البصرية مباشرة إلى اللوح، دون تدخل الفكر الواعي، ودون العمل على تنظيم هذه الإحساسات.

مانيه يرسم السين ثلاثة عشر عاماً

تألقت في المعرض الثامن لهذا الرسام اتجاهات الانطباعية الجديدة، عند كل من (جورج سوراه) (1859-1891) و«الفريد سيزلي» (1839-1899) وإدوار مانيه (1932-1883). وكان مانيه، رائد الانطباعية الأول ورفيق مونيه، قريبًا من خُطى الشاعر شارل بودلير (1821-1867)، في اعتبار (الرشاقة) مذهبًا في كلِّ شيء. لكن مونيه ذهب إلى غير هذا ، ذهب إلى البحث عن الرشاقة (الداخلية) للموضوع في الرسم، وبهذا انحاز إلى تأثير «الزمن» على هذه الرشاقة.

اسم يوازي مدينة

يعد نهر السين ممرا مائيا تجاريا أساسيا لفرنسا، ويمتد لمسافة 29كم شمال غرب ديجون، ومن هناك يجري في مسار ملتو لحوالي 764كم، في اتجاه الشمال الغربي إلى مصبه في القنال الإنجليزي بالقرب من مدينة لوهافر.

وعلى بعد حوالي 378كم من منبعه يصبح السين نهرًا عريضًا يخترق قلب باريس، حيث يمر تحت أكثر من 30 جسرًا، بعضها يتجاوز عمره الـ 300 سنة، وعلى الضفة اليسرى، في جنوبي نهر السين في باريس، يُوجد الحي اللاتيني والسوربون وحدائق لوكسمبرج وبرج إيفل والشانزليزيه والتروكاديرو، وتقع كاتدرائية نوتردام في جزيرة المدينة في نهر السين.

أعماله التي اتخذت من أماكن مختارة، مواضيع لها: (كاتدرائية روان، بحر المانش، نهر التيمز، مبنى البرلمان في لندن، مدينة البندقية، محطة سان لازار بباريس، نهر السين، الذي رسمه لمدة ثلاثة عشر عامًا...)؛ وهي أعمال أوْلَت اهتمامها الأول لتأثير «الزمن» على الموضوع ؟ يوميًّا، أو في مختلف ساعات النهار ؟ في ما يتعلق باختلاف درجات الحرارة والضوء والغيوم والضباب والأمطار والصحو والأعاصير.

شاكر نوري