كان من المفترض أن يتحول منزل الأديب والفنان الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا في بغداد، إلى متحف فني لولا أن الدمار كان أسرع، فبدل أن نتجول في أرجائه ونستمتع بمقتنياته بتنا نقف على أطلاله نستذكر ما بداخله.
فهل كان لابد من عمل تفجيري إرهابي بشع حتى يتسنى لنا اكتشاف كنوز ذاك المنزل، التي لا تقدر بثمن، ولكن على الرغم من خسارة نصف قرن من تراكم فعل ثقافي من الطراز الرفيع، إلا أن روح ذاك الفنان مازالت باقية تجول في ذاك المكان مخلدة بما يحتويه، اسم الفنان جبرا وفنه.شكان لابد من إلقاء الضوء على عمليات التفجير التي باتت وكأنها أمر عادي في العراق، والتي راحت تتصاعد عقب الاحتلال الأميركي لبلاد ما بين النهرين، تحت شعار «الإصلاح»، لكن الواقع يشي بأن هدف أميركا لم يكن الإصلاح ولا النهوض بأوضاع هذا البلد، بل كان تدمير ودفن ثقافة وحضارة شعب عريق ونهب ثرواته، فبات الشعب العراقي ينام ويصحو على أصوات التفجيرات ورائحة الموت التي أصبحت منتشرة في كل مكان، وعلى خسائر بشرية ومادية لا نهاية لها.
أحد المسؤولين العسكريين أعد، مؤخرا، تقريرا نشر في صحيفة «انترناشونال هيرالد تربيون» بقلم انتوني شديد، حول الحادث الإرهابي الذي تعرض له منزل الفنان الراحل جبرا ابراهيم جبرا، ورصد الحال الذي آل إليه المنزل الذي تحول إلى أطلال.
التقرير أكد أن أضراراً مادية جسيمة خلفها تفجير سيارة ملغومة كانت تستهدف السفارة المصرية في بغداد في مايو الماضي، وأسفر عن مقتل سبعة عشر شخصا، واحتراق عشر سيارات وأضرار متوسطة حلت ببعض المنازل المحيطة بالسفارة، بالإضافة إلى تدمير منزل هو الأهم من بينها جميعا. ذلك المنزل هو منزل جبرا.
صحيح أن المسؤول العسكري لم ينوه في تقريره إلى محتويات المنزل والثروة المكتبية التي كانت موجودة فيه، إلا أنه من المعروف للجميع ما كان يحتويه من مئات الكتب المخزنة داخل أكياس وصناديق وعلى الدرج، تتضمن مسرحيات لأنطون تشيخوف وروايات للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني والكثير الكثير، كما أنه لم يتكلم في تقريره أيضاً عن اللوحات الفنية الرائعة التي كانت فيه، مثل لوحات الفنان شاكر حسن الذي يعد من أعظم فناني العراق، أو عن التماثيل المنحوتة بيد محمد غاني حكمت، وحتى أنه لم يذكر في تقريره بأن ملكية المنزل تعود إلى الروائي والشاعر والرسام .
والناقد والمترجم العربي المشهور جبرا ابراهيم جبرا، الذي بنى هذا البيت بمحاذاة أشجار النخيل والتوت في شارع الأميرة ـ حي المنصور، واستغرقت عملية بنائه قرابة نصف قرن، جلب خلالها حجارة من بيت لحم، مسقط رأس هذا الفنان، ليكون ذاك المنزل، الذي عاش فيه حتى وفاته عام 1994، ملاذا عالميا وجسرا للتواصل بين الشرق والغرب.
هذه القصة لم تأت في سياق إثارة مشاعر حزن فياضة على دمار هذا المنزل، بل جاءت من أجل إحياء لذكرى أو للتعبير عن بعض التقدير لجهود هذا الرجل.
بعض أصدقائه وزملائه الذين استذكروا جبرا وهو يكتب ويستمع إلى موسيقى باخ و دخان غليونه يتصاعد داخل الغرف، قالوا إن المنزل يمثل شيئا أعظم بكثير من الأشياء التي فقدت. وبعضهم اعتبر هذا الدمار بمثابة رثاء من نوع خاص لجبرا ونهاية حقبة في العراق، خصوصا والعالم العربي عموما وتفوق على الحرب والنزاع بمثاليته المشهودة.
كنوز جبرا
نادرا ما نجد منزلا وصاحبه يتقاطعان بسلاسة على هذا النحو وبهذا القدر. ولد جبرا عام 1919 في كنف عائلة مسيحية كانت تعيش في فلسطين، واستقر في بغداد بعد حرب 1948 أو حرب النكبة، كما يطلق عليها زملاؤه الفلسطينيون، وحصل على شهادة من جامعة كامبريدج، وكان سيدرس في جامعة هارفارد إلا انه آثر، خلال تلك السنوات التي تلت ذلك، الالتحاق بالفنان النحات جواد سالم و بجيل من الفنانين الرائعين الذين جعلوا من العراق رائدا للثقافة العربية.
كان جبرا من بين أبرز الكتاب الذين ترجموا «السونيتات» لشكسبير و«الصوت والغضب» لفوكنر، من خلال عمله المشهود في تحديث الرواية العربية وفي النحو وفي ترجمة الكثير من أمهات الكتب في العالم، على حد تعبير روجر ألن، أستاذ اللغة العربية في جامعة ولاية بنسلفانيا، الذي كان أحد أصدقاء جبرا، والذي ساعده في ترجمة اثنتين من أفضل رواياته المشهورة.
كان منزل جبرا ابراهيم جبرا المكون من طابقين اثنين محاطاً بأشجار البرتقال وبأزهاره العبقة برائحة تراب فلسطين، والتي كانت تعكس ذوقا رفيعا عرف به الكاتب. وكان هناك البعض من التماثيل الخشبية المنحوتة بيد الفنان جبرا والموزعة فوق الموقد وحوله وفي بهو المنزل وغرفة الطعام. وقال أحد أصدقائه إن بعض اللوحات مرسومة بيد فنانين عراقيين، أمثال: راكان دبدوب، سعاد العطار، نوري الراوي. فكان المنزل بمثابة معرض للفن العراقي.
وكثيراً ما كانت أصوات الموسيقى تصدح في ذلك المنزل، لا سيما إذا علمنا أن جبرا كان يعتبر الموسيقى الفن الوحيد الصافي: «أي موسيقى تقدم لي سوف تجعلني سعيداً وخاصة موسيقى القرن الثامن عشر وما قبلها»، هذا ما كان يقوله دائماً، وكتب ذات مرة إلى السيد ألن:
«عندما تأتي سترى بأن ما لدي منها (أي من موسيقى التي ما بين القرن 15والقرن 18)، هي خبزي اليومي والتي تساعدني على الحفاظ على عقلي وعلى كتاباتي».أبواب منزله كانت مفتوحة دائماً للجميع. ويقال إنه هو من أقنع الكاتب عبد الرحمن منيف بكتابة روايته الضخمة» مدن الملح». كما يستذكر أحد أصدقائه الذين كانوا يترددون على صالون الشعراء والفنانين المفكرين الذين كانوا ينهلون من فكره وعقله، الذي لطالما كان مفتوحاً للجميع.
وعندما رحل جبرا عام 1994، انتقلت إحدى قريباته، وهي السيدة رقية إبراهيم، عقيلة توفيق إبراهيم، وشقيقة زوجة نجل الكاتب البكر سدير، وابنها جعفر، للعيش في منزله من أجل الاعتناء به أثناء غيابهم، حيث ذكر الناقد ماجد السامرائي، وهو أحد أصدقاء جبرا المقربين، بأنه قال لها ذات يوم: « بأن كنوز جبرا الآن أمانة بين يديك».
كل ذلك الإرث تحول إلى رماد جراء عمل إرهابي نفذه انتحاري، وحسب شهود عيان فان آثار دماء السيدة رقية كانت ولا تزال متناثرة على الجدران، حيث استقر رأسها المقطوع بالقرب من جسدها الذي بقي مدفوناً تحت الأنقاض طوال يوم بكامله، قبل أن يتمكن رجال الدفاع المدني من انتشاله، ومن ثم علقت لافتة سوداء خارج المنزل تنعي السيدة رقية وابنها جعفر، وكتب عليها» إن لله وإن إليه لراجعون»، للصلاة على روحهما وتقديم التعازي لمدة ثلاثة أيام.
عشرات الآلاف من الرسائل كان معظمها قد احترق، ومجموعة من الألبومات الموسيقية المسجلة لتشوبان وفيفالدي وباخ، كانت متكومة عند باب المنزل الرئيسي، وجهاز تسجيل قديم كان مغطى بالرماد وكان هناك صور بالأبيض والأسود، لطالبات من جامعة بغداد يرتدين فيها تنانير قصيرة، وعند الدرج كان هناك نسخة من ملحق جريدة «ذي تايمز أف لندنز ليتراري» بتاريخ 16 ابريل 1993. ولم يبق في المنزل إلا بضع لوحات كانت إحداها صورة لجبرا وهو يرتدي سترته الزرقاء، ويضع وشاحاً أحمر حول رقبته، وفي يده غليونه.
ولقد ذكر بعض الجيران أن لصوصاً قد سطوا على المنزل بعد الهجوم وسرقوا المتعلقات الثمينة بما في ذلك مجوهرات السيدة رقية، وللأسف لا أحد يعرف هويتهم. ولكنهم تركوا كتباً باللغتين العربية والانجليزية لكتاب مشهورين، مثل كتاب «صورة سيدة» لهنري جيمس و«الصحوة العربية» لجورج انطونيوس، ونسخة من أسطورة بال فينش، التي كانت مفتوحة على أسطر من شعر سكوت.
أحد جيران جبرا الذي فقد حفيدته في الهجوم قال إنه لا احد يذكر جبرا على الإطلاق، الجميع يعرف بأنه رحل ولا يذكرونه، حتى في ركن المثقفين الذي كان يتردد عليه عادة، في حين لا توجد إلا مكتبة واحدة فقط تحتوي على إحدى رواياته وهي «ملك الشمس»، فضلاً عن أن معظم بائعي الكتب كانوا يستذكرون اسمه وليس أعماله.
«كان جبرا يسكن في حي الأميرات في شارع المنصور، كما أذكر»، هذا ما قاله محمد رضا الذي وزع رواية جبرا دون مقابل: (أعتقد بأنه متزوج من عراقية، وأعتقد، وأعتقد.لا أستطيع أن أقول لكم بالتأكيد).
هز رأسه ثم لبس نظارته الخاصة بالقراءة، وكان منزعجاً من الفوضى العارمة التي تعم رفوف مكتبته، وهو يفتش إلى أن وجد ضالته وهي موسوعة عن المثقفين العراقيين، عمرها 15 سنة، وقام بصفعها مرتين، فارتفعت أعمدة من الغبار التي انتشرت في المتجر المظلم، فراح يبحث بسرعة وفقا للحروف الأبجدية، إلى أن وجد اسم الفنان جبرا إبراهيم جبرا، حتى أنه وخز إصبعه بالصفحة، إلا أنه كان مسروراً جداً بالعثور عليه:
«الروائي والناقد والشاعر والرسام، ثم قرأ المقدمة واستشهد بقول من كلمات جبرا «بمرارة غير منقطعة النظير، أردت أن انتزع نقطتين من حلاوة، وأملت أن أغذي شجرة تعزز الأمل في أن الإنسانية ومحبة الناس سوف تسود العالم بأكمله».
الوقوف على أطلال الماضي
هناك بيت من الشعر العربي القديم يردده المثقفون العرب كثيرا، يقول: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»، ما يعني أن الشاعر كان يقف على أطلال الماضي التي أصبحت رمزاً لرثاء الشاعر، لأماكن تسكن في الذاكرة.
لقد جسد جبرا المثالية في تفاصيل حياته مثل ما فعل في منزله، ورسم العزيمة من خلال نظرته التجريدية لشعبه ولمجد هويته العربية، من خلال مسيحيته، فكان فنانا علمانيا، وكان مصدرا للإلهام يربط بين الحضارات والشعوب بولادته وتعليمه وفكره وإيمانه بأن قوة العالم تكمن في الثقة بمخرجات الثقافات، حيث يعتبر جبرا فناناً عالمياً وهو يمثل مرحلة من تلاقي الثقافات والحضارات المختلفة مثل ما ساهمت في تشكيل ملامح ثقافته الجمالية والشكلية والسردية، مدن مثل بيت لحم والقدس ولندن وبغداد.
الحروب تعاقبت بعد رحيل جبرا وكذلك الاحتلال، فذبلت فكرة علمانية الهوية وذهبت أدراج الرياح، قبل وصول القوى الدينية والطائفية في ظل صراع غير متكافئ تواجه فيه عدوانية الغرب الشرق الغاضب الساخط، في مشهد يوحي بأننا نعيش في عصر الثقافات التي تسيء فهم بعضها بعضا.
رجل كهذا لا يمكن أن يتكرر قط، والمأساة الكبرى لا تقتصر على دمار ذلك المنزل فحسب، بل تمد إلى النسيان الذي طوى تلك المأساة، مأساة ذلك المنزل، الذي يعد متحفا ثقافيا، مما ينبغي على الجهات الرسمية المحافظة عليه. وفي نهاية المطاف لابد من القول بإنه بالرغم من فقدان نصف قرن من الثقافة، بخسارة هذا المنزل، إلا أن جبرا لا يزال يحيا معنا، وروحه لا تزال باقية معنا أيضاً.
أعمال جبرا
من رواياته «صراخ في ليل طويل» 1955، «صيادون في شارع ضيق» - باللغة الانجليزية 1960، «السفينة» ـ 1970، «البحث عن وليد مسعود» ـ 1978، «عالم بلا خرائط» 1982 بالاشتراك مع عبد الرحمن منيف، «الغرف الأخرى» ـ 1986، «يوميات سراب عفان»، «شارع الأميرات»، «عرق وبدايات من حرف الياء» ـ مجموعة قصصية، «البئر الأولى» ـ سيرة ذاتية، وفي مجال الشعر: «تموز في المدينة» ـ 1959، «المدار المغلق» ـ 1964، «لوعة الشمس» ـ 1978. بينما صدر له في الترجمة:
«هاملت»، «ماكبث»، «الملك لير»، «عطيل»، «العاصفة»، «السونيتات لشكسبير»، «برج بابل»، «أندريه مارو»، «الأمير السعيد»، «أوسكار وايلد»، «في انتظار غودو» لصامويل بكيت، «الصخب والعنف» وليام فوكنر، «ما قبل الفلسفة» هنري فرانكفورت. وله في الدراسات: «ترويض النمرة»، «الحرية والطوفان»، «الفن والحلم والفعل» ـ 1986، «تأملات في بنيان مرمري»، «النار والجوهر»، «الأسطورة والرمز».
خالدة الرفاعي

