صفحات تعكس عوالم الشعر، وأخرى ترصد حالات الأدب، وما بين صفحة وأخرى، تقبع خلاصة العقل والروح، في كتب علمية وأخرى فلسفية، لتشكل في مجملها إبداع الإنسانية، عبر عناوين لإصدارات حرصت على ترجمتها «كلمة»، وهي أحد مشاريع هيئة أبوظبي للثقافة والتراث . نتعرف على «كلمة» عن كثب:

جديدها، مشاريعها المستقبلية، آلية عملها.في حوار مع الدكتور علي بن تميم، مدير مشروع «كلمة»، والذي يفسر الكثير من الأمور التي يسأل عنها البعض ، قبل أن تأخذ الكتب طريقها إلى النور، وإلى المستقر الأخير في عقل الإنسان، حيث تعمل على تشكيل فكره، وإكسابه المزيد من المعرفة. ما تقييمك لمشروع «كلمة» بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على انطلاقته؟كل سنة تمر يكتسب المشروع خبرة إضافية، فتتوفر آليات جديدة لتحقيق الرؤية، كما تصبح الأدوات المتصلة بآلية عملنا أكثر غنى، وهو ما يساعد في تسهيل عملية الترجمة، فالتراكم السنوي يتيح لنا اختيار المترجم المناسب بشكل أسرع، والوصول أيضا إلى ناشر الكتاب، بينما كنا في السنوات الأولى نحتاج إلى ثقة أكبر لتسهيل خطواتنا هذه، وهذا في حين اكتسب المشروع الآن سمعة دولية في أواسط المؤلفين، الذين يدخلون إلى العالم العربي عن طريق ترجمة كتبهم.

هل حدث وطلب منكم بعض هؤلاء المؤلفين ترجمة كتبهم؟

بالفعل تصلنا اقتراحات كثيرة للترجمة، ومن مؤلفين مشهورين، منهم من كنا قد قمنا بترجمة أعمالهم من قبل وأصدر في ما بعد كتابا جديدا، إلى جانب طلبات أخرى تصلنا من قبل عدة مؤلفين ووكالات أدبية، نقبل بعضها ونرفض العشرات منها. وما كان هذا ليتحقق، لولا السمعة الدولية التي أوجدتها «كلمة»، التي تحرص بالأصل على التواصل مع مؤلفي الكتب، والاستماع إلى شهادة المؤلفين عن هذا المشروع الهام.

ابتكار

تعقد «كلمة» العديد من الندوات أو ورش العمل في أنحاء متفرقة من دول العالم، ما الهدف الذي تنشدونه من هذه الفعاليات؟

نعقد هذه الورش الدولية لخدمة مشروع الترجمة، فمثلا في ورشة أقيمت في ألمانيا كنا نركز على الشعر الألماني المعاصر، وقمنا هناك بإنجاز الترجمة الأولية للشعراء الألمان، وتدارسنا النص الألماني مع مؤلفه، كما قارنا بينه وبين الترجمة العربية المقترحة للنص، وتناقشنا مع المترجمين، حتى نضمن ترجمة جيدة للشعر، خاصة وأن الشعر يطرح تحديات كبيرة عند ترجمته.

ومن هنا فإن ترجمة الشعر عن طريق ورشات عمل تؤسس للقاءات لتدراس المجازات المستخدمة، والصور والاستعارات، العبارات التي تأخذ ملامح ذاتية، فيها نوع من الابتكار، لتساعد حتما في فهم الشعر وترتقي بترجمته، في الوقت نفسه.

تحدثت في أكثر من مناسبة عن افتقاركم لوجود مترجمين عن اللغة الأصيلة، مثل الصينية والكورية واليابانية، وغيرها. ولذلك تترجمون عن لغات أخرى ترجمت عن اللغة الأم، ما تأثير هذا على قيمة الترجمة؟

نحن لم نبتكر هذه المشكلة، فهي ناتجة عن عدم توفر مترجمين عن اللغة الأصلية، وأعتقد أنه علينا أن لا نتوقف عن ترجمة النص عن لغات أخرى، وإن لم يتوفر مترجم مثلا عن اللغة الكورية أو اليابانية، أو غيرها، يتم نقلها عن الانجليزية أو الألمانية.

وفي بعض الأحيان تكون الترجمة عن لغة وسيطة مفيدة، لأن المترجم العربي يستفيد من جهد المترجم في اللغة الوسيطة، نظرا لأن المترجم في اللغة الوسيطة عمل على تفكيك النص وكشف جمالياته، عبر إضافته للهوامش وتقديمه للنص، أو عند لقائه بالمؤلف في بعض الأحيان، وقد حدث في مرات كثيرة أن قرأت ترجمات عن الانجليزية، كانت أجمل من الترجمة العربية مباشرة من اللغة الأم.

وهذا لا يمنع وجود ترجمات من لغات وسيطة أساءت نقل النص الأصلي، فحركة الترجمة تقدمت جدا، فمثلا في اللغة الانجليزية هناك ترجمات عدة لنص واحد، إلى جانب وجود دراسات حول الترجمات، والمترجم نفسه إذا لم يعش سياق النص، حين ينقله من لغة أخرى، فإنه لن يصل إلى ترجمة موفقة.

هل أصبح لديكم قائمة بأسماء المترجمين الذين تتعاملون معهم باستمرار؟

نعم، لدينا قائمة معتمدة من المترجمين، وقد تم بناؤها بعد أن اختبرنا الكثيرين عن طريق لجان التحكيم، وهذا ما جعلنا نعتمد على مترجمين، وأن نستغني بالمقابل عن بعضهم.

«قراء المستقبل»

تحرص «كلمة» على نشر العديد من الكتب المتخصصة، التي تستلزم قراءة عدد من الكتب حتى يتم فهمها، لماذا؟

أتفق معك إلى حد ما، وذلك يتأتى لأن اختياراتنا تسعى لأن تكون دقيقة وعريضة، ونحاول من خلالها أن نخاطب الجميع، مثل الأطفال والناشئة، وأن يكون لنا دورنا في حركة المعرفة في الجامعات.

وفي مجال البحث الأكاديمي، فنحن نحاول أن نختار كتبا معتمدة على معايير الوضوح والرواج والتقبل من المتلقين، فمنها ما هو متخصص، ومنها ما هو جماهيري، أو أدبي، وهكذا فإنها محاولة دائمة ومدروسة للوصول إلى الجميع.

تصور

توجهتم بترجماتكم للأطفال، بل ساهمت بشكل شخصي في توزيع حقائب تضم مجموعة من الكتب المترجمة، على الأطفال المتميزين في عدد من مدارس الدولة، فما هدفكم من هذا؟

كما قلت، هدفنا أن نصل إلى كل فئات المجتمع، وأن نقوم بصناعة قرّاء المستقبل، ولهذا ذهبنا إلى الأطفال وأعطيناهم الكتب في بعض الأحيان، فأحيانا لا يلتفت المنزل إلى أهمية الكتاب، ومن خلال الكتب التي نوزعها قد ننقل رسالة مجازية لتشجيع القراءة، تؤكد أهمية الكتاب في حياتهم، وقد ترجمت «كلمة» مجموعة من الكتب الموجهة للأطفال عن الانجليزية والفرنسية والألمانية، وغيرها.

تهتم «كلمة» بأن تقدم للقارئ كتابا أنيقا يجمع بين التنضيد المريح، والغلاف الجميل، إلى جانب الورق الخفيف عالي الجودة، ما سبب اهتمامكم بهذه النواحي الفنية؟

أعتقد أن جودة الطباعة تصب في خدمة القارئ العربي، وتسهم في إيجاد خيارات فنية جديدة لجذب القُراء، خاصة وأن هناك بعض الأمور الهامشية تلعب دورا في تشجيع اقتناء الكتاب وقراءته، مثل حجم الكتاب ووزنه، فالوزن الخفيف قد يمكن الشخص من حمل عشرة كتب معه عند السفر، من دون أن يشعر بثقلها، وهو ما حرصت عليه «كلمة» إلى جانب بعض الأمور الفنية الأخرى.

فمثلا كتاب «الشاي» الذي يعتبر من أكثر الكتب مبيعا في العالم، وقد أبدع المترجم سامر أبوهواش في ترجمته، قدمته كلمة للقارئ العربي بعد تزويده بالصور، وهو في الأصل يخلو من الصور، وفعلنا ذلك حتى نجذب القراء، فالكتاب المصور يحفّز على قراءته، وهناك كتب أخرى قمنا بترجمتها كانت في الأصل مستواها الطباعي ليس ممتازا، لكننا عملنا على تقديمها بشكل مختلف بما يتناسب مع تصور ومستوى «كلمة».

هل حدث واستخدمتم الأغلفة الأصلية لبعض الكتب؟

كثيرا ما نستخدم الأغلفة الأصلية للكتب إذا كانت جيدة، ونحرص على شراء حقوقها مع النص، وإن لم نستطع شراء الحقوق، لأي سبب من الأسباب، نعمل على تطوير الأصل ومحاكاته وفق مقاربة مبتكرة.

«الطاقة المستدامة»

ما أهم الإصدارات التي ستنشرها كلمة في المرحلة المقبلة؟

هناك سلسلة من الروايات الأدبية والدراسات الهولندية، وسلسلة من الروايات اليابانية المعاصرة، وسلسة الحياة اليومية التي ترصد الحياة المهملة في القرون الوسطى، وفي العهد القديم، والحضارات اليابانية.

وترصد كذلك الحياة في مرحلة الطاعون، أو ما يقال عنه «الموت الأسود»، وهو ما يدخلها في سياق التأريخ الاجتماعي للناس في تلك العصور، سواء في الحرب العالمية، أو في اليابان، والتي صورت في العهد القديم والحديث.وإلى جانب هذا هناك سلسلة من الكتب التي ستصدر عن الطاقة المستدامة.

دقة المعايير

حصلت بعض الكتب التي كانت قد ترجمتها «كلمة»، على جوائز عالمية مرموقة، وصنف بعضها على أنه الأكثر انتشارا ومبيعا في العالم. وعن هذا قال د.علي بن تميم: «إن هذا يعطينا انطباعنا بأن معاييرنا في اختيار الكتب، دقيقة وناجحة، وهو ما يجعلنا أكثر تمسكا بها، وأكثر رغبة في تطويرها، لأن اختيار كتاب ما وترجمته إلى العربية، ومن ثم يحصل في ما بعد على جائزة عالمية في لغته الأصلية، أمر يعكس بالتأكيد، الكثير من الدقة في جودة الاختيار.

بن تميم في سطور

أستاذ النقد الأدبي في جامعة الإمارات ،رئيس مجلس إدارة مركز جامع الشيخ زايد الكبير، عضو لجنة تحكيم في برنامج «أمير الشعراء» منذ دورته الأولى، على مدار ثلاث دورات متعاقبة فيه، لديه العديد من المؤلفات، منها: «السرد والظاهرة الدرامية - دراسة في التجليات الدارمية للسرد العربي».

عبير يونس