تؤرخ المتاحف المصرية للتاريخ المصري والعربي والإسلامي، الفني والإبداعي، حيث تحمل بين جنباتها أعداداً هائلة من الأعمال والقطع الفنية القديمة والحديثة، وذلك جنباً إلى جنب مع أعمال عالمية ووثائق تاريخية نادرة، ويرجع الفضل في تأسيس وإنشاء هذه المتاحف إلى عدد غير قليل من حكام مصر، من أسرة محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، وأيضاً أثرياء وفنانين وزعماء وهواة وعشاق.
جميع هؤلاء كانوا يقومون بشراء الأعمال الفنية والقطع النادرة التي تروق لذوقهم أثناء رحلاتهم شرقاً أو غرباً، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لتزيين صالونات قصورهم وبيوتهم التي كانت قبلة رجال الدولة والسياسيين وزوار الدولة المصرية، والأمثلة البراقة والأبرز في هذا الصدد: الأمير يوسف كمال والأمير محمد علي وهدى شعراوي، والسياسي محمد محمود خليل، وغيرهم من رعاة ومحبي الفن في مصر على مدار ما يزيد على نصف قرن. البدايات والتطوير
يرجع الفضل الأكبر والحقيقي في هذا الشأن لحكام أسرة محمد علي باشا الكبير، وأمرائها الذين لم يبخلوا بإنشاء وتأسيس المتاحف واقتناء أعظم الأعمال والقطع الفنية، سواء منهم الخديوي إسماعيل أو الخديوي توفيق أو الخديوي عباس حلمي الثاني أو الملك فؤاد أو الملك فاروق، فكانوا جميعاً حريصين على إقامة المتاحف التي تؤرخ محتوياتها لبدائع الفنون التراثية الفرعونية والقبطية والإسلامية، وأهدوها العديد من القطع والأعمال النادرة، كما شجعوا على إنشائها.
ولاحقاً، في السنوات الأولى لقيام ثورة 23 يوليو، وتحديداً في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، شكل إنشاء وإقامة المتاحف هماً أساسياً لدى وزارة الثقافة المصرية، والطريف أن قصور أمراء الأسرة المالكة وبيوت الفنانين والشخصيات الوطنية الشهيرة، تحولت إلى متاحف، كمتحف كرمة ابن هانئ: «بيت الشاعر أحمد شوقي»، متحف بيت الأمة: «الزعيم سعد زغلول»، متحف الزعيم مصطفى كامل، متاحف أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وغير ذلك.
وتنقسم المتاحف المصرية الأبرز، والتي يزيد عددها على الخمسين، إلى أربعة أقسام، منها ما هو متخصص في الفنون والآثار الفرعونية والقبطية والإسلامية، والثاني للفنون التشكيلية الحديثة من نحت وتصوير ورسم وغيره.
حيث يضم لوحات وأعمالا لشتى ألوان ومجالات الطيف التشكيلي العالمي والعربي والمصري، ويتخصص القسم الثالث بآثار ومخلفات أعمال كبار الكتاب والفنانين والزعماء والقادة، بينما يعنى الرابع والأخير (المتاحف النوعية)، بنوعيات متاحف البريد والتعليم والسكك الحديدية والبحرية، والمتحف الحربي الذي يحتضن أهم الوثائق وأبرز التواريخ والمقتنيات.
المتحف المصري
صمم المتحف المصري الحالي في عام 1896، بواسطة المهندس الفرنسي مارسيل دورنو، وفق النسق الكلاسيكي المحدث، والذي يتناسب مع الآثار القديمة والكلاسيكية.
وتبدو القاعات الداخلية فيه، فسيحة جداً، كما تمتاز الجدران بعلوها، ويدخل الضوء الطبيعي من خلال ألواح الزجاج على السقف، ومن الشبابيك الموجودة بالدور الأرضي، أما الردهة الوسطى بالمتحف فهي أعلى جزء من الداخل، حيث عرضت فيها الآثار مثل ما كانت موجودة في المعابد القديمة.
وزعت الآثار في هذا المتحف ضمن طابقين، السفلي منهما يحوي الآثار الثقيلة، مثل التوابيت الحجرية والتماثيل واللوحات والنقوش الجدارية. أما الطابق العلوي فيحوي عروضاً ذات موضوعات معينة: المخطوطات وتماثيل الأرباب والمومياوات الملكية وآثار الحياة اليومية وصور المومياوات والمنحوتات غير المكتملة، وتماثيل وأواني العصر اليوناني الروماني، وآثار خاصة بمعتقدات الحياة الأخرى وسوى ذلك من الآثار.
متحف الفن الإسلامي
ظهرت فكرة إنشاء دار تجمع التحف الإسلامية في سنة 1869م، حيث جمعت في الإيوان الشرقي من جامع الحاكم، وصدر مرسوم عام 1881م، يقضي بتشكيل لجنة حفظ الآثار العربية، ولما ضاق هذا الإيوان بالتحف، بني لها مكان في صحن الجامع، حتى أنشئ هذا المكان الحالي في ميدان أحمد ماهر بشارع بورسعيد (الخليج المصري قديماً)، وكان يعرف جزؤه الشرقي بدار الآثار العربية، وجزؤه الغربي باسم دار الكتب السلطانية.
ويعتبر متحف الفن الإسلامي من أعظم متاحف العالم لما يحتويه من مجموعة تحف إسلامية نادرة، من الخشب والجص والمعادن والخزف والزجاج والبلور والمنسوجات، من شتى البلدان الإسلامية في جميع عصورها، ويقع المتحف في مواجهة مدينة القاهرة القديمة تماماً، وقد نظم هذا المتحف العديد من المعارض، محلياً ودولياً، ويوجد فيه ما يربو على 102 ألف قطعة أثرية.
متحف الخزف الإسلامي
يحتل متحف الخزف الإسلامي، أول متحف نوعي للخزف الإسلامي في الشرق الأوسط، الطابقين، الأرضي والأول، من قصر الأمير عمرو إبراهيم- أحد أفراد الأسرة الملكية المصرية، إذ تمت مصادرته بعد قيام ثورة يوليو 1952، ويرجع تاريخ بنائه إلى عام 1342 هجرية، وهو مشيد وفق طراز العمارة الإسلامية، ويعد أحد ألمع النماذج التي بنيت في عصره على الطراز الإسلامي، حيث يحمل الكثير من مفردات فنون العمارة الإسلامية: «عقود، مشربيات، خزفيات، مقرنصات».
يضم العرض المتحفي 315 قطعة من أنواع المنتجات الخزفية المختلفة، والتي تؤرخ للكثير من العصور ومناطق الإنتاج، كما تمثل الأساليب وطرق الصناعة المتنوعة التي عرفت واستخدمت، خلال تلك الحقب.
متحف الفن المصري الحديث
بادر «محمد محمود خليل باشا»، رئيس جمعية محبي الفنون الجميلة، في العام 1925، بطرح فكرة تكوين مجموعة من الأعمال كنواة لإقامة متحف للفن الحديث بالقاهرة، وفي عام 1929 تم تجميع المقتنيات الفنية في سراي «تيجران» وانتقلت بعدها إلى مكان مستأجر على تقاطع شارعي فؤاد وعماد الدين، سمي بقصر «موصيري»، وفي 8 فبراير 1931 تم افتتاح المتحف وهو يحوي 584 قطعة فنية، متوضعة في داخل قصر «موصيري».
ثم في فبراير 1936، انتقل مقر المتحف إلى سراي البستان، وفي مايو 1940 نقل إلى فيلا «الكونت زغيب» في شارع قصر النيل، ومع قرار هدم فيلا «زغيب» في عام 1963، جمعت المقتنيات فوضعت في فيلا «إسماعيل أبو الفتوح» بالقرب من ميدان فيني بالدقي، إلى أن افتتح في عام 1966 بأعمال الفنانين المصريين فقط، وأقيم المبني الحالي للمتحف في عام 1936.
وهو من تصميم المعماري مصطفى بك فهمي، وكان يسمى السراي الكبرى، وقد تم إعادة تطويره وتجهيزه ليفي بحاجات العرض المتحفي، وليكون المقر الدائم لمتحف الفن المصري الحديث، والذي افتتح رسمياً في 1991، حيث يتكون من 10 قاعات موزعة على ثلاثة طوابق، بالإضافة إلى عرض في الهواء الطلق في مقدمة المتحف لأعمال النحت كبيرة الحجم، ويعد هذا المتحف، المجمع الذي يضم النخبة المميزة من إبداعات الفنانين المصريين، منذ العشرينات إلى اليوم.
متحف محمد محمود خليل وحرمه
يطل هذا المتحف على نيل مصر، من الجهة الشرقية ومن الجهة الغربية على شارع الجيزة، وقد تم تشييده في نحو العام 1915 وفق الطراز الفرنسي، ويعتبر أحد أهم المتاحف في مصر والمنطقة العربية، حيث يضم مجموعة هائلة من روائع الفن العالمي، من تصوير ونحت وخزف وجوبلان وغيرها.
ولكن تبقى مجموعة الأعمال الخاصة بفناني القرن التاسع عشر في أوروبا هي الأهم والأشهر، لأنها تشمل أعمالاً يبلغ عددها 876 عملاً لأبرز فناني المدرسة التأثيرية بأوروبا، وفي مقدمهم فان غوغ، وبول غوغان، رينوار، كلودمونيه، لوتريك، إدوار مانيه، الفريد سيسلي، رودان ويجا، وأيضاً بعض أعمال فناني المدرسة الرومانطيقية:
فرومنتان، ديلاكروا، باري أنطون لويس. وكذلك فناني المدرسة الكلاسيكية، وعلى رأسهم روبنز وفانترهالتر وفناني المناظر الخلوية. إلى جانب المجموعة الرائعة من الفازات والأواني من الخزف والبورسلين من فرنسا وتركيا وإيران والصين، وكذا بعض التحف الصينية الدقيقة والمصنوعة من الأحجار النصف كريمة، وهناك أعمال «اللاكر» اليابانية الصنع، وهي عبارة عن مجموعة كبيرة من العلب والمشغولات الصغيرة التي تعبر عن رقة الفن الياباني بزخارفه الجميلة المستوحاة من عناصر الطبيعة.
المتحف الزراعي
تبدأ قصة المتحف الزراعي، عندما أصدر مجلس الوزراء المصري قراراً في 21 من نوفمبر1929، لإنشاء المتحف الزراعي المصري، في سراي الأميرة فاطمة إسماعيل، التي وهبتها للجامعة المصرية.
وتم استلام السراي وتجهيزها بما يلائم أن تكون متحفاً، وافتتح المتحف في 16 من يناير 1938، وأطلق عليه في البداية مسمى «متحف فؤاد الأول الزراعي»، وكان الهدف منه تسجيل وعرض تطور الزراعة المصرية، إذ إن مصر من البلاد العريقة في المجال الزراعي، ولعب المصري دوراً كبيراً في تطوير الزراعة وابتكار آلاتها.
وبلغت مساحة المتحف الزراعي نحو 125 ألف متر مربع، تشغل منها مباني المتاحف نحو 20 ألف متر مربع، وبقية مساحة المتحف هي حديقة تضم أنواعاً متعددة من الأشجار والنباتات النادرة، والمسطحات الخضراء؛ إضافة إلى حديقتين على الطراز الفرعوني.
متحف مختار
تتجلى أهمية الراحل محمود مختار (1891- 1934)، في أنه صاغ أسساً وملامح مميزة لفن النحت المصري الحديث، مستلهماً تراث أجداده المصريين، ومستوعباً روح العصر الحديث، وهكذا نجح في إيجاد صيغة ملائمة لتزاوج التراث الأوروبي بالتراث المصري القديم.
وقد استطاع محمود مختار التعبير عن ثورة 1919، وآمال المصريين في التحرر والاستقلال، من خلال إبداعه لتمثال نهضة مصر المقام حالياً أمام جامعة القاهرة، وتمثال سعد زغلول المطل على كوبري قصر النيل، وتمثال سعد زغلول بالإسكندرية.
وعلى مقربة من نيل القاهرة في حديقة الحرية، يقع متحف مختار الذي تم افتتاحه في عام 1964، وذلك بعد سلسلة طويلة من المطالبات والنداءات من قبل المثقفين والصحفيين وقادة الفكر والرأي، وفي مقدمهم هدى شعراوي، التي كان لها الفضل في الحفاظ على تراث مختار وتخليد ذكراه.
وقد قام بتصميم متحف مختار المهندس رمسيس ويصا واصف، حيث نفذه بالحجر الجيري وقد أراد أن يرمز بالقنطرة الموصلة إلى المتحف، إلى ما حققه مختار من قفزة عظيمة في فن النحت، تمثل جسراً إلى العصر الحديث.
ويحتوي المتحف 175 عملاً من أعمال مختار المنفذة بمختلف الخامات، بالإضافة إلى أدواته الخاصة التي كان يستخدمها في النحت، وكذلك وثائق وصور نادرة لمختار، وأهم الجوائز والأوسمة العالمية التي حصل عليها.
متحف ناجي
يعد الفنان محمد ناجي، واحداً من أبرز جيل الرواد الذين وضعوا أساس النهضة الفنية الحديثة، وقد عاش في الإسكندرية وكان له تأثيره الإيجابي على الحركة الفنية فيها. درس ناجي الفن في فلورنسا بإيطاليا، وتميزت لوحاته بشفافية اللون وتناغمه مع قوة التركيب وتوازنه.
وفي عام 1952 شيد مرسمه في حدائق الأهرام (الموقع الحالي للمتحف)، على قطعة أرض كان يملكها، وهدف هو إتاحة مكان جيد وواسع لاستكمال لوحته الكبرى «مدرسة الإسكندرية»، التي بدأ في رسمها عام 1929، عندما كان مديراً لمتحف الفن الحديث، وقد توفي الفنان في هذا المرسم.
وفي عام 1962 اشترت وزارة الثقافة المرسم تمهيداً لتحويله إلى متحف لهذا الفنان، وقامت شقيقته، الفنانة عفت ناجي، بإهداء الدولة أربعين لوحة زيتية من أعماله، ومجموعة كبيرة من رسومه التحضيرية، ومتعلقاته الشخصية. ثم في 13 يوليو 1968 افتتح د. ثروت عكاشة، وزير الثقافة ؟ آنذاك ؟ متحف ناجي للجمهور، ويبلغ عدد مقتنياته 1200 لوحة وقطعة من متعلقاته الشخصية.
متحف الأمير
ولد الأمير محمد وحيد الدين سليم في عام 1919، وتوفي في عام 1995. والده هو سليم بك خليل، أحد ضباط الجيش التركي، ووالدته الأميرة شويكار، بنت إبراهيم بن الأمير أحمد رفعت بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا.
تلقى الامير سليم تعليمه بباريس وعاد إلى مصر سنة 1939، وكانت ثقافته فرنسية، وكان يهوى التردد على المزادات لشغفه باقتناء التحف، واستقر في هذا القصر منذ عودته من فرنسا لغاية وفاته، ثم تم إغلاقه منذ ذلك الحين، وكان هذا القصر ملكاً للأمير يوسف كمال، ثم أهداه إلى الأميرة شويكار.
يضم القصر حديقة فيها مجموعة من أشجار النخيل النادرة، وتتوسطها نافورة رخامية بديعة. وبعد صعود درجات السلم المؤدية للدور الأول فيه، يطالعنا بهو مكسو بالرخام الأسود والأبيض والماوردي المستورد من إيطاليا، وبه أيضا كرانيش هي غاية في الجمال، وعليها زخارف نباتية مذهبة.
وتطل على البهو أربعة غرف، أولها الصالون رقم 1، وبابه مغطى بمرايا، وتغطي سقفه رسومات من الجبس، وفي صدارة الغرفة لوحة زيتية كبيرة لمحمد على باشا رئيس الأسرة العلوية، كما أن جدران الغرفة مزينة بزخارف نباتية مذهبة على الطراز الفرنسي، وهناك مرآة كبيرة بالحائط المجاور للباب، والأرضية من خشب الأرو.
أما الصالون الثاني فبابه من الخارج مغطى بمرآة والسقف تزينه صور ورسومات على الطراز الفرنسي، والحائط مبطن بالستان الوردي وفيه مرآة كبيرة، وكذا تصميم الحائط ديكور على هيئة مدفأة مجلدة برخام أبيض على الطراز الفرنسي، كما يوجد بهذه الغرفة تمثال نصفي لإبراهيم باشا. أما الغرفة الثالثة فتحتوي على المكتبة الخاصة بالأمير، وكل محتوياتها باللغة الفرنسية، وفي مواجهة هذه الغرفة تقع غرفة السفرة، ويشمل الدور الثاني أربع غرف، أهمها الجناح الخاص بالأمير.
متحف بيت الأمة
يقع متحف بيت الأمة في شارع سعد زغلول، بجوار ضريح هذا القائد الوطني، وهو أساسا بيت الزعيم زغلول الذي انتقل للإقامة فيه في عام 1902. وقد شهد هذا البيت الكثير من الأحداث التي مرت على مصر في الثلث الأول من القرن العشرين، وكان مسرحاً رئيسياً فيها، وبخاصة أحداث ثورة 1919 وتداعياتها، كما كان هذا البيت بمثابة بيت للمصريين جميعاً على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية، يجتمعون فيه للاتفاق على ما هو في مصلحة الأمة.
وفي عام 1944 أوصت أم المصريين (السيدة صفية زغلول)، بأن يكون بيت سعد زغلول، متحفاً ليتجسد بذلك شاهداً حياً على كفاح وتضحيات أبناء الوطن من أجل استقلاله وتحريره، وقد جعلته ثورة يوليو 1952، متحفاً قومياً، ويحتوى المتحف، بالإضافة إلى الأثاث والمتعلقات الشخصية لسعد باشا وزوجته «أم المصريين»، وثائق وصورا هامة، ومكتبة نادرة، والعديد من النياشين والأوسمة والهدايا الشخصية، ويبلغ مجموع مقتنياته 3331 قطعة.
محمد الحمامصي


