لا شك أن سيغموند فرويد هو أحد أشهر المفكرين في التاريخ الإنساني كله. إنه على الأقل أحد أكثرهم حضورا في النقاشات الفكرية وأكثرهم نفوذا لدى الأجيال التي لحقته. لكن كل هذه الشهرة وهذا الحضور وبالمحصّلة كل هذا النفوذ وهذه السطوة يقدّم الفيلسوف الفرنسي الشاب من مواليد عام 1959- كتابا تحت عنوان «غسق وثن».
أما الوثن المقصود فهو ليس «سيغموند فرويد» أب التحليل النفسي الحديث. ومثلما أن «الغسق» يعلن قدوم الليل، فإن ميشيل اونفراي يعلن «غسق» الفكر الفرويدي.
هذا الكتاب الصادر قبل أسابيع قليلة أثار، ولا يزال يثير، منذ صدوره نقاشات لا تنتهي بين مؤيدي فرويد والفرويدية وبين مؤيدي الأفكار الجديدة التي يقول بها ميشيل اونفراي منتقدا فرويد ومن خلاله منتقدا النخب حيث وصفه البعض أنه «المثقف الذي يثير الخوف لدى النخب».
الفكرة الأساسية التي ينطلق منها ميشيل اونفراي وتتركز حولها تحليلات كتابه هي فكرة «بسيطة» وواضحة وقاطعة، مفادها أن فرويد أراد أن يصوغ من مقولاته «علما» يتحلّى بكل القدر من الصرامة التي يتطلّبها العلم، لكنه لم يتوصل إلى ذلك.
وأراد فرويد أن يبرهن أيضا على أن «عالم اللاوعي» الذي اعتبره مخزن الدوافع الحقيقية التي تحرّك سلوك البشر، هو عالم له «قوانينه الخاصة»، قوانين تحكم آليات عمله. وهنا أيضا لا يتردد ميشيل اونفراي في القول أن صاحب مقولة «اللاوعي» قد «كذب» كثيرا في أطروحاته من أجل أن ينال أن يكسب صفات «العالم» الدقيق والمدقق فيما يطرحه.
وما فعله مؤلف هذا الكتاب هو أنه عاد إلى التنقيب الهادئ والصبور في مجمل أعمال سيغموند فرويد وكتاباته منذ البداية والتي أصبحت فيما بعد «مكرّسة» كحقائق نهائية. ثم يقوم بعد ذلك بتبيين ما تتضمنه من مفارقات وتناقضات. ذلك من خلال تحليل ما جاء فيها، ولكن أيضا وخاصة من خلال مقابلتها مع شهادات في عصرها ومع مراسلات تبادلها فرويد مع أصدقائه ومحاوريه.
ومن خلال هذا كله يصل ميشيل اونفراي إلى نتيجة تتعارض إلى درجة التناقض، مع كل المقولات السائدة والمقبولة عن سيغموند فرويد. وفي مقدمة هذه النتائج أن «التحليل النفسي» الذي بنى عليه فرويد شهرته بالدرجة الأولى، إنما هو مجرد فرع «ملحق» بعلم النفس البسيكولوجيا- وبالأدب وبالفلسفة. لكنه ليس بأي حال من الأحوال علم «صلب» بالمعنى الدقيق لمفهوم العلم. وبالتالي لم يكن مسعى «فرويد» لرفع مستوى أفكاره إلى مصاف العلوم قائما على وقائع وحقائق، ولكن بالأحرى على قدر كبير من الافتراءات.
هكذا يتم للمرة الأولى من موقع فكري معترف به كميشيل اونفراي التشكيك بمصداقية مقولات سيغموند فرويد بعد سبعة عقود من وفاته. بكل الحالات هذه هي المرة الأولى تتم فيها محاولة «تكسير الصنم» الفرويدي بمثل هذه الدقة والتصميم، إذ كان مفكرون آخرون قد «شككوا» بدقة ما يقوله فرويد حول التحليل النفسي ودوره في توجيه سلوك البشر.
وفي مقدمة هؤلاء جان بول سارتر وجيل ديللوز. وفي مثل هذا السياق صدر في عام 2005 بفرنسا عمل جماعي تحت عنوان «الكتاب الأسود للتحليل النفسي»، أي على غرار كتب مثل «الكتاب الأسود للشيوعية» و«الكتاب الأسود للنازية»، الخ.
إن الصورة التي يرسمها ميشيل اونفراي لسيغموند فرويد في هذا الكتاب هي في المحصلة صورة «قاسية» الملامح ولا تخلو من «التشويهات» ،ويقول المؤلف عنه أنه «متصنّع تحت عباءة رجل علم». وهو رجل كاره للإنسانية وحاقد على الآخرين، بما في ذلك والده الذي وهبه الحياة. وشخصية تنقصها الأمانة، ذلك أنه لا يعترف بفضل الأفكار التي أخذها أو استعان بها مما كان قد طرحه الفيلسوف المعاصر له، «فريديريك نيتشه».
ولا يتردد اونفراي في القول أن فرويد خصم للفلسفة ولما تقتضيه من محاكمات عقلية هذا إلى جانب تفضيله لـ «غريزة الموت» على «غريزة الحياة»، الأمر الذي دفعه إلى حد أنه أظهر إعجابه بالفاشية على غرار الطراز الموسوليني. وفي نفس السياق من الأفكار يرى اونفراي أن فرويد لم يفعل أي شيء من أجل منع أعضاء «جمعية التحليل النفسي» في برلين عن الوقوع تحت «إغراء» الفكر النازي الذي مثّله هتلر. وهنا يكمن اتهام فرويد أنه كان «جبانا».
هكذا يقدّم اونفراي مؤسس التحليل النفسي على أنه قام بمحاولة تزييف الحقائق من أحل تحقيق هدف محدد هو أن يرفع «أفكاره الشخصية إلى مصاف الأفكار الكونية- يونيفرسال».
والمشكلة كما يحددها المؤلف تكمن تحديدا في هذا المسعى الرامي إلى رفع الأفكار «الخاصة» إلى مستوى الأفكار «المطلقة».
إن اونفراي يركز على القول أن التحليل النفسي الفرويدي لم يتم تقديمه على أنه «فرضية صاغها إنسان» ولكن كـ «حقيقة ذات بعد عام وشامل» وأنها «حقيقة علمية» مثل قول كوبرنيك أن الأرض تدور حول الشمس.
ويؤكد اونفراي كذلك أن مفهوم «اللاوعي» جرى تقديمه على أنه «اكتشاف عظيم» من اكتشافات فرويد، ولكن دون أن يستطيع إثبات ذلك على مدى ال6000 صفحة التي كتبها. هذا رغم تأكيده أن أفكاره حول اللاوعي والتحليل النفسي ترقى إلى مصاف علم الفلك والعلوم الطبيعية. بل يذهب ميشيل اونفراي إلى حد القول أن التحليل النفسي ليس سوى عملية «إعادة تنشيط» للممارسة قديمة في حقل الروحانيات.
الكتاب: غسق وثن
تأليف: ميشيل اونفراي
الناشر: غراسيه باريس 2010
الصفحات: 624 صفحة
القطع: المتوسط
Le crépuscule d'un idole
Michel Onfray
Grasset -Paris 2010
624p.
