تعد رواية «الجمهورية الميتة» الجزء الثالث والأخير من ثلاثية «لم الشمل الأخير» والأوسع في نطاقها والأكثر أهمية من الناحية الأدبية بين كتبه العشرة التي أصدرها حتى الآن.
ونحن نقرأ هذه المذكرات التي تقع في ثلاثة أجزاء ضخمة للدبلني هنري سمارت، الذي يولد عام 1901 ويتوفى عام 2009، وتبدأ هذه المذكرات قبل ولادته بأربع سنوات، وتنتهي بالأصيل الأخير في عمره.
وفي الجزء الأول من الثلاثية، والذي يحمل عنوان «نجم يدعى هنري» نجد هنري أكثر انشغالاً بالصمود في الحياة اليومية من أن يساوره القلق على الحياة السياسية، ولكنه في منتصف سنوات مراهقته يتحول إلى أحد مساعدي مايكل كولنز ويغدو ضمن اخر المقاتلين الذين يستسلمون في انتفاضة عيد الفصح.
وفي الجزء الثاني من الثلاثية وهو بعنوان «أو، إعزفوا هذا الشيء» الصادر عام 2004، والذي تنطلق فيه الأحداث من عام 1924 إلى الأربعينيات ينطلق هنري إلى الولايات المتحدة لينغمس في مغامرات تصل إلى ذروتها بفقدانه ساقه في حادثة.يبدو الجزء الثالث والأخير من الثلاثية الصادر أخيراً بعنوان «الجمهورية الميتة» أكثر اتساماً بالطابع الديكنزي بالمعنى العام والمألوف لهذا التعبير، حيث نتابع عودة هنري إلى أيرلندا ليعمل مستشاراً لفيلم يجرى تصويره عن الحياة الأيرلندية.
ويلفت نظرنا أن أحداث الجزء الثالث تبدو أكثر بطأ من الجزأين الأول والثاني من الثلاثية، ولكنها تعوض هذا الجانب بزخمها الجمالي.وإذا كان دويل قد سجل من قبل عدم تأثره برواية «عوليس» لجويس، فإنه يقدم لنا رده على هذا العمل، فهنري الذي يبدو حاذقاً وجريئاً مثل أوديسيوس في شبابه، يصبح مثل ليوبولد بلوم أكثر ألمعية مع تقدمه في العمر، وكأنه يكذب بيت بيتس الشهير «الرجل الموغل في العمر ليس إلا شيئاً تافهاً».
ويكاد اجماع النقاد ينعقد على أن الجزء الثالث هو أفضل أجزاء الثلاثية على الإطلاق، فمع تقدم هنري في العمر يوغل مبدعه في النضج أيضاً، وفي هذه الرواية يتجنب صيغ ارضاء الجمهور ليبدع عملاً أصيلاً حقاً.
وقد لا يكون من قبيل المبالغة القول إن دويل يبدو في هذه الروايات وكأنه قصد القيام بإعادة رسم واقعية سحرية لخريطة أسطورة وطنية مستلهمة من التاريخ الأيرلندي.
غير أن هذا العمل، الذي يبدو لأول وهلة، رواية شديدة الجاذبية حقاً لايخلو من عيوب تلفت نظرنا بشدة، ربما لأنها تبرز في وقت يفترض فيه أن دويل قد وصل إلى قمة نضجه كروائي مبدع.
العيب الأول يتمثل في الحقيقة القائلة إن علينا أن نجتاز ثلث الرواية على الأقل، أي ما يزيد على مئة صفحة، قبل أن نجد أنفسنا حيال الليلة التي اقتحم فيها هنري سمارت خيمة فورد وقد عقد العزم على قتله، وهو أول تذوق للدراما، رأى دويل أن من المناسب أن يقدمه لنا، بعد أن امتلأت الصفحات المئة الأولى بمناقشات حول الحبكة والبنية والعواقب الأيديولوجية للسيناريو الذي يعكف عليه الرجلان.
العيب الثاني يبدو جلياً في ميل الحوار عند دويل هذه الأيام إلى الاسترسال والاستفاضة في صورة مداولات بين الشخصيات لا تترك لنا شيئاً مهماً في نهاية المطاف، وعلى الرغم من أنها تطرق إلى أمور لا حصر لها، بما في ذلك نتائج محنة البطالة الأولى.
العيب الثالث والأسوأ في الرواية هي أن الحوار الذي يرد على لسان شخصية في الرواية يبدو لنا قابلاً للتبادل بحيث يرد على لسان كل شخصية أخرى في العمل، بحيث أن المرء لا يملك في نهاية المطاف إلا أن يتساءل: من يحدث من؟
والعيب الرابع، والذي ما كان يخطر لنا على بال، هو أن رواية دويل تبدو بمثابة الضيف الثقيل، الذي بقي طويلاً بحيث استنفد تماماً وقت الترحيب به، وفتح المجال للشعور بالسأم والضجر . ها هي صحيفة «جلوب أند ميل» أبرز الصحف الكندية تبادر في غمار تناولها لهذه الرواية إلى القول: «كرس دويل عبر هذا العمل كل مواهبه المتألقة في شخصية واحدة ليقدم لنا عملاً يتسم بالبهاء حقاً».
وتقول صحيفة «سكوتش ديلي ريكورد» عن ابداع دويل: «إنه يواصل الاحتفاظ بذلك المستوى الرفيع من الإبداع في هذا الجزء من ثلاثيته الأيرلندية الكلاسيكية».
وتذهب مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة إلى تأكيد أن: «دويل روائي محلق عالياً، يفصح عن اقتدار لا نظير له في تعامله مع العنف والطابع المأساوي للتاريخ الايرلندي».
وتقول صحيفة «غارديان» اللندنية في غمار تناول مطول لهذه الرواية: «يبدو أن قصد دويل في هذا كله هو التنويع على فكرة أن تراجيديات التاريخ تعاد في وقت لاحق في صورة ساخرة. وفي حالة سمارت بكل هذه الثلاثية، وامتداداً في حالة أيرلندا، فإن الدراما التي ولد فيها النضال من أجل الحرية تصبح إما ميلودراما أو مذابح، وتغدو الروح إما عاطفة أو وحشية.
أيا كان الأمر، فإننا نظل أمام عمل شديد الأهمية يعكس موهبة متألقة، ويحتاج إلى أكثر من قراءة على أكثر من صعيد واحد، وربما يدفع أحد المترجمين العرب الموهوبين إلى ترجمته علماً بأن رودي دويل لم يترجم من كتبه العشرة إلى اللغة العربية إلا روايته الفائزة بجائز بوكر «بادي كلارك هاهاها».
الكتاب: الجمهورية الميتة
تأليف: رودي دويل
الناشر: فايكنج نيويورك 2010
الصفحات: 329 صفحة
القطع: المتوسط
The Dead Republic
Roddy Doyle
Viking, N.Y., 2010
329P.
