نجد الكتاب يهتم، بشكل أساسي، بحالة الاغتراب بين صفوف المتشددين إسلامياً، والبحث عن أسباب هذا الاغتراب، انطلاقاً من تجربة شخصية عاشها الكاتب عبر اتصاله بثلاث جماعات كبرى.فما يقدمه الكتاب ليس مجرد انطباعات لمُتابع لأنشطة الجماعات الإسلامية وبرامجها، بل هو خلاصة تجربة لعضو مثابر منها، وصل إلى مرحلة المشيخة وتدريس العلوم الشرعية وممارسة الدعوة والإشراف على مراكز تحفيظ القرآن الكريم.
كما يوضح المؤلف أنه لا يقصد من كتابه التشهير بالجماعات الإسلامية أو حشد الناس لمحاربتها، بل من أجل إرشاد هذه الجماعات إلى «الجادة الصحيحة»، وذلك عبر تحريرها من «الأوهام» و«الخرافات» و«القيود» التي ليست من الدين، وإنما أتى بها الناس لكي يقولبوا الدين، كلٌ حسب هواه. فالعالم الذي تقدمه لنا تلك الجماعات«عالم زائف»، ومليء بالأوهام والصراعات المصطنعة.يبدأ المؤلف كتابه بالحديث عن بداية اتصالاته بالجماعات الإسلامية، حيث التقطته هذه الجماعات في الجوامع وحثته على المواظبة على الصلاة في الجامع، ثم أوكلت له ولزملائه، مهام الذهاب إلى البيوت ودعوة الناس إلى الصلاة وتقوى الله.
كما تعلّم في هذه المرحلة الخضوع والطاعة التامة للشيوخ، لأنهم هم «أصحاب الأمر والنهي، وهم من يمتلكون زمام الأمور ويتحكمون بالناس». ويلاحظ المؤلف كيف أن الناس أنفسهم هم من عيِّن الشيوخ «أصناماً» لتقربهم إلى الله زلفى، فالناس هم من جعل هؤلاء الشيوخ «وكلاء الله على الأرض».
ولذلك لا يستغرب المؤلف عدم سكوت هواتف الشيوخ ليلاً نهاراً، من المتصلين والمتصلات، الذين يطلبون الفتوى في كل شيء تقريباً. حتى أصبحت قناعة الناس، بأن أي شخص لا يستطيع دخول الجنة، إلا إذا استطاع تنفيذ ما يأمره به الشيخ تماماً، وأن يتجنب كل ما ينهاه الشيخ عنه.
ويتوقف المؤلف مطولاً عند مكانة الجنَّ لدى الجماعات الإسلامية. إذ يمثل الجنَّ بالنسبة لهذه الجماعات رمزاً للشر، لأنه هو الذي يلهي الناس عن واجباتهم الدينية، وهو الذي يزين لهم قيم الكسل والتقاعس وطلب الملذات الحسية،يضاف إلى ذلك أن الجن قد يظهر على هيئة «قط أسود» أو«عنزة»إما لكي يؤذي المؤمنين، أو لكي يساعد العاصين والمنافقين في أعمالهم اللاأخلاقية.
ويروي لنا المؤلف كيف كان يؤمن بكل تلك القصص المليئة بالخرافات والسلوكيات غير المنطقية وغير الواقعية. وكيف أنها كانت تُروى في مجالس الجماعات على أنها قصص حقيقية يجب أن نعتبر منها ونصدقها. فالطالب المؤمن بالله ويخافه، يأتيه حلما أثناء نومه يصور له ورقة الأسئلة والإجابات بشكل كامل، مكافأة له على إيمانه. والرجل المؤمن الذي يسافر على طريق صحراوي وينفد البنزين من سيارته، قد يقلب له الله الماء إلى بنزين داخل محرك السيارة.ويحدثنا المؤلف عن الوضع المتردي الذي تعاني منه المرأة داخل الجماعات، فالمرأة مرتبطة بالخيانة وقُصرِ النظر، الأمر الذي يستوجب مراقبتها مراقبة كاملة.وفيما يتعلق بالتنظيم داخل الجماعة، فإنه يقوم على الانغلاق والطاعة وتحقيق المصالح العليا للجماعة أياً كان الثمن.وهذا يعني أن الجماعة تبني لنفسها مجتمعا داخل المجتمع، لدرجة أن أعضاء الجماعة تنظر إلى المجتمع الكبير على أنه «آخر» ومليء بالأخطاء، وأنه «غابة مفزعة» ينبغي على العضو أن لا يحتك بها إلا للضرورة القصوى.ولذلك يجد الأعضاء أنفسهم ميالون إلى الانعزال والحذر، وليسوا بحاجة إلى الاحتكاك بالأشخاص من خارج الجماعة.
حالة الاغتراب والانغلاق هذه، بالإضافة إلى الخرافات والأوهام المنتشرة بين أعضاء الجماعة، دفعت المؤلف إلى إعمال عقله في كل عقائد ومبادئ الجماعة، حيث أخذ يشعر بأن حياتهم زائفة ومعقدة، وعقائدهم متخلفة وبالية وعلاقات السلطة بينهم مبالغ فيها، الأمر الذي دفعه في النهاية، وبعد أزمة نفسية عارمة، إلى الخروج من هذه الجماعات والعودة إلى حياة الاعتدال والتسامح، حيث يعيش الإنسان حياةً طبيعية، ويستمع إلى أغاني فيروز وشعر نزار قباني، ويقرأ الروايات والكتب الاجتماعية والسياسية العامة، بعد أن أغلق عقله سابقاً على مجرد كتب التراث السطحية.
ويقترح المؤلف في خاتمة الكتاب مجموعة من النقاط التي يمكن أن تجعل الجماعات الإسلامية أكثر انفتاحاً وعصرية وأقرب إلى الحياة والناس،وأهم هذه المقترحات: تقبل التنوع والاختلاف، أن تدخل تلك الجماعات في المجتمع المدني ولا تحصر نفسها في المجتمع الديني، أن تؤمن بالتخصص،ثم أن تؤمن بأن من يفاضل بين البشر هو العقل والعمل، وأن تتقبل نقد الفكر والتراث، ولا تعامل المتغيرات الدينية من عصر إلى آخر على أنها ثوابت دينية.
رشيد الحاج صالح
الكتاب: ثم حلقت لحيتي تجربة اغترابي في الجماعات الإسلامية
تأليف: فواز الشروقي
الناشر: دار بترا للنشر والتوزيع رابطة العقلانيين العرب دمشق 2009
الصفحات: 160 صفحة
القطع: الصغير

