يقدم كتاب «حركات التغيير الجديدة في الوطن العربي»، لمؤلفه الدكتور أحمد منيسي، والصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ـ أبوظبي 2010، تحليلاً لتلك الحركات باعتبارها أحد المظاهر المهمة والدافعة لحالة الحراك السياسي غير المسبوقة في العالم العربي.

والتي ظهرت في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي، ويبحث الكاتب في أسباب ظهورها، متناولا أبرز نماذجها، حيث يقدم إجابات على مجموعة من التساؤلات التي تثيرها ظاهرة حركات التغيير الجديدة، تتعلق بطبيعة هذه الحركات، والعوامل التي أفرزتها، والدور الذي قامت به في عملية التطور الديمقراطي، والعقبات التي واجهتها ـ ولا تزل ـ في سبيل أداء رسالتها.ويبين منيسي في بحثه ضمن هذا السياق أنه شهدت السعودية وسوريا وتونس ومصر، نشاطاً ملحوظاً لهذه الحركات الجديدة، ففي سوريا تأسس تجمع «إعلان دمشق» في 16 أكتوبر 2005 ، باعتباره امتداداً لمشاريع سابقة تدعو إلى التحول الديمقراطي مثل: «بيان ال99»، وغيره الكثير، إذ ضمت الوثيقة أوسع ائتلاف معارض في تاريخ سوريا منذ بداية حكم البعث السوري عام 1963. ووقع على الوثيقة عرب وأكراد وعلمانيون وإسلاميون ويساريون وقوميون وليبراليون، ضمن تحالف يهدف إلى التغيير الديمقراطي.

وشدد على ضرورة التوافق على احترام التنوع والاحتكام إلى قواعد الصراع السلمية، وتعزيز مفهوم المواطنة، وفكرة الديمقراطية الحاضنة للجميع. إلا أنه كانت هنالك مجموعة من العوامل قدرت له التعثر منذ البداية، أبرزها وجود بعض علامات الاستفهام حول الهوية والأهداف، وطبيعة العلاقة مع الخارج، والتمثيل النخبوي البعيد عن العمق الشعبي، وضعف وسائل الاتصال والإعلام، وبعض عوامل الانقسام الداخلية.

وفي تونس ظهرت «هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات»، التي تأسست في ديسمبر عام 2005 رداً على حالة الاحتقان السياسي الناتجة عن تعديل الدستور، وضعف احتمال التداول السلمي للسلطة، وبعض القوانين المقيدة للحريات، مثل قانون مكافحة الإرهاب.

وسعت الهيئة منذ إنشائها إلى تحقيق حرية الصحافة والتعبير، وحرية تنظيم الأحزاب والجمعيات، وإطلاق المساجين السياسيين، ومجموعة من المطالب الأخرى، إلا أن الهيئة لم تستطع صياغة برنامج سياسي ـ فكري، يحدد أولوياتها وهويتها وأسلوب تحركها، وفشلت في خلق قاعدة شعبية وخاصة بين قطاعات الشباب، ولم تضم الهيئة قوى معارضة ذات ثقل مثل حركة التجديد، وحزب العمل الوطني، هذا علاوة على عدة أسباب أخرى يدرجها المؤلف بالتفصيل.

ويلفت منيسي إلى أنه شهدت المملكة العربية السعودية حراكاً بدأ في العقد الأخير من القرن الماضي، وذلك استجابة لضغوط محلية وإقليمه ودولية، وتصاعدت عرائض المطالبة بالإصلاح السياسي والتحديث المجتمعي، وكان من أهمها: عريضة رجال الأعمال في نوفمبر 1990، والحركة الاحتجاجية النسائية في نوفمبر 1991، ومذكرة النصيحة عام 1991.

ونتج عن تلك المطالبات صدور ثلاثة قوانين تتعلق بالنظام السياسي للحكم، وتقسيم المناطق، وعضوية مجلس الشورى. ومع بدايات العقد الحالي تم تقديم عرائض للإصلاح السياسي مثل: بيان الإصلاح في يناير 2003، وشركاء في الوطن في إبريل 2003، ورؤية لحاضر الوطن ومستقبله، وعريضة الملكية الدستورية.

وانعكس الحراك السياسي السعودي على النظام الانتخابي للمجالس البلدية، والتوجه نحو الانتخاب الجزئي لأعضاء مجلس الشورى، والعمل على ملف الحريات وحقوق الإنسان، وتأسيس مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، وبعض الإصلاحات في المناهج التعليمية، وانتشار حركة المدونات على الإنترنت، وإنشاء هيئة البيعة لتنظيم أمر ولاية العهد.

كما يعنى المؤلف في هذا الصدد، بتوصيف اتجاهين رئيسيين للتيار الإصلاحي السعودي، هما الإسلاميين المعتدلين، والإصلاحيين الليبراليين. وفي مصر تعددت العوامل الأساسية للحراك السياسي، وفي مقدمها محاولة إعادة إحياء المجتمع السياسي، التطورات داخل قوى المعارضة، انتفاضة القضاة للمطالبة باستقلال القضاء، زيادة عدد منظمات المجتمع المدني، تنامي المطالبات بالإصلاح، ضغط تدهور الأوضاع الاقتصادية ومستوى الخدمات العامة، انتشار الفضائيات والصحف المستقلة والإنترنت، وانتشار حركة المدونات. وفي استعراضه لخريطة حركات التغيير الجديدة في مصر يركز منيسي على الحركة المصرية من أجل التغيير.

والمعروفة اصطلاحاً ب«كفاية» والتي تأسست في سبتمبر 2004 من مجموعة من التيارات تمثل مختلف الاتجاهات السياسية على الساحة المصرية، إذ طرح البيان التأسيسي للحركة ملامح التوجه نحو الإصلاح من خلال إنهاء احتكار السلطة وفتح الباب لتداولها، وإنهاء احتكار الثروة انعكاساً للفساد والظلم الاجتماعي، وإعلاء سيادة القانون واستقلال القضاء، واستعادة الدور المصري المفقود.

وإلغاء القوانين الاستثنائية والمقيدة للحريات مثل قانون الطوارئ والمعمول به منذ 1981، والبدء فوراً بالإصلاحات الدستورية المطلوبة لذلك، موضحا أنه نجحت حركة «كفاية» في انتزاع حق التظاهر السلمي وحق الإضراب، واستمدت شرعيتها من قوة الشارع.

وبالتالي كسرت حواجز الخوف والرهبة من بطش السلطة، ورفعت شعارات التحدي، وكانت دافعاً لظهور حركات أخرى لتغيير.وفي الختام يطرح المؤلف تساؤلاً حول قدرة هذه الحركات على استثمار الغضب المتنامي على الأنظمة الحاكمة، من أجل الضغط عليها وإجبارها على القبول بخيار التحول الديمقراطي، مؤكدا أنه سؤال يجيب عليه المستقبل!

محمد جمعة

الكتاب: حركات التغيير الجديدة في الوطن العربي دراسة للحالة المصرية

تأليف: د. أحمد منيسي

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أبوظبي 2010

الصفحات: 219 صفحة

القطع: الكبير