يؤكد الباحث عادل كامل في كتابه هذا أن الأسس الفكرية التي وضعها الفنان العراقي، في مطلع الخمسينات، والتي تناولت الجوانب الاجتماعية والنفسية، كانت تتضمن قضية الفن الذي يتجاوز الأطر الاجتماعية المحدودة، بيد أن هذا الإنجاز لم يتحقق دون تلك الجهود الكثيرة التي بذلها عشرات المبدعين، ويمكن القول إن الجانب النظري من دون جوانب تطبيقية لا يساوي شيئاً.
وبالرغم من العراقيل التي واجهت الفنان، فإنّ الرسامين كانوا ينتجون، وكان ثمة هدف يجمع تجاوبهم، وإذا بحثنا عن أسباب هذه الحقيقة، فإن حصيلة الخبرة التي تعلموها من خلال دراستهم في أوروبا، ومن خلال شعورهم العميق بالموروث الفني العربي وبضرورة جعل الفن قضية تأسيس لكيان فني وفكري مستقل ومعاصر، كل هذه الأسباب تكمن وراء تلك النتيجة، بمعنى أن الاتجاه الوطني والقومي استطاع أن يجتذب الفنانين إلى مثل هذا الموقف.ويوضح كامل أن الرسام العراقي اعتنى بخلق رؤية واقعية المحتوى والأسلوب معاً، وركز على المحتوى القومي، وبذلك خلق صلة اجتماعية من نوع خاص بالفكر القومي الاشتراكي، ويلفت المؤلف إلى أنّ الفنان يمتلك قدرة هائلة على عكس الواقع بجوانبه المتنوعة، فضلاً عن عكسه لأعماقه الدفينة، ومحاولته لاكتشاف اللاوعي والدلالات الباطنية لحياته الداخلية، وضمن هذا التوجه فإنّ البعد النفسي يدخل في صميم تجربة المبدع، إن كان كاتباً أو رسّاماً أو ممثلاً.
وتجربة الرسام في العراق غنية بالدلالات السيكولوجية، فمن يدرس رسوم الواسطي يلاحظ بأنه لم يهمل التعمق في فهم الحالة النفسية وعدم عزلها عن سياقها الاجتماعي، وكذلك نلاحظ أن الرسام العراقي كان يمنح البعد الذاتي، بعداً جماعياً، فمن خلال الرسوم الكثيرة التي تناولت الموضوعات العامة، نرى أن المعالجات النفسية لم تكن مستقلة عن المعاني السياسية الكبرى التي ارتبطت بصميم أفكار تجربة الرسام .
و«الشجرة القتيلة» لجواد سليم بأسلوبها المستفيد من رسوم الواسطي، تبقى لوحة ذات دلالة نفسية إنسانية تتجاوز الحالة الخاصة. وقد ظهرت تجارب فنية حاولت أن تعكس المناخ العام بكل سلبياته، وكان ذلك بعد هزيمة حزيران، ومعظم تلك الموضوعات كانت تصوّر الحالات الإنسانية العميقة: «الحزن، القلق بكافة أشكاله»، فمن تحليل دلالتها الرمزية نرى أنها مأزومة، ممزقة، منهكة، لأن الرسام غاص في ذاته، وفي الذات الجماعية، كاشفاً عن حالات نفسية لم يجسدها الجيل السابق بهذا العمق.
ويشير كامل في هذا السياق إلى أن دور «المخيلة» كان ؟ وسيبقى شديد الارتباط بالرؤية المستقبلية من كافة النواحي: النفسية، الاجتماعية، الجمالية. وأن دور المخيلة لم ينفصل عن سعي الفنان في العراق بخلق نظام جمالي تقدمي، أي واقعي نقدي خاص، بتأصيل بنية فنية كلاسيكية بتأثرها وتكاملها النظري والعملي.
وقد ارتبطت الفنون الجميلة بموقف الإنسان من الكون ومن الحياة، وكان الإنسان القديم في العراق مجسداً لهذا الحقيقة، وخاصة في فن النحت الآشوري، حيث ارتبط هذا الفن بتجسيد قيم الواقع والبطولة والإنسانية على حدّ سواء. وعملياً لم تظهر فنون تجسد إرادة الإنسان الفنان إلا في الحضارة الإسلامية، وحتى سقوط بغداد على أيدي المغول، فقد كان الفنان العباسي يؤكد مواقفه العامة والخاصة عبر فنه، أما بعد سقوط بغداد فإن تدهوراً أكيداً حصل للفن، كما حصل للحياة الاجتماعية والحضارية.
ومنذ نهاية الحرب الأولى ظهرت بوادر الفن المعبّر عن الحياة، وعن إرادة الإنسان فيها، وسنلاحظ أن الفنان في العراق قد اهتم بهذا الجانب اهتماماً كبيراً وفذّاً، فبعد عام 1958، تبلورت العديد من التجارب ذات الطابع السياسي: الداخلي والخارجي، كذلك سنرى الفنان بعد عام 1968، أبدى اهتماماً بهذه المشكلة وعالجها معالجة تاريخية موضوعية.
ويمكن تذكر تجارب عدد من الفنانين المؤسسين التي عالجت القضايا الجديدة، والتي أحدثت وعياً متطوراً لمفهوم الفن وعلاقته بالحياة وبالإنسان، في مقدمتها تجارب جواد سليم في الشجرة القتيلة، ومحمود صبري في الجزائر، وغيرها .
كما درس الفنان الطبيعة واستلهم أشكالها وولادتها ورموزها، ضمن منظوره الحضاري والجمالي، فالزخرفة العربية الإسلامية برمتها، قائمة على استلهام عناصر الطبيعة وتحويرها إلى درجة بلغت التجريد والرمز والتعبير عن الكمال والجلال الإلهي، فالطبيعة من صنع الخالق، وفي تحولها إلى الفن، تكشف عن نوايا الوفاء والمحبة.
إن عودة كثير من الفنانين العراقيين للطبيعة والريف بكل أبعاده وتفاصيله قد يعني محاولتهم لرسم الصور المرئية الأولى التي تعود إلى طفولتهم، فأعمال فائق حسن أو إسماعيل الشيخلي أو ماهود أحمد أو سعاد العطار، جميعها تكشف عن حقيقة هذا الاتجاه.
الكتاب: الرسم المعاصر في العراق
تأليف: عادل كامل
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2009
الصفحات: 428 صفحة
القطع: الكبير
فيصل خرتش

