مع صدور كتاب الروائي الأيرلندي رودي دويل العاشر أخيراً، تحت عنوان «الجمهورية الميتة» الذي يأتي تتويجا لثلاثيته «لم الشمل الأخير»، بادر موقع «جاتر سنايب» الثقافي المتخصص إلى إجراء هذا الحوار معه، حيث ألقى الضوء فيه على جوانب من عالمه الروائي، وأعرب عن اعتقاده بأن الكتابة عن التاريخ تثير الصعوبات عند كل منعطف، كما أن الكتابة عن عالم هوليوود لا يمكن إلا أن تكون مرادفة لعصبية الكاتب، وأكد عن قلقه من تأثيرات العولمة التي تمتد لتشمل اللغة، وفيما يلي نص الحوار:
كيف كانت طفولتك فيما يتعلق بالجيش الجمهوري الأيرلندي؟
بدأت «المتاعب»، كما كان يطلق عليها آنذاك، عندما كنت في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمري، وكان الكثير من قدامى المحاربين في حرب الاستقلال التي نشبت عام 1916 لايزالون على قيد الحياة، أعني أولئك الذين لم يتم إعدادهم كان ذلك تاريخاً، لكنه كان تاريخاً حياً، ولست أدري ما إذا كنت آنذاك واعياً بمكان يطلق عليه أيرلندا الشمالية من عدمه.
فقد بدا الأمر لبعض الوقت كما لو كان مشهداً باللونين الأبيض والأسود. وكان الكاثوليك يطردون من بيوتهم بعد إحراقها. وكان اللاجئون يتدفقون قادمين عبر الحدود. وكان هناك لاجئ في الصف الدراسي الذي أدرس به من المدرسة الثانوية، حيث برز هذا الفتى هناك فجأة، وكان بيت عائلته قد تم إحراقه حتى أساسه.
كان الأمر يمكن تلخيصه في أن الأشرار يقفون في مواجهة الأخيار، وربما بلغ الأمر ذروته في عام 1972 في أحداث يوم الأحد الدامي. وكنت في عامي الأول في المدرسة الثانوية، وقد فتح رجال المظلات البريطانيون النار على جمهور المتظاهرين في ديري، مما أسفر عن مصرع ثلاثة عشر شخصاً، وتمثل الزعم الذي طرح آنذاك في أن المتظاهرين كانوا جميعاً مسلحين، وأنهم كانوا يطلقون النار على الجيش البريطاني وكان هذا هراء خالصاً، حيث أطلق المظليون النار عل المتظاهرين بصورة عشوائية.
وكان هناك مستوى من الغضب والحنق لا يزال يتوهج حياً في ذاكرتي، وفي يوم الأربعاء التالي تم إحراق السفارة البريطانية في دبلن، وكانت تقع على مبعدة أميال قلائل، وأتذكر أنني شاهدتها وهي تحترق مع أبوي، ثم مضيت إلى المدرسة في اليوم التالي.
وكان هؤلاء الناس قوماً ملتزمين بالقانون، وكان ذلك بمثابة رد فعل معقول على ما وقع في ديري، ثم تعقد الأمر، حيث مضى من يقال لهم المقاتلون من أجل الحرية يبثون القنابل في المشارب في بريطانيا، وتعرض للقتل أناس كل ما جنوه هو أنهم مضوا لاحتساء باينت من الشراب ليلة الجمعة في مشرب، وطليت الفتيات اللواتي لن يخرجن مع الجنود البريطانيين بالقطران ووضع الريش عليهن، وتعرض المراهقون الذين لا ينفذون ما يطلب رجال الجيش الجمهوري الايرلندي منهم لتهشيم ركبهم.
هذا كله يرد في الكتاب، أي الطلاء بالقطران ووضع الريش عليهن. أليس كذلك؟
حسناً، لم أحس باحتياج حارق إلى ذلك.
من المثير للاهتمام أن نسمعك تتحدث عن هذا كله وأن ندرك كل هذا التاريخ في «الجمهورية الميتة» ولكن في شكل مختلف هل كان من الصعب كتابة شخصية هي في آن فرد ورمز لعقود من التاريخ؟
إن الفكرة الأولية سهلة للغاية، وتكمن الصعوبة في الجلوس وقبول بعض الكلمات ورفض كلمات أخرى، ولكل شخصية صعوبة في رسم ملامحها وتحديد دقائقها.
هل سيسعدك أن تفلت من التاريخ الايرلندي في روايتك المقبلة؟
نعم، بالتأكيد سيسعدني ذلك، وقد حصلت على استراحة بالفعل، حيث كتبت رواية «باولا سبنسر» وكتبت أشياء أخرى، ولكن نعم، البحث الرسمي.. إنني أحب القراءة، ولكن عندما تكون مضطراً للقراءة فإنك يتعين عليك انجاز فروضك المدرسية، وعليك تدوين الملاحظات.
هل كان أمرا طريفاً أن تكتب عن هوليوود الأيام الخوالي وعن أناس من نوعية جون فورد وهنري فوندا وجون وين؟
كنت على شيء من العصبية لدى الكتابة عن مورين أوهارا، حيث كانت لاتزال على قيد الحياة، وكانت قد كتبت مذكراتها في كتاب يحمل عنوان «ها هي بذاتها»، وقد قرأت هذا الكتاب كذلك.
هل شق أي من هذه المواد طريقه إلى ما كتبته؟
شعور ببهائها فحسب هو الذي شق طريقه في هذا الإطار، وكان لديّ إحساس بالشوارع التي نشأت فيها، وكانت هذه هي الشوارع نفسها هي التي يمكن أن يكون هنري قد تجول فيها أثناء حرب الاستقلال.
هناك شيء قلته ذات يوم أجد نفسي أفكر فيه غالباً، وهو نصيحة من جانب كاتب، بألا يضع المرء سماعات على أذنيه في مكان عام مثل الحافلة لأنك قد يغيب عنك شيء، عبارة أو حوار...
هل لا تزال اللهجة الايرلندية وطرق التعبير الايرلندية تثير دهشتك؟
إنها لاتزال تثير دهشتي بالفعل، فأولادي يعودون إلى الدار وهم يعرفون أنني أستمع إلى ما يقولونه، ولدي ابن يعمل في متجر للمشروبات وهو يبعث إليّ برسائل نصية عبر الهاتف النقال، ليست كلمات فحسب، وإنما تراكيب كذلك، مثل دخول ثلاثة صبية إلى المتجر وطلبهم 200 علبة من نوع رخيص من المشروبات يدعى «داتش جولد» هكذا يقول لي.
وفي بعض الأحيان أحس بالقلق من تأثيرات العولمة، وأنا أسمع بعض الألفاظ والتعبيرات الأميركية تزحف إلى لغة ابنتي مثل استخدامها «كلمة إليفيتور» للتعبير عن المصعد، بدلاً من الكلمة المألوفة لدينا وهي «لفت».
كم استغرقت «الجمهورية الميتة» منك في تأليفها وهل كان سهلاً أم كان تأليفها صعباً وهل كنت عاكفاً على تأليف كتب أخرى في الوقت نفسه؟
الجزء الأخير في الثلاثية هو دائماً الأكثر مراوغة، فيما أحسب.
والمقامرة تتمثل في سؤال محدد: هل الشخصية تندرج في ثلاثة كتب راسخة؟ هل أنا قادر على استجماع التركيز والحماس اللازمين للمضي عبر ثلاثة كتب سميكة؟ لقد بدأت الكتاب الأول بعنوان «نجم يدعى هنري» في عام 1995، وبالتالي فقد مضى وقت طويل، والكتاب الختامي للثلاثية يعالج، إلى حد ما، مع عملية السلام في أيرلندا الشمالية، ولكنني لست أدري ما إذا كانت تحمل هذا الاسم، أو أي اسم على الإطلاق في عام 1995.
وبدا أن أشياء تحدث، من قبيل وقف النار، المحادثات حول المحادثات، إلخ، ولكنني نشأت مع الإعلانات عن وقف النار، ولذا فإن الكتاب الأخير «الجمهورية الميتة» كان يتشكل، فيما كنت عاكفاً على تأليف الكتابين الأولين، ثم يأتي إجمالي العمل كله وإدراجه معاً، حيث جلبت شخصية من الكتاب الأول إلى الكتاب الثالث، ثم خطرت لي فكرة رهيبة: لقد قتلته في الكتاب الثاني.
وأفزعتني هذه الفكرة. ماذا سأفعل؟ وواصلت العمل، ثلاث، أربع، خمس، ست صفحات كل يوم، ومن حسن الحظ أنني عاودت قراءة الكتابين الأولين، عرفت عندئذ كيف سينتهي العمل. أدركت في وقت مبكر تماماً، في عام 1995، أن الثلاثية ستدور، على نحو ما، حول الهوية. وقد أصبح هذا أمراً أكثر أهمية ـ بالنسبة لي ـ في غمار قيامي بكتابة «الجمهورية الميتة».
وقد ألفت كتابين للأطفال ورواية أخرى هي «باولا سبنسر» في الاستراحة بين تأليف الكتاب الثاني «أوه، اعزفوا هذا الشيء!» والكتاب الأخير، حيث لم أرد القفز مباشرة إلى الكتاب الأخير.
منى مدكور
