للخط العربي جمالية تعشش في ثنايا الروح، تتسلل إليها دون استئذان، كما الموسيقى، بل يمكن القول إن الخط موسيقى بصرية، تستقر التواءاتها وانحناءاتها في الأعماق، وهذا ما يفسر استمتاع الأجنبي بالنظر إلى لوحة الخط العربي، دون معرفة ما تعنيه من عبارات، ونحن ننظر إلى لغتنا، كفن مجسد على الورق، ومتشبع بالجمال، ومتنوع بالأساليب. باختصار إنها لغة تحتمل تلك الهندسة الروحية .

بدأ ازدهار الخط العربي في العصر الأموي، ومن وقتها برزت أسماء أبدعت في كتابته، مثل: ابن مقلة، ابن البواب، ياقوت المستعصمو، الذي خلفه عدد كبير من تلاميذه، وهو ما أوجد عبر الزمن أنماطا كثيرة من الخطوط العربية، التي تستند إلى قواعد ومعايير، كالجلي والديواني والرقعة والنسخ، وغيرها من خطوط أوجدت قواعدها عبر العصور.

مسابقة للخط

كانت فرصة حقيقية بالنسبة لجمهور الإمارات عامة، وأبوظبي خاصة، التعرف على الأعمال الفائزة في المسابقة التي يطرحها مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في استانبول «إرسيكا»،بشكل دوري، لكن ما ميز هذه المسابقة الثامنة، أنها أقيمت هذا العام بالتعاون مع هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، باسم الخطاط السوري الراحل محمد بدوي الديراني.

وضمت المسابقة عشرة أنواع من الخط العربي، وهي: الثلث الجلي، الثلث العادي، النسخ، التعليق الجلي، التعليق بنمط ونموذج (النستعليق)، الديواني الجلي، الديواني، الكوفي، الرقعة، المغربي.

وكل هذه الأنواع لم تجعل المتأمل في جمالية الخط، يمر مرور الكرام، فالعبارات تجذب المتأمل لمشاهدة ذلك السحر الخفي، خاصة وأنها بقيت محافظة على أصولها وقواعدها بعيدا عما يعرف الآن باللوحة الحروفية، والتي يضع فيها الفنان قواعده وخاماته، الخاصة.

لوحات تتوزع بأناقة في قصر الإمارات في أبوظبي، تحيي معها إبداع أنواع الخطوط، مثل الثلث الجلي الذي حصد جائزته الأولى التركي محمد يامان، وجاورته عدد من اللوحات الفائزة الأخرى، التي تتشابه بأنها كتبت على ورق «مقهر»، بدون أن يحيط الخطاط لوحته بأي زخارف، وهو ميزة كل اللوحات الفائزة في المسابقة، والتي عرضت تحت عنوان «إبداع القلم»، هذا القلم الذي ليس إلا وسيطا لمهارة صاحبه، الذي يعرف أي نوع من الخطوط يحترف، فالخطاط السوري أيمن عبدالله حسن اتجه لخط التعليق الجلي، وكتب عبارة تستقر في الأذهان، كما استقرت على ورقه الأسمر، وهي: «وعسى أن تكرهوا شيئا، وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا، وهو شر لكم والله يعلم، وأنتم لا تعلمون».

والأحاديث الشريفة، أو الآيات القرآنية تردد في لوحات الخط، مثل ذلك الحديث المنقول عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، بخط الديواني لإيهاب إبراهيم أحمد ثابت من فلسطين، أو أي قرآنية بالخط الكوفي لمحمد أشرف هيرا من باكستان، وتتوالى اللوحات لنصوص مختلفة، ومنها الشعر والحكم التي قيلت في أكثر من زمان ومناسبة. ما يجعل من الخط جامعاً ما بين جمال الشكل وعمق المعنى، وهذا من الصعب تحقيقه في الأعمال الفنية الأخرى.

بين التقليد والتمرد

للجلي سحر يجذب الفنانين، بل ويجعلهم في حالة من التحدي لإثبات قدرتهم على امتلاك قواعده. وقال محفوظ ذنون العبيدة: «حصلت على المركز الثالث في خط الثلث الجلي، ويعتبر هذا الخط من أصعب أنواع الخطوط، ويجذبني رغم ذلك منذ كنت صغيرا، فالذي يجيده يستطيع إجادة بقية أنواع الخطوط، حتى إنه يشعر بأن الخطوط الأخرى سهلة عليه».

وأوضح العبيدة أنه أعطى هذا النوع من الخط الكثير من وقته، وأنتج فيه لوحات كثيرة، وحصل من خلاله على المركز الثاني من جائزة البردة، بعد أن حجبت الأولى.

كما أنه للثلث الجلي قصة أخرى مع الخطاط تاج السر حسن، الحاصل على 12 جائزة دولية، وحول هذا قال: «فزت بالمركز الأول في خط الثلث الجلي خلال المسابقة التي طرحتها «إرسيكا» في العام 1995 وهذا إنجاز بالنسبة لي، باعتبار أن الثلث الجلي من أصعب الخطوط، لما فيه من دقة هندسية، وتنويعات، وتطويع للحروف، ما يجعلها تتشكل بطريقة دائرية، أو بيضاوية، مثل لوحتي التي رسمتها بشكل دائري، ولكنها احتملت نصا طويلا، بطريقة مختصرة».

ولم يختلف الخطاط خليفة الشيمي كثيرا عن بقية الآراء، في وصف الثلث الجلي، إذ قال: «إنه من أقوى الخطوط العربية لما يتطلبه من قدرة إخراج الحروف وإظهار مقدرة الخطاط، ومن هنا شاركت بلوحة بخط الثلث الجلي المذهب».

ويجد عدي إبراهيم في الديواني الجلي، السهل الممتنع، حيث أكد في هذا الصدد: «إنه ممتع في التنفيذ وجميل في طريقة إخراجه، لكنه يحتاج إلى وقت كثير».

كما أن هذا النوع من الخطوط ليس الوحيد الذي يجذب إبراهيم، كما كل الخطاطين الذين يكتبون بأساليب مختلفة، وهو يؤكد ذلك: «أكتب بكل الخطوط، بحسب القواعد، لكني أنجذب إلى بعضها أحياناً، مثل الثلث والنسخ».

ونجد أيضا أن النسخ هو ما جذب هادي كاظم الدراج، فأبدع فيه، ما أهله للحصول على المركز الثاني في المسابقة الدولية لفن الخط.

ومن القواعد والأسس إلى التمرد على ما عرف بأنواع الخطوط، ليخرج بما يميزه. هكذا اشتغل الخطاط العراقي وسام شوقي، الذي قال: «أقدم ما يعرف بالخط الحديث، وقد عملت على هذه الفكرة مع مجموعة من الخطاطين العرب، وأقمنا قبل فترة معرضا في دمشق، بمشاركة مجموعة، ومنهم: منير الشعراني، تاج السر حسن.

وذلك تحت عنوان «الإبداع في الخط العربي»، وعملت فيه على تطوير الخط بعيدا عن القواعد المعهودة، بعد أن اشتغلت في الخط العربي ضمن أصوله وقواعده لأكثر من 25 سنة .

عبير يونس