في شارع سان جيرمان دي بريه الباريسي، لا تزال شقته ماثلة في ساحة فورشتونبيرغ بأرضيتها الحجرية، والتي ما زالت تحتفظ بخصوصياتها الريفية الأصلية.

هناك في تلك الساحة يمضي المارة رافعين رؤوسهم بغية إلقاء نظرة على واجهة تلك الشقة الشهيرة التي تحمل رقم 6، والتي عاش فيها الفنان الكبير أوجين دي لاكروا لسنوات عديدة، وأصبحت في ما بعد متحفا وطنيا، منذ عام 1971. تدخل الشقة عبر ممر خاص يؤدي إلى باحة حجرية تقود إلى باب عتيق مزين بأقواس حجرية. في هذا المكان اختار الرسام أوجين دي لاكروا العيش، وذلك ليختلي بنفسه بعيدا عن صخب المجتمع في أواخر حياته حين وصل إلى ذروة فنه وقمة مجده. فقد أصبح عضوا في معهد الفنون (بعد أن فشل في سبع محاولات فائتة).استقر دي لاكروا في شارع فورشتونبيرغ بعد أن ترك بصعوبة مرسمه في شارع نوتر دام دو لوريت في حي أثينا الجديدة.

حيث كان يقطن بجوار رفاقه وأصدقائه، الكتّاب والفنانين أمثال: جورج صاند وفريديريك شوبان وأري شيفير، وغيرهم الكثير. المهمة الصعبة ومنذ سنة 1847 كان من المقرر أن يُكلّف الفنان بتزيين جناح كنيسة القديس سان سولبيس، لكن هذه المهمة تأجلت مرات عديدة، إلى أن أصبحت المهمة رسمية في سنة 1849، فحينها أصبح دي لاكروا مكلفا رسميا بتولي المهمة الصعبة. وانتهى دي لاكروا من تهيئة مجموعة من الرسوم والمسودات سنة 1850، ثم اجتمع بعدها برجال الدين لمناقشة موضوع اللوحات العملاقة التي اقترحها الفنان، وبعد العديد من المداولات حدد ثلاث لوحات عملاقة، الأولى في السقف تجسد القديس ميخائيل وهو يصارع الشيطان، الثانية على الحائط في جهة اليمين لتبين هيليودور وقد طرد من المعبد، أما الثالثة في جهة اليسار فهي لوحة تصور يعقوب والملاك.

في تلك الفترة، كان دي لاكروا مشغولا برسم لوحات في رواق اللوفر وأخرى في صالة السلام في «أوتيل دو لافيل»، وبسبب انشغالاته تلك لم يتمكن من الشروع في تزيين كنيسة القديس سان سولبيس إلا في ربيع 1854.

لكن سرعان ما اكتشف الفنان أن مرسمه في حي نوتردام يبعد بمسافة كبيرة عن الكنيسة التي كُلف بتزيينها وكان قد أرهق بالتنقل بين مرسمه القديم والكنيسة، فرأى انه من المنطقي أن يترك مكانه القديم للسكن بالقرب من مكان عمله الحالي، خصوصا وأنه كان يعاني من مرض السل الذي بدأ يتعبه بشكل خاص.

وقد لقي دعماً وتشجيعاً من ايتيين هارو، البائع الذي يشتري منه الأصباغ، والذي حثه بدوره على ترك حيه القديم في الضفة اليمنى من باريس والانتقال إلى الضفة اليسرى والسكن في ساحة فورشتونبيرغ.

لم يكن ذلك التغيير سهلا على نفسية الفنان الذي ظل يحن لمكان طفولته، وعلى الرغم من الحنين الجارف لمرابع طفولته، قرر أن ينقطع عن صالونات باريس الارستقراطية التي كان يرتادها، ويذهب إلى سكنه الجديد، بساحاته الهادئة وحدائقه الخلابة والقريب من الكنيسة التي يعمل على تزيينها باللوحات.

شعور بالحزن

وصل دي لاكروا إلى مقره الجديد في 28 من ديسمبر من عام 1857 و في تلك الليلة رغم إحساسه بالتخوف والتردد من مسكنه الجديد، كتب يقول: (أشعر بقليل من الحزن، بعد تناولي وجبة العشاء حيث راودني إحساس بأنني اقتلعت من مكاني وزرعت في مكان آخر. وعلى الرغم من ذلك، حاولت مقاومة هذا الشعور ثم نمت سعيدا).

قبل أن يبدأ دي لاكروا عمله الجبار في الكنيسة كان عليه أن يباشر أولا بتنظيم و ترتيب مسكنه الجديد، الذي كان عبارة عن بيت عتيق ومترد مكوّن من مدخل ومطبخ وقاعة أكل وصالون استقبال وغرفتي نوم، لا بد من إصلاحها بالكامل.

وأول مبادرة قام بها هي بناء مرسم له في الحديقة. وكان ذلك يتطلب جهوداً مضنية من العمل والحفر والإصلاح، ما تسبب في إزعاج جيرانه. إلا أن صديقه، بائع الأصباغ، تصرف بدبلوماسية كبيرة واعتذر لجيرانه، وتمكن من جعلهم يتحملون بصبر وتفهم، جارهم الجديد. وفي صيف 1857، انتهى من الأشغال في شقة فورشتونبيرغ، بما فيها مرسم الحديقة.

هادئة ومرهفة

نرى هذه البناية التي تضم الشقة الآن كما كانت عليه في عهد الرسام، ذات لون أبيض، مستطيلة الشكل، وهي تحتوي شقته التي فيها ثلاث نوافذ وقبة زجاجية في الوسط. ولا تزال الواجهة محتفظة بالمنحوتات التي نفذها الفنان.

أما المرسم فيتميز بسقف شاهق ونافذة زجاجية ضخمة تمتد من السقف إلى الأرض وتطل على الحديقة، حيث يضع عليها الفنان ستارة كثيفة يحتمي بها من أشعة الشمس، وهي لا تزال موجودة. كل شيء موجود في الشقة كما كانت عليه. ولا تزال أشعة الشمس تسطع وتتسلل لتطال كل شيء معروض في غرفته: طاولتي رسم، ولوحة للألوان، وقطع فخار جاء بها الفنان من المغرب (صندوق منحوت وملون من الفخار).

هناك كان يعيش دي لاكروا حياة هادئة ومنطوية لكنها مرهقة بسبب غزارة العمل. وفي عام1861 كان دي لا كروا قد انتهى من رسم لوحته الشهيرة على جدار الكنيسة، والتي تجسد صراع يعقوب والملاك، وبدأ يشعر بإرهاق شديد، حيث كان يعمل حتى أيام الآحاد ولم يعط لنفسه قسطا من الراحة.

الانطواء.. ملجأ الإبداع

المعروف عن دي لاكروا أنه كان يحب الانطواء ويبغض المجتمع والبشر، ويتميز بطباع شرسة ازدادت حدة في السنوات الأخيرة. وبات يحب الانطواء خصوصا بعد ما اشتد به مرض التهاب الحلق والرئة، فأوصاه أطباؤه بترك باريس والسكن في بيته الريفي في شمبروزاي، الذي استأجره منذ عام 1844 و خلص إلى شرائه عام 1858.

وقد سكن فيه منذ يونيو 1862 إلى غاية ربيع 1863 برفقة خادمته الحريصة على راحته جيني دي غييو التي عملت معه منذ العام 1835م. وحين عاد دي لا كروا إلى مقره في شارع فورشتونبيرغ، لم يستقبل أحدا، سوى تلميذه ومساعده بيير أوندريوه. في حين أبلغت الخادمة معارفه القدامى، مثل صاندو وبودلير وستندال وشوبان، عن أن وضع دي لاكروا الصحي لم يعد يسمح له باستقبالهم. فلم يعد أحد يجرؤ على زيارته ودخول بيته خوفا من انتقال العدوى.

وفي أيامه الأخيرة كان الفنان يكرس ما تبقى من قواه للاعتناء بحديقة بيته. ولا تزال الحديقة تبدو في أحسن أحوالها، حيث تتسلق النباتات وتكسو الجدران. وتعيدنا البئر والأزهار إلى العصر الذي عاشه الفنان، ويظهر البيت متصلاً بالمرسم بسلالم حديدية، صُممت له خصيصاً آنذاك. أما بالنسبة للأثاث الأصلي فقد تم اختزاله إلى بعض القطع فقط، لان الفنان أوصى قبل وفاته أن يتم توزيعها على معارفه.

ومن بين أثاثه الأصلي، لا تزال الطاولة الخشبية في الصالون موجودة والتي منحها لخادمته جيني لو غييو. وفي الغرفة الوسطى، لا تزال الستائر الضخمة ذاتها معلقة والتي وضعها الفنان لحماية نفسه من البرد القارص بسبب إصابته بالربو.

شاكر نوري