نذهب إلى المسرح، نصل قبل موعد البدء نختار الصف من صفوف الكراسي، وقد نختار الكرسي المعين أمام الستارة الحمراء، أو قد لا نختار حيث يفرض علينا أصحاب المكان اختيارهم، في انتظار العرض، أو ما تخبئه الستارة الحمراء خلفها سيكون الوقت مساحة مناسبة للتأمل، وقد تسأل أو تقرأ كتيب العرض الذي لا تعرف عنه شيئا، وقد تكون سمعت من آخرين عن قصة المسرحية وأبطالها، ومع ذلك يبقي المسرح لنفسه مساحة للدهشة والمفاجأة، مهما قرأت الملخصات، أو حدثك احدهم عن مشاهدته للعرض.

إن هذا المسرح هو فن التلقي المباشر، ولهذا هو يختلف عن بقية الفنون، ولهذا هو أيضا أبو الفنون، فالمسرح ليس القصة التي ستراها وتعيشها، وليس المشهديات التي ستغذي بصرك وبصيرتك فقط، وليس ما سوف تسمعه على ألسنة الممثلين من حكم وتناقضات في الحياة، ولكن كل هذا مضافا إليه ظرف المعايشة، وحيل الفرجة التي ستوقعك في الفخ وتنقلك من الكرسي الذي تجلس عليه إلى عوالم وجغرافيا مختلفة. للمسرح قدرة على السفرـ على التحليق في الخيال، على ممارسة الشطح والغرائب، مثل ما يمتلك القدرة على نقل وتصوير الواقع في ذلك الصندوق السحري الصغير، وللمسرح خدائعه التي يتحول من خلالها إلى جبال وسهول وتلال وقصور وبيوت فقيرة وحواري وشوارع، سجون وكهوف، وكل ما يمكن أن يتوقعه خيالك الجامح.

في لحظة من العرض المسرحي سوف يتغير المكان والزمان، عبر حيل الإضاءة وحيل الديكورات وحيل الجمل التي ينطق بها الممثل، إذ يكفي أن يقول الممثل فوق خشبه عارية من أي شيء: «نحن في العصور الوسطى، نحن في سفح جبل ايفرست»، فتنتقل معه مسحوبا بدهشة الفرجة والتزاماتها.

ويكفي أن يقول ممثل آخر، بعد لحظة:«نحن الآن في قاع المحيط الهادي»، لتشعر بأنك في ظلام اللجة الزرقاء، بعيدا عن مدينتك وعن اهلك، ويكفي أن يقوم مؤثر صوتي تم تسجيله على قرص «سي. دي»، يديره فني المؤثرات الصوتية، بدفعك وسط عاصفة من الرياح والأتربة، فتشعر بأنك تحتاج إلى حك انفك.

يحول المسرح بخدائعه الساحرة والسحرية، الأمكنة، كما يبدل الأزمنة ويذهب إلى فضاءات لم نذهب إليها ولم نشاهدها ونعيشها من قبل، وبصوت رخيم وبأسلوب أداء تعبيري مدروس ومتقن، يسرق بطل المسرحية من مآقينا بعض الدموع، نسكبها حين ما نتماهى مع حالته النفسية وحزنه، ساعتها لا نمتلك إلا أن ندس أيدينا في جيوبنا، بحثا عن بقايا منديل ورقي نمسح به تلك الدمعات التي أجبرنا على سكبها بفضل الأداء الرائع لذلك الممثل الذي جذبنا إلى مآسيه، أو وصل بنا إلى حالات شبيهة عشناها في الواقع، فقام باستدعائنا إليها خلسة، في لحظة خديعة متقنة، وبمساعدات بصرية ومؤثرات لونية وديكورات وأزياء وغيرها.

تؤسس الفضاء المسرحي: العلبة السحرية، وفوق الخشبة، لتلك الحالة الغارقة في الحزن.

علم مسرحي

إن فن تأسيس المشهدية، وتأثيث الفضاء المسرحي، يدرس اليوم كتخصص منفرد في أكاديميات ومعاهد المسرح، وإذا كان في السابق يحتاج لذلك مصممين مختلفين في الأزياء والديكور والإضاءة والمؤثرات الصوتية، فإن الأمر اليوم أصبح بيد واحد، وهو صانع السينوغرافيا.

ففي السابق كانت خديعة الفرجة تقوم على تعاون بين مصمم الديكور ومصصم الإضاءة ومصمم الأزياء ومصمم الإكسسوارات، الذين يتكئون جميعا على ما خطه المؤلف في كراس المسرحية، وعلى رؤية المخرج الذي يسهم خياله في العادة، في رسم ملامح العرض وتفاصيلها، إلا أنه بفضل تطور العلوم المسرحية.

وبعد سنين من التجربة، استطاع المسرح أن يؤسس لمفهوم السينوغرافيا وصاحبها، الذي جمع الصفات كلها للآخرين، فالسينوغرافي الحديث هو الذي توكل إليه مهمة تأسيس وتأثيث الفضاء المسرحي في الصندوق السحري، فصار مسؤولاً عن الأزياء وعن ألوانها وعن تأثيرات الضوء وألوانها كذلك، ومسؤولاً عن ديكورات العرض وفي الحالات المتطورة جدا يصبح أيضا مسؤولاً عن حركة الممثلين في الفضاء الكلي للمسرح.

فالحركة تدخل مباشرة في ما يسمى النحت في الفضاء المسرحي، ومع التطور قليلاً والدخول إلى السراديب المظلمة لفن اللعبة المسرحية، صار هناك ما يطلق عليه «الدراماتورغ»، وهو الذي توكل إليه المهات جميعها، وهو الذي يرسم حالة العرض وينفذها، الأمر الذي حرر مخرج المسرح من كثير من العناء والجهد، وأصبح صافي الذهن، فهذا الأخير صار الأب الروحي للعرض المسرحي، يضع لمساته ومحدداته ويقود من حوله إلى الفكرة لتبدأ بعدها ادوار الآخرين.

سينوغرافيا متكاملة

في تجربة فريدة من نوعها قامت مجموعة مسارح الشارقة، مؤخرا، بدعوة المدير والطلاب والمدرسين في المعهد العالي للفنون المسرحية بسوريا، وهي دعوة ليوم واحد فقد بغرض الاطلاع على عمل هذا المعهد، وعقد اتفاقات لإقامة دورات وورش عمل مسرحية بين الساحة المسرحية المحلية في الإمارات، وبين الساحة المسرحية في الشقيقة سوريا.

البادرة فريدة من نوعها واستطاعت أن تقدم خلال ليلة واحدة بانوراما عن منهج المعهد العالي للفنون المسرحية في تدريب الممثلين، والتخصصات الملحقة بالمسرح، كقسم التصميم والسينوغرافيا. وعلى هامش الفعاليات أقام قسم التصميم الفني، معرضا متنوعا في بهو معهد الشارقة للفنون المسرحية.

وفي ذلك البهو عرض الطلبة لوحات عديدة تحوي تصاميم لمشاهد مسرحية، تمت دراسة الألوان فيها ومواقع الممثلين وأزيائهم، هذه اللوحات تنتج بفعل تفسير النص الأدبي للعرض المسرحي، وهي الصور التي ينتجها المصمم نتيجة قراءة المشاهد والحالات والصراعات، ونتيجة لدراسة الزمان والمكان الذي ينتمي إليهما العرض المسرحي. قدم الطلبة مجموعة كبيرة من اللوحات التي تصور مشهديات من مسرحيات مختلفة، وعلى جانب من المعرض كانت هناك أقنعة وإكسسوارات تصورها المصممون لكي يعتمد عليها الممثلون عند أداء أدوارهم.

وفي ركن آخر قدم الطلبة نماذج من مشاريع سينوغرافيا، وهي في العادة تكلف الطالب أن يتولى العملية كاملة، فمن في البداية على الطالب المسرح أن يشيد هذا بأبعاده الثلاثة، لهذا يظهر المسرح في المشروع المصغر كصندوق اسود تنتشر بداخله الديكورات بألوانها المختارة، ويعمد الطالب إلى تثبيت مصابيح صغيرة، وهي فكرة الإنارة التي ستتكامل مع بقية مؤثثات الفضاء المسرحي.

وقد يضع المصمم دمى لممثلين يقفون هنا أو هناك أو يجلسون. في النهاية يذهب هذا التصميم المصغر إلى التقييم، الذي يخضع أفكار الطالب الذي أنتجها في تصميمه، لاختبار صدق علائقها بالواقع والمتخيل ومدى اقترابها وابتعادها عن سياقات النص الأدبي للمسرحية.

إنها لعبة فيها كثير من العاب الطفولة، لكنها في واقعها هي مسألة حسابية، ومقاسات تقنية وشيء من خيال المبدع.

فقر مسرحي عربي

في ملتقيات ومهرجانات المسرح كثيرا ما يتحدث النقاد والبحاثة والأكاديميون عن القصور في تقنيات المسرح العربي، وكثيرا ما يعرض للمسرح العربي في إطار مقارنات ومقاربات صارمة مع نظيرة المسرح الغربي، الذي ذهب بعيدا في استغلال التقنية.

حيث لا زال مفهوم السينوغرافيا يعيش في حال من الضبابية عند المسرحيين العرب، في التنظير والتطبيق، وحيث لا زالت المسارح العربية كأمكنة للعرض تفتقر إلى التكنولوجيا، وكذلك يعاني مفهوم «الدراماتورغ» من تضارب في التفسير بالرغم من أن المصطلحين على الضفة العالمية من المسرح، قد مضى عليهما وطرا كبيرا ودخلا حيز العمل دون بلبلة ودون ارتباك.

تلعب فرجة المسرح دورا كبيرا في الإيقاع بالمتفرج، وفي حالتها الفريدة والمتقنة إتقانا جيدا، يتجاوز المسرح في قوة مشهديته وصورته، ما وصلت إليه السينما بالرغم مما توفر لها من تقنية حديثة في فن الغرافيك، الذي سهل عليها اللعب في منطقة الزمان والمكان بحرية وسهولة وتحويل الشخوص إلى عالم الخيال. والسبب أن المسرح حين ما ينجح في أسر متفرجيه ونظاره، فإنه يؤسس واقعا حيا ومباشرا ومحسوسا، وهنا يحدث ما يشبه السحر أمام عين المتلقي.

وحينما ندخل إلى المسرح نعلم أننا سبق ان جئنا إلى هذا المكان وشاهدنا مسرحية، أو حضرنا محاضرة أو ملتقى اقتصادي، لكن للحظة وجدنا انفسنا ننتقل في المكان إلى فضاء خيالي أو واقعي ، بعيداً كل البعد عن المكان نفسه.

إنه سحر المسرح الذي يعمل عليه السينوغرافي والدراماتورغ بمعادلات بصرية ومؤثرات وتخييلات، تمثل الصميم في رسم تفاصيل الملامح في الفرجة المسرحية، وهي التفاصيل، والعمل الدؤوب الذي يحاول استنطاق نص أدبي وتحويله إلى حالة مفعمة بالحياة.

في السينوغرافيا

انطلق مفهوم السينوغرافيا من أصلها اليوناني، الذي يعني الزخرفة والتزيين، حينما كان اليونانيون على أيام سوفوكليس يضطرون إلى الرسم على ألواح، وتزيين المسرح بها لتعطي الإيحاء بالأمكنة والأزمنة، وذلك في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد.

والسينوغرافيا تهتم بالزخرفة والتزيين وتنظيم المعمار والأدوات في الفضاء المسرحي من أزياء وديكور وإكسسوار، ثم بدأت الاتجاهات الحديثة في المسرح إلى الذهاب نحو شمل كل ما يوجد وكل ما يتحرك على خشبة المسرح، وكل ما يرى ويشاهد ويتم التأثير به.

وذلك من أبخرة وأدخنة وروائح فوق الخشبة، ضمن تصنيف ومهمة السينوغرافي، فالممثل وحركته الفردية والجماعية هي نحت في فراغ التأثيث السينوغرافي. كما ذهب إلى ذلك مايرهولد في مسرح البيومكانيك، الذي اعتمد تشكيلات الممثلين في الفراغ.

مرعي الحليان