انطلقت الجماعات الأدبية في مصر إبان حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لتكون سبباً في منح الحركة الأدبية قوة دفع ذاتية مكّنتها من تقديم الكثير من الكتّاب والروائيين، الذين ساهموا بإبداعاتهم في إثراء الحياة الثقافية، وصياغة أحلام الناس في أشكال أدبية أكثر قبولاً لدى القارئ العادي، ومن هذه الجماعات: «الثقافة الجديدة»، «الفن والحرية»، «كُتّاب الغد» التي تكوّنت في السبعينات، «جراد»، «إضاءة 77» وغيرها.

إلا أن المنحنى الثقافي خلال الثمانينات والتسعينات، شهد حالة من الهبوط، لينصرف الجمهور عن الثقافة، ولتسيطر المؤسسات الثقافية الرسمية على المنتج الأدبي والفكري، وتصبح مقولة «موت الثقافة» هي العنوان الأكثر تعبيراً عن الوضع، وكنتيجة لذلك تعثّر الإبداع الأدبي بأشكاله كافة، خاصة مع رحيل الأسماء الكبيرة من الكتّاب والروائيين والشعراء، أمثال صلاح عبد الصبور، أمل دنقل، يوسف إدريس، السباعي، إحسان عبد القدوس، نجيب محفوظ، ومؤخراً أسامة أنور عكاشة، وغيرهم.لكن مع بداية الألفية الثالثة حدث تغيّر في مياه النهر الأدبي الراكد، ليظهر من وسط الموات الأدبي مجموعات من الشباب المغامرين، تجسدت أحلامهم في عدد من الجماعات الحديثة التي حملت إبداعاتهم إلى القراء، وكانت في النهاية بمثابة «قبلة الحياة» للوسط الأدبي والثقافي، فسرعان ما دبّت فيه الروح.

اختراع شبابي

«مغامير، إطلالة، كتابي، ابدأ، المنتدى الأسبوعي، صالون نجيب محفوظ، آدم». إنها أسماء اخترعها هؤلاء الشباب لجماعاتهم، بعضهم أسس مقراً داخل المكتبات العامة، والبعض اتخذ من مقاهي وسط القاهرة مقراً لهم، حتى أصبحت مع مرور الأيام حكراً عليهم لا يغيبون عنها، ويناقشون كتاباتهم ويروِّجون لها من خلال تلك المقاهي، بالإضافة إلى المراكز الثقافية الخاصة مثل ساقية عبد المنعم الصاوي، والعديد من «أتيلييهات» القاهرة.

والسمة الغالبة لهذه الجماعات، انطلاقها بعيداً عن عباءة وزارة الثقافة أو مؤسسات الدولة، ما يُتيح لها حرية كبيرة في التعبير، وفتح حوار هادئ في ما بينها، وهذا رغم أن السلطة في كثير من الأحيان تقوم بنشر أعمال هذه الجماعات على حساب وزارة الثقافة، دون النظر إلى موقفهم من النظام ـ بحسب كلام الشاعر أحمد عبيد، رئيس جماعة «مغامير» الأدبية.

وهذه المجموعات الصغيرة من المبدعين الشباب تقف اليوم على أرض ثابتة وقوية جداً؛ حيث قدمت إصدارات أدبية خاصة بكل مجموعة، وساهمت مع الأدباء والكتّاب في إنجاز مطبوعات وكتب لغيرهم من المبدعين - طبقا لما يقوله أحمد علي، من مجموعة تمارس نشاطها في ساقية عبد المنعم الصاوي ـ وتضم أكثر من 125 شخصاً من شعراء روائيين وتشكيليين ومسرحيين.

ويُكمل علي حديثه: «لدينا عضوية مفتوحة لاستقبال أي مبدع، وعلى مدى ثلاثة أعوام طبع العديد من الأعضاء دواوين شعر وروايات، ونظمنا عدداً كبيراً من العروض المسرحية القصيرة، أغلبها من تأليف أعضاء في المجموعة، وحالياً نعمل على الالتقاء مع مجموعات أخرى من خلال ندوات مشتركة، أو ليالٍ تضم مجموعات أخرى».

وأضاف: «في ساقية عبد المنعم الصاوي إمكانات مادية، ونظام دقيق يوفر مناخاً للإبداع من مسارح وقاعات نقيم فيها ندواتنا ومسابقاتنا بحرية مطلقة، لكن الأماكن الأخرى لا تحمل المواصفات نفسها، إلا أنها تكون مكاناً ملائماً للتجمع، مثل: قصر الأمير طاز، مكتبة طلعت حرب، أتيلييه القاهرة. ولكنها لا تستطيع أن تستوعب هذا الكمّ من المجموعات التي تضم الآلاف من المبدعين».

فرصة كبيرة

ويقول أحمد حسن، من مجموعة «آدم» الأدبية: «جماعتنا تضم العديد من مجالات الإبداع، وإن كان الشعراء يمثلون الأغلبية، وكل الذين انضموا للجماعة شعروا بأنهم وجدوا فرصة كبيرة لتقديم أنفسهم خلال هذه المجموعة، وذلك بعد فشلهم في اختراق بيروقراطية المؤسسات الثقافية الرسمية التابعة للدولة، والتي في حاجة إلى وقت طويل لدخولها، نسبة للأعداد الكبيرة من المبدعين المنضمين تحت لواء هذه المؤسسات».

ويستطرد قائلاً: «الجماعة تشارك المُبدع إذا كان شاعراً أو روائياً أو ناقداً في إعداد دواوينه، رواياته، أو كتاباته. وتساعده بشتى الوسائل الممكنة، حتى تخرج هذه الأعمال إلى النور، وتساهم المجموعة كلها في الترويج لهذه الأعمال حتى تجد حظها من التوزيع».

ومن جهته، يحمل عبد الرحمن السيد عضوية «جماعة المنتدى الأسبوعي»، ويفتخر كونه عضواً فيها، ويقول: «بدأنا هذا المنتدى منذ العام 2001، وهو يجمعنا مرة واحدة في الأسبوع في مكان نحدده، لكن أغلب لقاءاتنا في المقاهي في وسط البلد، ويوم الاجتماع يطرح كل منا موضوعاً أو فكرة يتم مناقشتها، أو يعرض أحدنا كتاباً جديداً قام بتأليفه أو قراءة قصائد جديدة، أو رواية جديدة، أو مجموعة قصص قصيرة، وبعد الاتفاق على كتاب معين تتحرك الجماعة لطباعته من خلال وزارة الثقافة، ودائماً تتم الموافقة على طباعة الكتاب بعد مراجعته وإجازته».

وأضاف: «شعراء كبار وأدباء من ذوي الخبرات الكبيرة يتعاونون معنا، ونستضيفهم في ندواتنا، ويناقشون معنا أعمال الشباب، ويُبدون آراءهم، ومنهم من يقوم بالمساعدة في طباعة كتبنا على نفقة الدولة، وسبق أن أصدرنا مجلة خاصة بالمجموعة، ولكن تكاليف الطباعة وبعض الأمور الفنية حالت دون أن نجعلها دورية».

الاعتماد على النفس

ويكشف حسام الشاذلي أنه منذ انضمامه لجماعة «كتابي»، من العام 1996 وحتى الآن، استطاع أن يصدر 4 دواوين شعر، بفضل مساعدة المجموعة له، وقال: «ليس لدينا مقر ثابت، لكننا نقيم ندوات في أندية وصالات محددة، وأحياناً في أي «أتيلييه»، وندعو كبار الكتّاب والشعراء ليتحدثوا عن تجاربهم، ثم ندخل معهم في حوار طويل حول مستقبل الإبداع، ومناقشة دور الدولة من جهة ودور كبار المبدعين من جهة أخرى، تجاه الشباب».

ويتابع : «نعمل على أساس أن الدولة لن تقدم كل شيء؛ نظراً للأعداد الكثيرة من الشعراء والأدباء وغيرهم من شرائح المبدعين، لذلك نعتمد على أنفسنا من خلال تدبير مبالغ مالية نستقطعها من عائد مبيعات الكتب ودواوين الأعضاء، بالإضافة إلى مساهمات القادرين مادياً منهم، في دعم خزينة المجموعة لمواجهة الطلبات الكثيرة».

مع أي مجموعة؟

أما أحمد زيدان، شاعر شباب، فقال: «لم أنتمِ لمجموعة بشكل مباشر، لكنني أتعامل مع أي مجموعة، فأنا أتعامل مع ساقية الصاوي ومؤسسات وزارة الثقافة المصرية، وليس لديّ تحفظات حول النظام عامة، لكن من الممكن أن يكون لديّ تحفظ حول قرار أو مشروع؛ لذلك عندما أكتب لا يكون ذلك تحت تأثيرات محددة».

وأردف: «إن ظهور هذه الجماعات بهذا الشكل من الانتشار في مقاهي القاهرة، أصبح اليوم له مردود جيد على المستوى الإبداعي، والمنافسة أصبحت محتدمة جداً بين الجميع لإصدار كتب، ومناقشة كثير من القضايا، والاحتكاك بكبار الكتّاب والأدباء؛ حيث نذهب لهم في أماكن تواجدهم ونجلس معهم ونعرض عليهم أعمالنا ونناقشهم، فهم بالفعل كبار يسعدون بنا وبفكرتنا في الاهتمام بإبداعنا؛ ولذلك إذا سألتني:

إلى أيّ التيارات أنتمي؟ ستجدني أتعامل مع أكثر من ثلاث مجموعات، واستفدت من ذلك؛ لأن كل مجموعة تضم عدداً جيداً من كبار المبدعين، بالإضافة إلى أن الاحتكاك يُضيف للمبدع».

دار الاعلام العربية