المرآة: الذاكرة التي تعدُ بالنسيان فقط، إذ إنها تتمتع بقدرة هائلة على تلقّي الأثر وعكسه في الحال، والظهور بما كانت عليه فور ابتعاد الجسم عنها، مخلصة لمادتها، لتكون الذاكرة المرآوية الذاكرةَ الوحيدة الرافضة للعمق!

كثيراً ما تلام المرآة، أو تُذمُّ أحياناً أخرى، أو تهشَّم في بعض الحالات، لأنها لا تهب الناظر فيها الوجه الذي يتمناه.وعندما يرى وجهه جميلاً، ينسى المرآة والمادة التي صنِعت منها. في الحالتين يجري التنكر لدور المرآة!

يبدو النظر في المرآة مقلقاً، بما أن ثمة ثباتاً فيها، باعتبارها تتعامل مع المعكوس فيها كما هو، دون أي تدخل، سوى أن حديثاً عن صفاء الصورة إضافة إلى نقاء المادة المرآوية، يسهمان في جعل الصورة أكثر وضوحاً، ولكن المرآة تلتزم جانب الحياد، بقدر ما أنها تتجاوب مع الجسم المتجلي فيها، بحسب عنصر الإضاءة، في الحالة التي تكون فيها قادرة على أداء دورها الموكَل إليها، وتبعاً لحركة الجسم الذي يقف أمامها وحجمه طبعاً.

إن أحدنا، في محاولته لرؤية وجهه، يتمنى أن يعثر على ما هو متخيل عنه، على ما يتمناه، وإن كان يعرف أن المرآة المعلقة على الحائط أو في غرفة نومه أو في أي مكان آخر، لا تعدُه مطلقاً بالاستجابة لرغبته تلك، لا هو ولا غيره، وفي النقطة هذه تكون المرآة قد ساوت بين الجميع، بقدر ما أنها تثير استفزازاً هنا وهناك.

ربما شابهت المرآة الماء أحياناً في وضح النهار، وعندما يكون المجال مناسباً، والماء نقياً صافياً، فيبصر الناظر صورته كاملة أو ناقصة وهي في حالة حركة متموجة بحسب حركة الماء، ولا بد أن نرسيس الذي عشق صورته قد بقي مشدوداً إلى صورته تلك لزمن طويل نسبياً في ماء ساكن مكَّنه من الثبات وإدامة النظر، وما يعنيه الثبات من نسيان درس الحياة في الحالتين: إن الماء الساكن لا بد أن يستنقع، وأن مُديم الناظر لا بد أن ينتهي أمره، إذ يطويه الزمن عندما يعاقبه بإهماله لشرط الحياة: الحركة وعدم الثبات في المكان، فالثبات عتبة الموت هنا!

في المرآة يمكن للناظر أن يطيل المكوث، والمرآة ثابتة، ولكن إطالة النظر تفاجئ الناظر بما لا يريد، وهو إظهار التحول في الوجه (المعلَم الجسدي الأكثر امتلاء بالعلامات الدالة على حقيقته الإنسية).

إن التحول الوجهيَّ الذي تستظهره المرآة وهي جامدة، يمثّل منطقاً حياتياً، كما لو أن الجماد نفسه أبعد مما يُتصوَّر: جماداً. ليس في المرآة ما يغري بالنظر كثيراً، إنما ما يمكن تلقيّه من عبرة في التحول بين الحين والآخر، لاستدراك ما فات الناظر أخذ العلم به أحياناً، وليس في محاولة الالتفاف على الزمن، بما أن المرآة لا تقبل وصية بحفظ سر ما، إنها تحمل السر الوحيد في مساواتها للجميع: ما هم عليه ظاهراً تكون صورة كل منهم!

المرآة: الذاكرة التي تعد بالنسيان فقط، إذ إنها تتمتع بقدرة هائلة على تلقّي الأثر وعكسه في الحال، والظهور بما كانت عليه فور ابتعاد الجسم عنها، مخلصة لمادتها، لتكون الذاكرة المرآوية، الذاكرة الوحيدة الرافضة للعمق!

وفي أصل المرآة تتبدى الحكمة المنظورة خارج سطحها المرآوي، وهي أنها لا تكون عيناً على الناظر فيها، وإنما على نفسها، من خلال مكوناتها، ليكون الزمن الذي يشهد على التحولات في الطبيعة، فاعلاً في المرآة تلك، عندما تعيش هي ذاتها نفاذ فعل الزمن فيها، وهي تفقد بريقها وقوة عكس الصورة، وبالتالي تكون قد عبَّرت عن وفاء ضمني لما صنِعت منه، وهي أن تغور إلى الداخل، وعلى السطح تماماً لحظة العجز عن تلقي الأثر، كما لو أنها في كل لحظة، تعلِم المعني بها، بما آل إليها أمرها، إلى درجة أنها لا تعود معنية بأي جسم معروض عليها، لأنها تكون قد استنفدت فرص بقائها، أو استهلكت طاقتها المرآوية، وآنت بالزوال الكلي...

من المرآة المعلقة إلى المرآة المحلقة والمجازية، تبدو القلوب مرايا قابلة للتحول كما هي الوجوه التي توحي بوجود مرايا من نوع آخر، تتبع العلاقات القائمة مع فارق كبير، وهو أن هذه المرايا المركَّبة من لحم ودم، وحتى تلك التي نتلمسها من خلا ل النصوص المذيلة بأسماء وتواقيع مختلفة، لا تعكس حقيقة حامليها، إنما تتعدد مراياهم بقدر تعدد وجوه المحيطين بهم، وهذا ينطبق على النصوص المقروءة...

كثيراً ما يحصل الخلط الكبير بين المرآة العادية ومرآة الوجه، أو أي نص يُقرأ! إنه لسان حال الساعي إلى إقناع نفسه أحياناً أنه يصيب في ما يراه في وجه الآخر، أي صورته في مرآة ذاته، أو حين يجاريه بأنه يبصر صورته هو نفسه في وجهه وقد استحال مرآة، وما في ذلك من لعب بالمشاعر، ناسياً أو متناسياً أن المرآة نائية، في أصلها وفصلها، عن كل ما يحاك باسمها من أدوار، وكل ما ينسَب إليها من أوصاف. إنها مرآة فقط.

تُرى لو أننا اكتفينا بحدود المرآة وكما هي دونما مجازات، وليس في الانتقال إلى مرايا من لحم ودم أو من كلمات وألوان، هل نكون كما نحن عليه؟ إنه سؤال آخر نردده ونتذكره كلما أمعنا النظر في مرايانا النفسية، وهي تسميات مستعارة لم نستأذن المرآة فيها، وليس للمرآة من صلة بكل ذلك، بما أنها تنسخ الصورة كما هي، وليس أن تمارس تركيباً لا حصر له لأي وجه أو جسم، تعجز المرآة عن استيعابها، كونها في ذاكرتها التي تعيشها على السطح وهي سريعة التبدل، تتجنب صراعات الذاكرة ومن يتمرأى فيها!

إبراهيم محمود