أصبح الاعتناء بالطفل رمزاً لتطور الأمم والشعوب والبلدان. لهذا يجب وضع قوانين لتوفر له ذلك المدرسة والاختصاصيين في التربية والفنون والعلوم ، وبخط موازٍ، الألعاب المناسبة القادرة على أن ترفه عنه وتثقفه فكرياً وجمالياً، في آنٍ معاً.

وهذه الألعاب كثيرة ومتنوعة، بعضها فردي ، والأخر جماعي يستخدمه في الروضة أو المدرسة أو الحديقة أو مدينة الملاهي وأماكن الترفيه المختلفة، وهذه الأخيرة تنقسم إلى فئتين: الأولى يصعد عليها الطفل، أو يدخل إليها، أو يحركها، أو يُشكّل منها تكوينات فراغيّة، والثانية آلية كهربائيّة يركبها، أو الكترونية يديرها.نتيجة التطور المذهل للتكنولوجيا ودخولها مرافق حياة الإنسان كافة، وصلت إلى ألعاب الأطفال بشقيها الشخصي والجماعي، وهي ما تُعرف بالألعاب الالكترونيّة أو الكهربائيّة، حيث صارت موجودة في البيت، مرتبطة بجهاز التلفاز أو الحاسوب، أو مفردة تعمل على الكهرباء أو البطارية، أو موجودة في مدن الترفيه والملاهي المفتوحة والمغلقة.بمعنى أن التكنولوجيا وصلت إلى ألعاب الأطفال النصبيَّة، بعد أن كانت مقتصرة على إبداعات وابتكارات الفنانين التشكيليين، وعلى مواد وخامات بسيطة كالاسمنت والبوليستر والبلاستيك والخشب... الخ.

الألعاب النصبيّة تنبهت الأمم، وفي أوقات مبكرة من حضارة الإنسان، إلى ضرورة وأهمية اللعب بالنسبة للطفل الذي لديه طاقات يجب أن يصرفها، ولكي تتم عمليه الصرف هذه، بشكل صحي وسليم ومفيد، أنشئت له حدائق وملاعب وأمكنة لهو خاصة به. بدأت بسيطة، ثم تطورت بالتدريج، لتضم إلى جانب الملاعب الرياضيّة، مجموعة مختلفة من الألعاب النصبيّة الثابتة والمتحركة، أوكلت في البداية مهمة تصميمها وتنفيذها للفنانين التشكيليين (لاسيما النحاتين) ثم دخل على الخط، المصمم الصناعي، والمهندس الكهربائي والميكانيكي، وعالم الالكترونيات... وغيره. ثم أفردت لألعاب الأطفال بأجناسها كافة، معاهد وأقسام في الأكاديميات الفنية والتكنولوجيّة، يعمل فيها الفنان المصمم، والمربي، والعالم المتعدد الاختصاص.

وقد أنيطت بهذه المعاهد والأقسام، مهمة وضع ألعاب فرديّة وجماعيّة للأطفال، تسعفهم في تصريف طاقاتهم الجسديّة، وتنمي في الوقت نفسه، قدراتهم الفكريّة والعقليّة، وتصعّد ذائقتهم البصريّة. وبعض هذه الألعاب، انيطت بها مهمة الكشف عن ميول الطفل وتوجهاته وهواياته، في وقت مبكر من حياته، ما وفر فرصة وضعه على طريق مستقبله الصحيح المنسجم مع ميوله.

تشاركيّة ضروريّة

لضمان قيام الألعاب الطفليّة عموماً، والنصبيَّة التي تسكن الملاعب والحدائق والساحات والفسح الملحقة بالضواحي السكنية خصوصاً، بدورها الصحيح والسليم، لا بد لها من دراسة وافية في شكلها ومضمونها، يساهم فيها علماء النفس والتربيّة وعلماء الجمال والفنانون التشكيليون والحرفيون والمهندسون المختصون، إضافة إلى المشرفين على تربية الأطفال، تضع في حسبانها عمر الطفل وشخصيته ومداركه وتوجهاته وميوله، ومن ثم اختيار الأشكال الملائمة القادرة على اجتذابه إليها، والتعلق بها، وتالياً تسخيرها لتأدية مهمتين في آنٍ معاً:

الأولى ترفيهيّة. والثانية تثقيفيّة، ذلك لأن وضع تصميم ألعاب الأطفال (لا سيما النصبيَّة منها) ليس بالسهولة التي يظنها البعض من الفنانين، أو الحرفيين، أو المسؤولين الذين يديرون المدن والبلدات، أو العاملين في حقول التربيّة والقطاعات المتعلقة بالأطفال.

الشكل والمضمون

فالطفل عادةً، يستسيغ شكلاً معيناً دون آخر، وينسجم مع هذه اللعبة دون اللعبة الأخرى. يضاف إلى ذلك مادة تشكيل اللعبة أو خامتها، وإمكانية التعامل معها واستخدامها من قبله، دون أن تسبب له أذية جسديّة أو نفسيّة، أو تعرضه للأخطار الماديّة كالجروح، أو السقوط منها، أو الاستعصاء فيها.

والمعنوية كأن يخيفه شكلها أو يتوجس مما ترمز إليه في الواقع (حيوانات واقعيّة أو أسطوريّة) أو تقوم بتكريس بعض هواجسه ومخاوفه، تجاه حالات نفسيّة شبه مرضيّة، مسكونة فيه. من هنا، لا بد من الإسهاب بدراسة أشكال ودلالات ومواد وخامات الألعاب النصبيَّة الطفليّة، بحيث تكون قريبة إلى مداركه، وحبيبة إلى قلبه، أو مُستأنسة ومستظرفة من تفكيره وأحاسيسه، بشكلها أو بما ترمز إليه.

أما بالنسبة لموادها وخاماتها، فتفضل المواد غير المؤذية والطبيعيّة كالخشب (وهو خامة حنونة) والكاوتشوك (وهو مادة لينة) أو البلاستيك الطري والملون، وتالياً، يفضل الابتعاد عن المواد الصلبة، المؤذية، كالحجر، والرخام، والمعادن، والاسمنت. كما يجب الابتعاد في تصميم هذه الوسائل، عن الأشكال العالية وغير المستقرة.

المحليّة والمركزيّة

وهنا لا بد من التنويه، إلى ضرورة إيجاد ملاعب أطفال صغيرة المساحة، مُزودة بالألعاب النصبيَّة الطفليّة البسيطة، وغير الكهربائيّة، إلى جوار الأبنية السكنيّة، بحيث يتمكن الطفل من الوصول إليها بسهولة، وساعة يشاء، دون أن يضطر لعبور الشوارع، أو استخدام السيارة، وهذه الملاعب لا تتعارض مع ملاعب ومدن الأطفال الكبيرة المركزيّة المزودة بألعاب كهربائيّة ضخمة ومتعددة الأشكال والطرز، والتي يمكن للطفل ارتيادها مع أسرته، في العطل والأعياد، أما تلك الصغيرة المحليّة، فهي لتفريغ طاقته الزائدة وقت يشاء.

وبألعاب بسيطة سهل الوصول إليها واستخدامها، ما يتطلب أن تكون مفتوحة دوماً، ودون أسوار وأبواب، ومدروسة كتصميم وأشكال، مع محيطها المعماري، ومع فكر وأحاسيس ومدارك الطفل.

على هذا الأساس، فإن التركيز على الحدائق والملاعب الطفليّة المركزيّة، والاقتصار عليها في بعض البلدان، خطأ كبير، لأن الطفل لا يستطيع لوحده الوصول إليها، ولا يستطيع أن يؤجل لعبه إلى الوقت الذي يتمكن فيه أهله، من التفرغ له، واصطحابه إليها، وقد يكون هذا خلال أسابيع أو شهور، الأمر الذي يدفعه، في حال غياب البديل القريب من سكنه وحيّه، إلى أن يفرغ طاقته باللعب داخل المنزل، ولهذا الأمر محاذيره الكثيرة.

لا سيما في حال عدم توفر المساحات والفراغات المناسبة، لركضه وحركته ولعبه بالكرة، وغير ذلك من الألعاب التي يتطلب ممارستها، وجود أماكن مخصصة لهذا الغرض.

من هنا، تأتي أهمية وضرورة توفير حدائق وملاعب للأطفال، قرب منازلهم وأحيائهم، بعيداً عن المنغصات والسيارات والضجيج والأخطار، وأن تكون جاهزة لاستقبالهم في أي وقت تتملكهم فيه الرغبة للعب وصرف فيض الطاقة في أجسامهم الصغيرة الغضة.

قرينتان هامتان

بقدر ما تبدو عملية الإكثار من الحدائق وملاعب الأطفال، بين التجمعات السكنيّة، في الأحياء القريبة من منازلهم، مهمة وضروريّة، تأتي بالمقابل أهمية وضرورة الألعاب النصبيَّة الطفليّة فيها.

فالطفل لا يقصد هذه الأماكن للاستمتاع بالشجرة، أو البحيرة، أو الزهرة، أو التفرج على الحيوانات... وما شابه، وإنما ليقفز، وينط، ويهرول، ويركض، ويلعب الكرة، ويعتلي هذه اللعبة المجسمة، وينزل عنها، ويدخل فيها، أو يقوم بفكها وتركيبها، مع أقرانه من الأطفال، بهدف تفريغ الطاقة الزائدة في جسده، وفي نفس الوقت، تقويته ليكون نموه سليماً وصحيحاً.

وفي حال تعذر إشادة هذه الحدائق والملاعب الطفليّة، بالكم المطلوب، يمكن تفريغ قسم من الحدائق العامة القريبة من منازلهم، لهذا الغرض، على أن تتضمن الملاعب والألعاب النصبيَّة المدروسة شكلاً ومضموناً واستخداماً، إذا كنا نريد لأطفالنا أن ينموا نمواً سليماً جسداً وفكراً وروحاً، لا سيما إذا علمنا أنه في حال غياب ملاعبهم وحدائقهم في الهواء الطلق، فإن التلفاز والإنترنت وألعاب الفيديو، ستسرقهم وتشدهم إليها.

وفي ذلك تضييع لفكرهم، ومرض لأجسادهم، وعطب لأرواحهم، وقتل لمواهبهم التي يجب أن تنمو في البيئة الصالحة، تحت الشمس، وفي الهواء الطلق، وبين أحضان الطبيعة، لا في الغرف المظلمة، وأمام أجهزة باردة، مكرورة، يتماهى فيها السم بالدسم.

محمود شاهين