تحمل في جعبتها غنى قيميا خاصاً يميز ماهية الطروحات والآراء الإنسانية والفكرية العالمية لديها، وهذا ليس بغريب عنها فهي ابنة شخصية بارزة. هكذا فإنها تبقى تنهل من ذلك الإرث النوعي لمناضل أممي، لم يخفت أو يتلاشى بريق أعماله ورؤاه يوما، إنها د. اليدا ارنستو تشي غيفارا، المعروفة بآرائها الشفافة ، إذ تناصر معها حقوق الشعوب وتدين أي أوجه عدوان أو استغلال.

وهذا ما تؤكده في حوارها مع «مسارات»، معربة عن سعادتها بما تحظى به مواقف وأفكار أبيها من شعبية نوعية في العالم العربي. اليدا تفرح، كما تشير، لرؤية صور والدها مطبوعة على قمصان الشباب في العالم أجمع، وتبتهج أيضا حين تسمع اسمه يتردد في العالم العربي بشكل خاص. وتقول في هذا الشأن: عندما أرى صورة والدي على صدور الشبان الناشطين في الحقل الاجتماعي، وفي سبيل قضاياهم، وعندما أرى صورة والدي على رايات النضال والقتال، واسمه يتردد في العالم العربي، اشعر بالاعتزاز والفخر والسعادة. واذكر انه كان أحد الفتية من البرتغال يشارك في مظاهرة ما، وكان التلفزيون البرتغالي يسأله عن سبب حمله العلم وعليه صورة تشي غيفارا، فأجاب:

«على خطاه سوف أناضل في طريق النصر دائماً». فعلا هكذا كان يقول غيفارا، لا شك أنني حين أسمع هذا الكلام أصبح مفعمة بالسعادة والأمل والحب، وهذه أمور تجلب لي الفرح كون أبي لم ينس، وهو حاضر في أذهان الأجيال على مر السنين، حيث يحفظون كلامه وسيرته ومبادئه التي استشهد من اجلها، ولكن ما يزعجني ويستفزني بصراحة هو أن أرى صورة والدي تستخدم لأغراض تجارية، مثل رسمها على قنينة مشروب، أو عندما قام مصمم أزياء شهير باستخدام صورة والدي على الثياب الداخلية!! هذا ما لا أقبله أبداً ونحن نكافح ضده، ولا نريد المال بدل هذا الاستخدام، بل نعمل على أن تحترم صورة والدي إلى الأبد.

لا للجوع والفقر

وفي خصوص القيم التي حملها وناضل من اجلها غيفارا، وكيف تشربت وجسدت فحواها. تقول أليدا:أؤمن بقيم أبي، واحمل كل الحب لقضايا الشعوب العادلة، وتتمثل قضيتي الآن في محاربة الجوع والفقر والمرض والأمية، ويجب أن لا ننسى انه الأجمل والأبلغ راهنا، هو أن أحلام غيفارا في تحقيق وحدة أميركا اللاتينية بدأت تتجسد وتترجم في أرض الواقع، على يد الرئيس الفنزويلي تشافيز، وذلك من خلال رابطة دول أميركا اللاتينية.

دور الوالدة

يلفتنا كثير شرح وإجابة أليدا حول رؤيتها لمعنى أن تكون ابنة غيفارا، فكلامها في هذا الصدد، يحوز قيمة مميزة، متضمنا فرادة في شفافيته ومصداقيته:

هناك تأثير سلبي لكل شيء أو جانب ما في هذه الحياة، ومنذ أن ولدت، وقبل أن أقوم بأي شيء، تلقيت الكثير من الحب والمودة والعطف من قبل شعبي فقط، لأنني ابنة تشي غيفارا، وأظن أن هذا وحده يكفي لكي يشعر المرء بهذا الالتزام الكبير تجاه الشعب، وإذا كنت إنساناً كريماً وتتمتع بالعزة والكرامة، عليك أن تعيد هذا الحب وتبادله من جهة أخرى.

هناك أشخاص في صفوف شعبي يعتقدون أنه بما أنني ابنة تشي غيفارا، علي أن أكون شخصية خاصة جداً وغير عادية، ولا يريدون أن يقتنعوا أنني مثل غيري من البشر ومن الناس، إنسانة عادية مثلهم، هذه المسألة بالذات ربما جعلتني أشعر في شبابي ومراهقتي بالضغط نوعاً ما، ولكن أمي كانت دائما توجهنا وتحمينا، وقد طلبت منا أن لا نقبل بالتمييز، لا لصالحنا ولا ضدنا، فنحن أناس عاديون مثلنا مثل أي شخص بسيط، كما أنها علمتنا، في الوقت نفسه، شيئاً مهماً مفاده أنه علينا أن نقف بثبات فوق الأرض، وقالت لنا مراراً:

«سوف تتلقون في هذه الحياة عروضاً جيدة واهتماماً لا تستحقونه كأشخاص، لأنكم لم تقدموا شيئاً بعد، ودعوا هذه الأمور تتم، ولا تصدقوا أنفسكم وفكروا بعملكم وأنفسكم لتكونوا أنفسكم».

لا شك أن التزامنا بهذا التوجيه ساعدنا كثيراً لنعيش حياة طبيعية وعادية، وهذا ما فعلناه بالضبط وها نحن نسير في هذا دروب المشوار، مهتدين بنور تلك المبادئ، فأنا الآن طبيبة أطفال وأخصائية في أمراض الحساسية وأمراض المناعة لدى الأطفال، وأخدم شعبي في هذا المجال، كما أتعامل مع المؤسسة الكوبية للصداقة مع الشعوب، وبالتالي أنا أسافر كثيراً إلى جهات عديدة من العالم لأنقل قضية شعبي في مختلف الأماكن ولأدافع عن بلادي في أي من بقاع هذا العالم الواسع.

دور الوالدة/font>

حين تحكي اليدا عن عمق وجدوى الأثر الذي تركته فيها شخصية غيفارا، تبوح بالكثير من الحماس، بدفق مشاعر وجدانية، لبوسها ثوب التميز والرفعة وإرادة الالتزام الجوهري:

لا بد لي من الإشارة أولا إلى أن والدتي كانت تعشق أبي بشكل كبير، وهكذا فإنها حاولت أن تعلمنا المبادئ التي كان يحملها والدي ذاتها، وكذلك فإن أطفال كوبا جميعا، في تلك الفترة، كانت تتم تربيتهم على ضوء مُثل ومبادئ تشي غيفارا، وبالنسبة لنا (في كوبا) فإن غيفارا هو أب جماعي لكل أطفال كوبا، وليس أبي وحدي.

فعلى سبيل المثال، عندما كنت في زيارة للمحافظات الشرقية في كوبا، وكان هناك مجموعة من الأطفال، أطلق عليهم اسم أرنستو، تيمناً باسم أبي، وهم أطفال يقومون بأعمال تطوعية كما كان يفعل أرنستو والدي، فيقومون بقطاف القهوة وغيرها من الأعمال للمساعدة والمساهمة في تنمية المجتمع، كنت أرى فيهم حبهم لوالدي الذي يعتبرونه والدهم هم أيضاً. وبطبيعة الحال اثر ذلك في تكويني وشخصيتي فشخصية غيفارا تحمل الكثير من المعاني النبيلة والمبادئ السامية.

مواجهة ناجعة

ولكن ماذا عن رؤية أليدا بشأن مدى ملاءمة وتناسب مضمون رؤى غيفارا، والتي تحملها وتنادي هي بها، مع الظروف والمتغيرات العصرية، نجدها ترد هنا بلهجة جازمة وواثقة:

لقد تغير العالم كثيراً وكان هذا التغيير هائلا فقد انهار واختفى المعسكر الاشتراكي، وهذا أثر بطريقة مباشرة على ميزان القوى في العالم، وكثير من الناس شعر بخيبة أمل كبرى، فقرروا التخلي عن النضال، لكن ما هو الشيء الذي دفع والدي لاتخاذ قرار النضال؟

لا جدال في انه الواقع الذي عاشت به الغالبية العظمى من البشر، وهذا الواقع سببه السياسات التي اتبعت وما زالت، وأعطيك مثلا على ذلك الآن هو دولة الأرجنتين، والتي تستطيع اليوم أن تنتج الغذاء لما معدله ثمن شعوب العالم، ولكن بسبب «السياسة النيو ليبرالية»، هناك أناس في الأرجنتين يموتون جوعاً، وهذا يؤدي إلى أن تتخذ الشعوب قرارها بالبحث عن خيارات أخرى، وهو ما أدى إلى بروز ثورة مثل الثورة البوليفارية في فنزويلا، وهو في الحقيقة رد فعل على الواقع التي تعيشه هذه الشعوب..

ولكي نحدث تغيرات واقعية في أي بلد، على الشعوب أن تكون مالكة لإنتاجها. والخطيئة الوحيدة التي ارتكبتها الحكومة الفنزويلية ليعاقبوها عليها، هي أنها وضعت البترول في خدمة شعبها ولم يعد يذهب مردوده إلى العائلات الغنية والشركات، ولا إلى حكومة الولايات المتحدة، بل يوجه إلى تطوير قطاعات التربية والتعليم والصحة والأمور الاجتماعية في البلد، أضف إلى ذلك تأثير كل ما تقدم، على السير في طريق الوحدة والتآخي والتكامل في أميركا اللاتينية، لأن فنزويلا تبحث عن كيفية الاستفادة من مواردها الخاصة لمد يد العون إلى شعوب أميركا اللاتينية الأخرى.

وهي إلى جانب كوبا، شكلت ما يسمى بالخيار البوليفاري لوحدة أميركا اللاتينية، وهذا ما عمل من اجله والدي، فهو الحل الوحيد لمواجهة الولايات المتحدة، والشيء الذي نحققه اليوم هو وحدة شعوبنا للمرة الأولى في تاريخ القارة اللاتينية، فهناك رئيس من الهنود أبناء البلد الأصليين.

الشعوب الهندية الأصلية بدأت بعد منع واضطهاد كبيرين، بممارسة ملكيتها لأراضيها، وهذا هو جدوى تفكير تشي في العصر الحالي، وهو ما زال فعالاً. . . ولكن قبل تشي غيفارا هناك فكر سيمون بوليفار، محرر أميركا اللاتينية، وفكر خوسيه مارتي، البطل القومي. هؤلاء رجال أميركا اللاتينية العظام، هم أقروا أن الأهم بالنسبة لنا أن نتحد مع بعضنا.

ودعنا نذهب أبعد من ذلك، ففيديل كاسترو، الرئيس الكوبي السابق، علمنا جميعاً، أننا لسنا فقط أميركيين لاتينيين، بل أفرولاتينيين، والكثير منا هم أبناء القارة الإفريقية الذين أتوا إلى هذه المنطقة.

وفي عام 1965 كتب والدي كتاباً بهذا الشأن، أطلق عليه اسم «رسالتي إلى القارات الثلاث»، آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وكان يؤمن أن هذه القارات هي التي ستصنع مستقبل العالم ونحن نعمل الآن في هذا الاتجاه.

أنور الخطيب