مؤلف كتاب «الصداقة والصديق «هو أبو حيان التوحيدي على بن محمد بن العباس، فيلسوف، متصوف معتزلي، نعته ياقوت الحموي، بشيخ المتصوفة وفيلسوف الأدباء، ولد في «شيراز» وأقام في بغداد ثم انتقل إلى «الري «فصحب «ابن العميد»، و«الصاحب ابن عباد» ووشي به إلى الوزير المهلبي فطلبه، فاستتر منه ومات في استتارته عن نيف وثمانين عاماً سنة 400 للهجرة.
أما كتابه «الصداقة والصديق «فهو من ذخائر العرب، وتظهر فيه مقدرة أبي حيان ومنزلته في الأدب والتاريخ وقد ألفه أواخر أيامه فهو يقول :لقد فقدت كلَ مؤنس وصاحب».
وقد جمع في كتابه هذا ما استحسنه من الأخبار والأشعار التي تتصل بموضوع الصداقة .
من الكتاب: فأول ذلك أني قلت لأبي سليمان محمد بن الطاهر السجستاني :إني أرى بينك وبين «ابن سيَار:القاضي ممازحة نفسية وصداقة عقلية ومساعدة طبيعية ومواتاة خلقية، فمن أين هذا؟ وكيف يكون؟ فقال : يا بني اختلطت ثقتي به بثقته بي فاستفدنا طمأنينينة وسكونا لا يرثان على الدهر ولا يحولان بالقهر، ومع ذلك فبيننا بالطالع ومواقع الكواكب مشاكلة عجيبة ومظاهرة غريبة، حتى أنا نلتقي كثيرا في الإرادات والاختبارات والشهوات والطلبات، وربما تزاورنا فيحدثني بأشياء جرت له بعد افتراقنا.
قال : ورأيته قد ملكه العجب، فحدَثته بما نتقاسمه من قوى الفلك، وأن سهامنا واحدة، فعجب وازداد بصيرة في إخلاص الصداقة وتوكيد العلاقة
فقلت لأبي سليمان :كيف يصح هذا وأنت مطالبك في الفلسفة وصورك مأخوذة من الحكمة، وجعبتك مجموعة من الحقائق وخوضك في الغوامض والدقائق، وذاك رجل في عداد القضاة وجلة الحكام وأصحاب القلانس ومخاضه الظاهر الذي عليه الجمهور ومأخذه مما عليه السواد الأعظم
فقال:هذا الذي انفردنا عنه بعد أن ازدوجنا عليه، والأصل أبداً مخالف للفرع لإخلاف الضد للضد، ولكن خلاف الشكل للشكل، وكانت مشتريه خاليا من قوة زحل، فبرز في حلية القضاء.
وكان المشتري لي قبسا من زحل، فظهرت بما ترى، فجمعتنا المشاكلة على العلم، وفرقنا الاختلاف بالفن.
قال :فأما الملوك فقد جلَوا عن الصداقة، ولذلك لا تصح لهم أحكامها، ولا توفي بعهودها، وإنما أمورهم جارية على القدرة والقهر والهوى والاستخفاف، وأما خدمهم وأولياؤهم فعلى غاية الشبه بهم.
وأما التجار فكسب الدوانيق سدً بينهم وبين كلٍ مروءة، وحاجز لهم عن كل ما يتعلق بالفتوة.
وأما أصحاب الدين والورع فعلى فلًتهم، فربما خلصت لهم الصداقة لبنائهم إياها على التقوى، وتأسيسها على أحكام الحرج، وطلب سلامة العقبى.
وأمًا الكتَاب وأهل العلم، فإنهم إذا خلو من التنافس والتحاسد والتماحك فربما صحت لهم الصداقة وظهر منهم الوفاء وذاك قليل، وهذا القليل من الأصل القليل.
