تثار بين الحين والآخر زوبعة لمحاكمة التراث العربي، بل تعلو أصوات مبحوحة بطلب حرق هذا التراث، حتى إن أحدهم طالب في الثمانينات من القرن الماضي بحرق تراث وقصائد المتنبي!. لا يمكن أن نتقبل أن يمحى بيت واحد للمتنبي أو لغيره تحت أية ذريعة أو مبرر.

وفي ضوء هذه الحملات، تعرضت ألف ليلة وليلة باستمرار إلى حملات لإلغائها ومسحها من المكتبة بادعاءات أنها تقدم أدباً مكشوفاً. وحاول البعض إعادة صياغتها، وهو أسلوب مرفوض أصلاً، فمن أعطى الحق لهذا أو لذاك لتشويه نص كُتب قبل مئات السنين. وبالفعل قد قرأنا النص المعدل، وفي المقارنة مع النص الأصلي ندرك كم هي الهوة واسعة بين الأصل والصورة المشوهة، التي لو كانت هي الأصل لما أصبح لألف ليلة وليلة هذه الصيت على مستوى العالم.

إنها انعكاس لمجتمع عاش في حقبة من الزمن، وقد وصل هذا المجتمع إلى هذا المستوى الإبداعي، كما تؤشر لنا الليالي، وكم هو سقف الحرية التي كان يعيشها المبدع قبل مئات السنين، وكم انغلق العقل العربي وتراجعت مستوياته ليحرم هذا العمل الإبداعي الذي لم يعد تراثاً عربياً، بقدر ما هو تراث إنساني تعتز به كل الشعوب.

لا اعتقد أن الرقابة مجدية إذا كان المعارضون يضعون الليالي في إطار المراقبة، فالفضاء مفتوح على مصراعيه، ولم يثبت بأي شكل أن ألف ليلة وليلة قد أفسدت الأخلاق، والأولى بالأخوة الذين يثيرون هذه الفقاعات أن يفتشوا عن أسلوب يحمون به المجتمعات مما تبثه الفضائيات التي لا يمكن التحكم بها.

الرقابة في تصوري الآن ترتبط بالرقابة العائلية، وعلى رب الأسرة أن يربي أولاده ويبث فيهم قدراً من الوعي حتى لا يحاولوا مشاهدة تلك القنوات أو تلك المواقع في الشبكة العنكبوتية، هنا تكمن حماية المجتمع وتقاليده وعاداته وقيمه الدينية، لا في اللجوء إلى حرق المتنبي، أو ألف ليلة وليلة، أو أن يتعرض البعض لنتاج ابن أبي ربيعة، وأبي نواس، وغيرهم من الشعراء القدامى والمعاصرين.

وإذا ما تخلصنا جدلاً من كل هذا التراث الإبداعي، فما الذي يبقى لدينا لنعتز به بين شعوب العالم؟!، إن كل هذه المكونات، مهما كان شكلها أو جنسها أو طبيعتها أو تكوينها، هي بالتالي صور حضارية لأمة معطاء عبر آلاف السنين، لا يمكن أن نسمح حتى بالتفكير في طمسها أو حرقها أو تكسيرها. إن مجرد التفكير في التخلص منها جريمة إنسانية.

أرجو أن تقرأ النصوص كونها نصوصاً إبداعية، وليست نصوصاً تثير الغرائز كما يدّعي البعض، ودعونا نحيي هذا التراث الذي يمثل أساس كل ما نتمتع به من مواقع حضارية إنسانية بين شعوب الكون، ونرفض كل العقول الهرمة التي فقدت مصداقيتها وتوازنها وانبرت لمحاربة الإبداع قديمه وحديثه.

ulelah_q@hotmail.com