اختارت الصحافة الأميركية في خريف عام 2009 كتاب «الجنود الطيّبون» لدافيد فينكل، الصحافي في «الواشنطن بوست»، كأحد أهم كتب الدراسات العشرة في الولايات المتحدة.
موضوع هذا الكتاب هو الوجود الأميركي في العراق من بوّابة حياة الجنود الأميركيين وسط أجواء من الخوف والتوتر المستمرين. وكان المؤلف قد أمضى مع هؤلاء الجنود، كما يشير في مقدمة الكتاب، عاما كاملا. كان ذلك في احدى المناطق الواقعة بالعاصمة العراقية بغداد.
إن المؤلف ينقل إلى قارئيه ما يعيشه الجنود الأميركيون في العراق من مشاعر وانفعالات وخوف وكوابيس. وهو يحرص على أن ينقلها «مباشرة»، وكما عاشها لحظة حدوثها.
وهو يكتب بالوقت نفسه عبر هذا عما يعتقده «حقائق البشر» وكيف ينظرون، كل من موقعه، إلى الآخرين. كما يشكّل الكتاب رؤية سياسية، من خلال نظرة أولئك الجنود إلى السياسيين الذين بعثوا بهم إلى هذا «الجحيم».ويتمثل احد الجوانب الأساسية في هذا الكتاب بتوصيف ما جرّته الحرب على العراق وعلى العراقيين، وما أحدثته من خراب.
إنه مشهد تكوّن معامله الأكثر بروزا من حطام الأبنية وهياكل العربات المحروقة التي قد لا تأوي سوى «القنابل» لتفجيرها عندما يراد ذلك. وفي قلب هذا كله يتواجد جنود الكولونيل الأميركي «كوزلاريش» ويعيشون قلق الخوف المستمر على حياتهم.
من الملفت للانتباه أن المؤلف يبدأ كل فصل من فصول الكتاب بجملة مأخوذة من حديث أو خطاب للرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش يبرر فيها شروعه بالحرب. والجملة المعنية تذهب عامة في اتجاه متناقض لحقيقة الأشياء. والأهم من هذا أنها تتناقض مع الواقع الذي يعيشه الجنود الأميركيون في العراق.
ويشرح المؤلف أن الحرب الأميركية في العراق هي، مثل جميع الحروب، حربان وليست حربا واحدة، حرب يقررها ويخطط لها أصحاب القرار السياسي والمنظرّون الإستراتيجيون في واشنطن، بالبيت الأبيض والبنتاغون. وحرب أخرى هي تلك التي يخوضها الجنود على أرض المعركة تنفيذا لأوامر رجال السياسة والإستراتيجية.
ويشير المؤلف إلى أن هذه «الثنائية» في الحرب، ظهرت بأجل صورها يوم 4 سبتمبر-ايلول من عام 2007، عندما كان وسط الجنود في أحد أحياء شرق بغداد في ذلك اليوم قال جورج دبليو بوش ان الحرب تتطور لصالح الولايات المتحدة الأميركية التي تحقق الانتصار تلو الآخر وأنها «بصدد ضرب العدو على قفاه».
هكذا كان الرئيس الأميركي يرى الوضع الذي آلت إليه «حربه».بالمقابل، كانت هناك الحقائق التي يعيشها الجنود على الأرض في ذلك اليوم بعد أن انفجر لغم أثناء مرور القافلة التي كانوا يستقلونها، وكان الصحافي يجري تحقيقه عندها، وسقط في ذلك الانفجار ثلاثة جنود قتلى وفقد رابع ساقيه وآخر ساقيه ويده اليمنى من الذراع وجزء كبير من يده اليسرى، وأذنيه وأنفه وحاجبيه وأجريت له 30 عملية جراحية كي يموت في المستشفى بعد خمسة أشهر.
وينقل المؤلف عن أمه قولها: «كان دونكان- هذا هو اسمه- سيبلغ غدا العشرين من العمر لو قدّر له أن يعيش. لكنه سيبقى إلى الأبد في التاسعة عشر. وسوف نفتقده باستمرار».
كانت تلك هي رؤيتها للأمور. ويكرّس المؤلف العديد من صفحات كتابه للحديث عن العواقب العميقة النفسية والجسدية التي يعاني منها أولئك الجنود الأميركيين بعد عودتهم إلى الولايات المتحدة الأميركية من العراق ومشاركتهم في الحرب التي لا تنتهي فيها. وهو يشير في البداية أن أولئك الذين يعودون وهم جرحى بجسدهم يلاقون أفضل عناية طبية ممكنة. لكنه يشير مباشرة إلى أن الأمر مختلف تماما بالنسبة للجروح «النفسية» المتأصلة في أعماق العائدين.
ذلك أن الأمر مختلف بالنسبة لهؤلاء، إذ يحتاج الأمر إلى عناية طويلة ومستمرة. هنا تختلف الأمور من ظرف إلى آخر. ثم إن العائدين أنفسهم أقل جرأة في طلب العون النفسي بسبب ما يرتبط فيه هذا العون من نظرة اجتماعية.إن المؤلف يتحدث في كتابه عن العديد من الحالات العيانية لجنود عرفهم عن قرب أثناء إقامته بينهم عمليا خلال القيام بتحقيقاته. وهو يحكي عن جندي يصفه أنه كان «أحد الأفضل» بين عناصر الوحدة العسكرية وقد جرت إعادته إلى الولايات المتحدة بسبب اضطرابات في الشخصية والسلوك بعد الصدمة في إحدى المواجهات.
كان ذلك الجندي قد أمضى ألف يوم في العراق، ولكنه وصل عبر تراكم ما عاشه من أحداث وعنف إلى نوع من القطيعة، بحيث أنه عاد إلى الولايات المتحدة الأميركية وهو يعاني من «الإحساس بالذنب» وأنه «لا يشعر بالاعتزاز لكونه مواطنا أميركيا»، ذلك أن تلك الحرب التي دخلها على خلفية أنها «حرب عادلة» وجدها «حربا قاتلة»، لم يسلم منها الأبرياء.
تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الجمهور الأميركي يستقبل الجنود العائدين من العراق بطريقة مغايرة تماما لما جرى عند استقبال العائدين من فيتنام.
ذلك أن أشكال النقد والغضب موجهة اليوم بالأحرى ضد القادة السياسيين والعسكريين الذين اتخذوا قرار الحرب وليس ضد الجنود الذين يلقون، على العكس، الكثير من التعاطف من قبل الرأي العام. ذلك على خلفية أنهم هم أيضا «ضحايا» لهذه الحرب.
وفي المحصلة النهائية يرى المؤلف أن الجنود الذين ذهبوا مع الحملة ضد العراق كانوا «ساذجين» في البداية، بل وكانوا «يستعجلون» المشاركة بالمعارك.. لكنهم فهموا في النهاية ماذا تعني الحرب.
الكتاب: الجنود الطيّبون
تأليف: دافيد فينكل
الناشر: سارة كريشتون بوك نيويورك 2009
الصفحات: 304 صفحات
القطع: المتوسط
The good soldiers
David Finkel
Sarah Crichton Book New York 2009
304p.
