من المعروف عن ولاية تكساس الأميركية أنها أحد أكثر الولايات الأميركية في مجال تنفيذ الأحكام الصادرة بالإعدام.
منذ إعادة العمل بحكم الإعدام فيها عام 1976 بتنفيذ 40 بالمائة من مجموع الأحكام بالموت في مجمل البلاد. وهناك عشر ولايات الآن من أصل 35 لا تزال تطبّق حكم الإعدام.المحامي الأميركي دافيد ر. داوو، جعل إحدى مهماته الرئيسية الدفاع عن المحكومين بالموت في ولاية تكساس؛ ذلك لحساب جمعية حددت هدفها بالدفاع عنهم، بل كان ذلك علّة وجودها. وهو يقدم في هذا الكتاب» سيرة ذاتية لتنفيذ حكم الموت» توصيفا لآليات عمل العدالة الجنائية في الولايات المتحدة كما يجري يوميا . كما ينقل كيف يعيش أولئك المحكومون القابعون في «أروقة الموت». وميزة هذا الكتاب أن مؤلفه المحامي يصف يوما بيوم الحياة في هذه الأروقة بكل تفاصيلها الدقيقة والكيفية التي يواجه فيها المعنيون «اللحظة الفاصلة». ويشكل الكتاب إضافة نوعية للكتب «الأكاديمية» العديدة التي صدرت في هذا الميدان.
إن المؤلف يطرح عددا من الأسئلة التي تبدو بديهية ولكن الإجابات عنها ليست بديهية هي الأخرى.
فمثلا: هل من واجب المجتمع، ومن حقّه أن يصدر حكم الموت على أولئك الذين يخرقون قوانينه؟ وهل يمكن الثأر لجريمة غير مشروعة بعملية قتل مشروعة؟ إن الإجابة التقليدية كانت على مدى قرون طويلة هي إصباغ الشرعية على تنفيذ حكم الموت ، على أساس أن الأمر يتعلق بعملية تصحيح لا بد منها للمحافظة على النظام المعمول به.
لكن «الإفراط» في عمليات تنفيذ أحكام الإعدام، كما في تكساس، أدى إلى طرح أسئلة أخرى تتعلق بمدى دور العدالة في إعطاء حظ جديد لأولئك الذين يخرقون قوانينها؟ ثم أليس للعدالة دور تربوي؟ كذلك أليس هناك الكثير ممن يدفعون حياتهم نتيجة خطأ من العدالة.
إن مؤلف هذا الكتاب يخوض في الإجابات المطروحة على مثل هذه الأسئلة. ويقدم عبر ذلك توصيفا للمنظومة القضائية الأميركية.
ويعتبرها منظومة ملتوية حيث إن رجال الشرطة يرغمون المتهمين والشهود في حالات كثيرة على تقديم شهادات مزيفة، ومحامو الدفاع قد «ينامون» أثناء المرافعات والقضاة يصدّقون بدون تدقيق كافٍ في أحيان كثيرة ما يقوله شهود -خبراء- حول متهمين لم يسبق لهم أن لحظوهم في حياتهم.
ولعلّ المقطع التالي يقدّم صورة بليغة عما يجري في أروقة الموت بالسجون الأميركية عامة، وبسجون ولاية تكساس بشكل خاص. يقول المؤلف: «لقد قمت بالدفاع عن أكثر من مائة محكوم بالموت. وباستثناء ثلاثة أو أربعة منهم لم أكنّ لهم مشاعر الحب. بالمقابل هناك سبعة بينهم أعتقد تماما ببراءتهم. لكن جرى إعدامهم جميعا ذلك أن المحامين الذين دافعوا عنهم حتى نهايتهم كانت تنقصهم الكفاءة.
هكذا يصف المؤلف حكم الموت في تكساس وكأنه «حلبة لمصارعة الثيران» حيث لا يبدو أن للمعني أي حظ بالخروج منها. وفي هذه الحلبة يطرح محامو الادعاء أسئلتهم وأعضاء لجنة التحكيم يبحثون عن مذنب والقاضي يريد أن يستجيب لرغبة المواطنين الذين انتخبوه، والمحامون يفعلون ما بوسعهم من أجل تبرئة موكليهم.
لكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد أنه يستخدم كل السبل، بما في ذلك اللجوء إلى تحاليل الحمض النووي DNA وتوظيف «خبراء» كي يقولوا للقضاة «حقيقة» أولئك الذين يدافع عنهم. يقول: «إن عملي يكمن في منع تنفيذ حكم الإعدام بمن أدافع عنهم، وليس إنقاذهم ولا شفائهم. هذا صعب جدا ولكن على الأقل ممكن».
ويشير المؤلف بأشكال مختلفة أنه لم يكن في البداية من مناهضي حكم الموت... ولكنه كان قد شرع في نهاية عقد الثمانينات الماضي بعملية بحث مقارن حول عقوبة الموت في أربع ولايات أميركية حيث قابل أربعة أو خمسة من المحكومين بالإعدام، وفهم من خلال حالاتهم أنهم بحاجة إلى محامي متمرّس يدافع عنهم.
هكذا بدأ بالدفاع عن «الذين يصعب الدفاع عنهم».ويصف المؤلف في هذا الكتاب زياراته إلى «أروقة الموت». ويركز في توصيفه على «بربرية» عملية تنفيذ حكم الموت «زرقا بالسم القاتل». المصل الأول الذي يتم حقنه للمحكوم يهدف إلى «تجنيبه الألم كثيرا». ولكن إذا لم تكن الكمية كافية، فإنه يتعرض ل»الشلل» عند الجرعة الثانية، أما الجرعة الثالثة فستسبب له «آلاما فظيعة» يشبهها المؤلف ب»صبّ حمض الكلور على جرح طري».
ويحاول المؤلف أن يصحح بعض الأفكار السائدة لدى الرأي العام الأميركي حول أروقة الموت. هذا ما تعبّر عنه بوضوح الجملة التالية القائلة: «الناس يعتقدون أن المحكومين بالموت يعيشون حياة هانئة وأنهم يمارسون الرياضة كل صباح ويشاهدون التلفزيون طيلة الليل ويتناولون ثلاث وجبات عامرة كل يوم وتحت تصرفهم كتب وحواسيب (...). لا أعرف إذا كان الذين صاغوا مثل هذه الأسطورة هم من الجهلة. مهما يكن من أمرهم إنهم مخطئون على طول الخط. رواق الموت هو قفص حديدي.
هذا قد لا يطرح أية مشكلة. فقد تعتقدون أن يرتكب جريمة ينبغي سجنه في قفص. أنا لست مع هذا الرأي لكنني أفهمكم».
إن أحد المظاهر المتعلقة بحكم الموت في أميركا يكمن في كلفته الباهظة. ويشير المؤلف أنه «في تكساس تنفق الدولة مليون دولار لمحكوم واحد بالموت»، أي أن كلفة ال450 تنفيذا لهذا الحكم منذ عام 1976 بلغت 450 مليون دولار. وهذا رقم كبير. ويجد المؤلف في هذا سببا لزيادة تفاؤله في الإلغاء الكامل لعقوبة الموت خلال السنوات القادمة «هذا ليس لكون أن الناس يعتقدون بضرورة إلغائه ولكن بسبب كلفته الباهظة».
الكتاب: سيرة ذاتية لتنفيذ حكم الموت
تأليف: دافيد ر. داوو
الناشر: تويلف نيويورك 2010
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
The aubiography of an execution
David R. Dow
Twelve - New York 2010
288p.

