اشتهر عدد من المؤرخين الفرنسيين في مجال الدراسات الخاصة بالعصور الوسطى، وعلى رأس هؤلاء «جاك لوغوف»، الذي قدّم قبل أسابيع قليلة كتابا تحت عنوان: «العصر الوسيط والمال».
ومن الأفكار الأساسية التي يشرحها المؤلف قوله إن المال قد لعب في المجتمعات المعنية دورا كبيرا جدا، وكانت مساهمته استثنائية في ازدهار المدن وفي التجارة بل وفي تشكّل الدول.
لكنه بالمقابل يؤكد، على عكس مقولة تتردد كثيرا، ان العصور الوسطى لم تعرف اقتصادا رأسماليا، بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وأن أقصى حالة وصلت إلى الاقتصاد في نهايات الفترة المدروسة يمكن توصيفها ب«ما قبل الرأسمالية». والسبب الرئيسي في غياب أية منظومة رأسمالية يجده جاك لوغوف في غياب أي سوق حقيقي شامل.
غياب مثل ذلك السوق كان من نتيجة تباطؤ كبير في آليات عمل الاقتصاد، وبالتالي أدى ذلك إلى محدودية النمو الاقتصادي. لكن هذا لا يمنع واقع تحقيق العديد من النجاحات في مجالات مختلفة. الملاحظة التي يتم التأكيد عليها في هذا السياق والبعيدة عن روح الرأسمالية، هي أن «إعطاء المال» للآخرين لم يكن يقل أهمية في العصور الوسطى عن «ربحها».
بهذا المعنى لم يكن مفهوم الثروة آنذاك هو نفسه مفهوم الثروة في الوقت الراهن. وحتى لو كانت مكانة المال قد أخذت حيّزا أكبر فأكبر في حياة البشر وفي رؤوسهم أيضا.
وتبدو تاريخية مكانة العملة ودورها في العصر الوسيط من خلال تسلسل فصول الكتاب العشرة التي تبدأ بفصل عن «إرث الإمبراطورية الرومانية وتحوّل أوروبا نحو المسيحية» وتنتهي بفصل عن «نحو اكتمال النظام المالي في نهاية العصر الوسيط» ومرورا بمحطات أساسية مثلتها عناوين الفصول الأخيرة:
«من شارلمان إلى الحقبة الإقطاعية» و«ازدهار العملة في منعطف القرنين الثاني عشر والثالث عشر» و«القرن الثالث عشر الجميل والمال» و«التجارة والمال والعملية في التطور التجاري للقرن الثالث عشر» و«المال والدول الوليدة» و«القروض والاستدانة» و«الثروة والفقر الجديدان» من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر، المال في أزمة».
عناوين هذه الفصول شديدة الدلالة على مضمون الكتاب. ويؤكد مؤلفه أن إنسان العصر الوسيط «غريب» إلى حد كبير عن إنسان العصر الحالي. ويحدد موضع «الغرابة» الأكبر والفرق بين «الإنسانين» في موضوع المال تحديدا والذي لم يكن مفهومه نفسه مفهوما. ذلك أنه كانت هناك «عملات» في عالم كانت الذهنية الدينية سائدة فيه بشكل شبه كامل. وكان «تقديس» المال، كما هو سائد اليوم، غائبا تماما. ولم تكن هناك جوائز مثل «الدب الذهبي» موجودة».
لكن بالمقابل عرف العصر الوسيط العديد من «العملات» بينما أن مفهوم «المال» نفسه لم يبدأ بالظهور حتى القرن السادس عشر. ذلك أنه خلال الفترة السابقة له لم يكن لتعبير «الغني» مدلوله الحالي، بل كان يعني بدقة أكبر «القوى»، إلى جانب تأكيد الملف أن إحدى سمات المجتمعات الوسيطة في أوروبا تمثلت في زيادة كمية العمولات وزيادة تداولها.
ويشرح المؤلف في الفصل الذي يحمل عنوان: «القرن الثالث عشر الجميل» ان تلك الصفة تعود أولا إلى ازدهار التجارة، التي جاءت في سياق ازدهار المدن. وتبادل السلع وبناء الحواجز للحماية وإشادة الكنائس، هذا كله تطلّب توفر المال. ويؤكد المؤلف أن «البورجوازية» الصاعدة آنذاك ورجال الكنيسة دفعوا أموالا كثيرة لبناء الكنائس.
بالمقابل لا يتردد المؤلف في القول ان المال كان بمثابة «عقب أخيل» بالنسبة لبناء الدول في العصر الوسيط. ذلك أن الحكومات وجدت صعوبة حقيقية في «جبي الضرائب» بصورة منتظمة. وهذه العملية بدأ ضبطها تدريجيا منذ القرن السادس عشر، لكن لم يتم فرضها إلا مع الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، وبروز فكرة الدولة الحديثة القائمة على أساس الأمة.
أما العملات التي سادت في العصر الوسيط فقد كانت من الذهب والفضة والرصاص. وكان يتم جلب الذهب في القرن الثالث عشر من إفريقيا
ك«بودرة»، وكذلك من الشرق الأوسط حيث كان يتم «تذويب» العملات الإسلامية من أجل صناعة عملات «مسيحية» منها. وكان إمبراطور ألمانيا هو أول من «ضرب عملة ذهبية» لتأكيد مكانته السامية.
ولم تعرف فرنسا عملتها الذهبية حتى أواسط القرن الرابع عشر. يشير المؤلف هنا إلى أن حرب المائة عام في أوروبا سارعت من استخدام الذهب في العملة حيث كان يتم دفع ثمن الأسلحة بها، وكذلك دفع أجور المرتزقة وفديات الأسرى. بكل الحالات لم تكن هناك عملة أوروبية موحّدة آنذاك.
وما تجدر الإشارة إليه هو أن هذا الكتاب عن «العصر الوسيط والمال» يصحح الكثير من الأفكار السائدة «الخاطئة» عن حقبة العصور الوسطى الأوروبية التي عرفت «عملات» كثيرة لكنها لم تعرف مفهوم «الثروة» بالمعنى السائد اليوم.
الكتاب: العصر الوسيط والمال
تأليف: جاك لوغوف
الناشر: بيران باريس 2010
الصفحات: 250 صفحة
القطع : المتوسط
Le Moyen-Age et l'argent
Jacques Le Goff
Perrin - Paris 2010
250p .
