يعرف العالم فترة من السلام «النسبي» منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن الأمر ليس كذلك على جبهة الاقتصاد، ذلك أن «الدول تتحارب اقتصاديا» كما جاء في عنوان كتاب الباحث الاقتصادي علي العايدي.
ويأتي هذا الكتاب، كما يقول مؤلفه، نتيجة تحقيقات قام بها واستمرّت عدة سنوات. لقد بحث ونقّب خلالها في كواليس الحكومات من الصين إلى أوروبا ومن الولايات المتحدة الأميركية إلى اليابان. ويكشف من خلال تحقيقاته عن الاستراتيجيات التي تنتهجها الدول من أجل حماية «زهرة صناعاتها».وتتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يحمل الأول منهما عنوان: «الحرب الاقتصادية: خطوط الجبهة الجديدة». ويبحث المؤلف في فصوله الثلاثة مواضيع تتعلّق ب«مفهوم الحرب الاقتصادية المزعج» ثم في فصل عن مسألة «عودة الدولة إلى الفعل بميدان الاقتصاد» وآخر عن «خطط استئناف النشاط الاقتصادي: الدولة والسوق».ويخص القسم الثاني: «المنظومات الوطنية للاستخبار الاقتصادي» حيث يدرس المؤلف ثلاث حالات تخص الأولى: «الولايات المتحدة، باسم المصالح الاستراتيجية للأمة» والثانية: «اليابان، ساموراي عالم الأعمال-البزنس»، أما الحالة الثالثة الأخيرة فتعنى ب«الصين، الاستراتيجية الرأسمالية ؟ الكونفوشيوسية - نسبة إلى حكيم الصين كونفوشيوس».
ويقدم المؤلف براهينه على أن بعض الدول لا تجد حرجا في أن تضع أجهزتها الأمنية ومؤسساتها الاستخباراتية في خدمة مصالح شركات بلدانها الكبرى. وليس بعيدة عن هذه الرؤية «الدبلوماسية الاقتصادية» التي تقوم فيها بعثاتها الدبلوماسية في الخارج.إن الحرب الاقتصادية تحتدم والدول تعبئ طاقاتها و«تأخذ مكانها على الجبهات». هكذا يمكن ل«صناديق سيادية» في بلدان الجنوب أن تساهم بنشاط في الأموال المستثمرة بالبورصات. والصين تنقل إحدى جبهات «الحرب الاقتصادية» إلى القارة السوداء حيث تتعدد مشاريعها في الكثير من البلدان الإفريقية.بالمقابل لم تتردد الولايات المتحدة الأميركية في الإعلان أن الأزمة المالية العالمية التي انطلقت في خريف عام 2008 تشكل التهديد الأكبر بالنسبة لأمن الولايات المتحدة الأميركية. وفي منظور نقدية «الجبهة الفرنسية» قرر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إنشاء «صندوق للاستثمار» على الطريقة الفرنسية. وهناك العديد من البلدان التي قامت ب«استئجار» أراض في بلدان أجنبية من أحل ضمان «أمنها الغذائي» لأطول فترة ممكنة.
ويشرح مؤلف هذا الكتاب أن التجارة الدولية في عصر العولمة أصبحت «أرض معركة» حقيقية. وهذا أرغم الدول على أن «تحوّل» موظفيها إلى نوع من «المحاربين الاقتصاديين» الذين تكمن إحدى مهماتهم الأساسية في المحافظة على مصالح البلاد الاقتصادية. وبهذا المعنى يغدو رجال الاقتصاد والدبلوماسيون ورجال الشرطة والجواسيس والعسكريون في خدمة هدف واحد هو خدمة المصلحة الاقتصادية العليا لبلدانهم.
لكن التحليلات التي يقدمها المؤلف والوقائع التي يعتمد عليها تسمح بالقول ان الحرب قائمة بالفعل. ذلك أن المنافسة الشديدة القائمة في عالم اليوم تدفع الدول إلى تبنّي أشكالا من السلوك تتجاوز في واقع الأمر إطار العلاقات الاقتصادية التقليدية السائدة عادة. وبهذا المعنى أيضا يرى المؤلف أنه تنبغي إعادة النظر بمقولة مونتسكيو حول «التجارة الهادئة» التي يمكنها أن تكون عاملا في إحلال السلام بالعالم.
إن المؤلف يستفيض في شرحه بالكتاب للأسباب التي تجعل الاقتصاد بمثابة «الرهان الأساسي للقوة خلال فترة السلم». وبالتالي ليس مستغربا في ظل مثل هذا الواقع أن تنخرط الدول في «البحث عن القوة» عبر الاقتصاد واستخدام جميع الوسائل من أجل الوصول إلى غاياتها. وليس من المستغرب أيضا أنه تقوم بدعم «أبطالها» العاملين في حقل الاقتصاد وجعلهم أكثر قدرة على المنافسة. ذلك على أساس «حس المواطنة» الاقتصادي يتشارك فيه جميع المواطنين المعنيين.
وبهذا المعنى يقول المؤلف انه: «وراء اليد الخفيّة للسوق توجد الدول».ويتحدث المؤلف في إطار «الحرب الاقتصادية» الدائرة في الخفاء، وعبر مختلف الأجهزة السرية وغير السرية، بين الدول عن وجود ثلاث «جبهات» جديدة سوف تشهد السنوات القادمة «المعارك» فيها. هذه الجبهات تخص «الفضاء والبحر والأراضي الزراعية».
ومن خلال دراسات حالات الولايات المتحدة واليابان والصين، يرى المؤلف أن الدول كلها تدافع عن اقتصادها الوطني. وأن هذا يفتح الطريق مستقبلا حول عدة احتمالات. من بين هذه الاحتمالات نهاية الإجماع حول النهج «الظافر» الذي تقوده الولايات المتحدة تحت عنوان «انتصار الأفكار الليبرالية المفرطة». واحتمال آخر هو الاقتراب من النهج الصيني القائم على زيادة تدخل الدولة في الاقتصاد بل وحيث يصبح دورها سائدا.
وفي المحصلة يرى المؤلف أنه في مواجهة الصين وروسيا واليابان والولايات المتحدة والهند والبرازيل ذات النزعات «القتالية» كلها تبدو أوروبا هي «الأقل حربية». لكن هذا لا يلغي حقيقة أن: «رؤية الحرب الاقتصادية القائمة في المواجهة، ينبغي التأهّب من أجل الدفاع عن النموذج الاجتماعي الذي جرى اختياره».
الكتاب: الدول تتحارب اقتصاديا
تأليف: علي العايدي
الناشر: سويل باريس 2010
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
Les Etats en guerre
Ali Laïdi
Seuil - Paris 2010
336p.

