تشكل رواية «ليلة الفراشة الذهبية» الجزء الخامس والأخير من خماسية طارق علي المعروفة باسم «خماسية الإسلام» والتي عكف على تأليفها على امتداد عقدين من الزمان، وحظيت باهتمام عالمي كبير، وترجمت إلى ما يزيد على اثنتي عشرة لغة، على امتداد العالم.
وتضع هذه الرواية اللمسات الأخيرة على بانوراما ملحمية، تبدأ في الأندلس في القرن الخامس عشر الميلادي، بينما تنتقل النهاية بالقارئ بين مدن القرن الحادي والعشرين، من لاهور إلى لندن، ومن باريس إلى بكين.
ويتلقى الراوية الذي تتناهى إلينا الرواية على لسانه اتصالاً هاتفياً من صديقه الفنان التشكيلي محمد أفلاطون، الذي يذكره بدين طوق به عنقه، ويطالبه في معرض رده بكتابة سيرة حياته، على الرغم من أنه حرص في وقت من الأوقات على الابتعاد كلية عن دائرة الضوء والاهتمام العام.
ومع انطلاق الرواية في مسيرتها نلتقي في لندن بأليس ستيبفورد صديقة محمد أفلاطون، التي أصبحت الآن ناقدة موسيقية شهيرة في نيويورك، ونلتقي أيضاً بالسيدة لطيف الشقية، ربة البيت التي يمضي بها ولعها بالجنرالات إلى الصالونات الثقافية العصرية في باريس، حيث ينظر إليها باعتبارها ديدرو العالم الإسلامي.
ونلتقي أيضاً بجينداي، أو الفراشة الذهبية التي يشير إليها عنوان الرواية، وهي حبيبة الراوية الأولى.
وتتداخل مع هذا كله محطات التاريخ العاصف لعائلة جينداي، حيث نكتشف أن دوويتكسيو، جد جينداي، قاد انتفاضة للمسلمين في إقليم يونان الصيني في القرن التاسع عشر وحكم ذلك الأقليم من عاصمته دالي على امتداد عقد من الزمان تقريباً تحت اسم السلطان سليمان.
والواقع أن الرواية، شأن الخماسية كلها، هي بمثابة صرخة احتجاج على النسيان المفروض، وهي تعطي البطولة الحقيقية لشخصيات منشقة بطبيعتها.
ويمكن القول إن الخماسية هي في جوهرها محاولة لكتابة تاريخ للاسلام بشكل مختلف، وهي بهذا المعنى تردد أصداء بعض المفاهيم التي نجدها في كتاب أدونيس «الثابت والمتحول: بحث في الاتباع والإبداع».
والسؤال الكامن في صميم نسيج الخماسية كلها، وبصفة خاصة الرواية الأخيرة، هو: لماذا يتراجع المسلمون بعد أن حلقت بهم حضارتهم عالياً؟
إن إجابة طارق علي في مواجهة هذا السؤال هي إجابة «واضحة وصريحة ومحددة، فهو يرى أن هذا التراجع عائد إلى روح التشرذم الملحة التي فرضت نفسها طويلاً على عالمنا الإسلامي، إلى الافتقار إلى المفهوم الذي لخصه ابن خلدون في مقدمته في كلمة واحدة، هي مفهوم «العصبية».
لكن الكاتب واجه مشكلات حقيقية في غمار إبداعه لهذا العمل الهائل الذي استغرق عقدين من الزمان لإنجازه، فهو لم ينجح في ربط سياق التراجع الكبير للأمة الإسلامية بالمسيرات الفردية لأبطاله.
وليست هذه المشكلة الوحيدة الهيكلية التي يواجهها العمل، فأبطال طارق علي ينتقلون، كما رأينا، في الرواية الأخيرة في الخماسية، من لاهور إلى باريس، ومن لندن إلى بكين، ويقعون في الحب وتنطلق حياتهم في بعض المنعطفات المجنونة والمفاجئة، ولكن ليس هناك صراع حقيقي، ليس هناك لغز يتعين سبر أغواره وحله، ليست هناك ورطة سياسية أو أخلاقية يتعين عليهم أن يواجهوها، وإنما بدلاً من ذلك نجد أن الحراك قصد به في المقام الأول إتاحة الفرصة أمام الشخصيات للحديث في السياسة وللإعراب عن مواقفها المنشقة.
وفي المشهد الأخير من الرواية مشهد موت أفلاطون، تتجمع شخصيات عديدة لرفع الستار عن لوحته الأخيرة، التي هي رمز هائل لتاريخ باكستان. ونجد أن وصف طارق علي للوحة الذي يستمر على امتداد عشر صفحات مفعم بالحيوية ووحشي إلى حد كبير، ولكنه لا يكشف لنا شيئاً جديداً، سواء عن افلاطون نفسه أو عن الراوية دارا، أو عن الطريقة التي يفكران بها في البلد الذي يعتبرانه وطنهما.
وربما كان النقد الأكثر أهمية الذي ينبغي أن يدور حول الخماسية بكاملها هو الذي يدور حول سؤال محدد ومؤرق معاً: إلى أي حد يمكن اعتبار مجلدات الخماسية روايات ناجحة؟
إننا نعرف أن النقد البريطاني يميل إلى إجابة سلبية عن هذا السؤال، فالنقاد البريطانيون لايزالون حتى اليوم بعيدين عن اعتبار طارق علي جزءاً من المشهد الروائي البريطاني على الرغم من أنه يكتب الروايات منذ عشرين عاماً.
وهم يقدمون في معرض تبرير موقفهم هذا سبباً واحداً، وهو أن روايات طارق علي تظل بعيدة عن إمكانية وصفها بأنها بنى درامية وليدة المراكمة الصبورة للتفاصيل، والاحترام الواقعي لضوابط التاريخ التي لا سبيل إلى تجاهلها بأي حال.
غير أن المرء لا يمكن إلا أن يدرك ما في هذا الحكم من تعسف وصرامة، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل: هل هو إعلان بموقف نقدي حيال عمل روائي هائل، أم أنه تعبير عن رؤية ايديولوجية في المقام الأول؟
ربما كان النقاد البريطانيون في تعاملهم مع طارق علي بهذه الصورة يرددون أصداء تعامل المؤلف نفسه مع الشخصيات الشريرة في خماسيته، وفي مقدمتهم الأسقف سيسيروس والغازي الصليبي رينالد دي شايتون وبارونات باليرمو، حيث يتم التعامل معهم بصرامة في ضوء ازدواجيتهم ونفاقهم وأوجه قصورهم الشخصية العديدة.
أياً كان الأمر، فإننا نظل مع هذه الخماسية إزاء بانوراما هائلة، تعكس جهداً مميزاً لقراءة التاريخ الإسلامي بصورة مختلفة، وإن شئت الدقة لتحقيق قراءة علمانية لهذا التاريخ، ومن هنا فليس من قبيل الصدفة الاتكاء من جانب المؤلف على المفاهيم التي طرحها ابن خلدون في مقدمته الخالدة.
وقد يكون من الممكن أيضاً قراءة الخماسية على أنها تصحيح لذاكرة الغرب القصيرة والمعيبة حول القضايا التي يطرحها التاريخ الإسلامي.
ولهذا كله تظل الخماسية، والرواية الأخيرة منها بصفة خاصة، جديرة بأكثر من قراءة، وعلى أكثر من مستوى، لأنها تقدم عملاً يعد، بكل المعايير، جهداً يستحق الالتفات إليه، والتوقف طويلاً عنده. وربما لم يكن من قبيل الصدفة أن تختتم مطبوعة «بيلشرز ويكلي» المتخصصة في عروض الكتب تناولاً مطولاً للجزء الخامس من الخماسية بالقول: «إننا بإزاء عمل ملحمي في امتداد، يستكشف الآفاق الرحبة لشؤون سياسية ورومانسية، بينما يضج بالحيوية والانطلاق والمرح».
الكتاب: ليلة الفراشة الذهبية
تأليف: طارق علي
الناشر: فيرسو لندن 2010
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
Night of The Golden Butterfly
Tariq Ali
Verso, London, 2010
288P.
