يبين كتاب «إصلاح الساسة»، لمؤلفه د.عبد المنعم سعيد، والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 2009، أن السمة المميزة لكل من الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، وجماعة الإخوان المسلمين والليبراليين، في مصر تتمثل في اشتراك هذه القوى بعدد من الأمور، رغم تباعد توجهاتها السياسية، وأهمها أنها جزء من الحركة الوطنية المصرية، أو بعبارة أخرى، جزء من عملية بناء مصر الحديثة، حتى ولو تراوحت المسافات بين كل تيار، وفكرة الحداثة ذاتها.
ومن منطلق هذه الفكرة يبدأ المؤلف في عرض الخطوط الأساسية لرؤيته عبر محاولة الإجابة عن السؤال المحوري: هل نريد التغيير حقاً في بر مصر؟ ويجزم سعيد في إجابته بأنه لديه شكوكا قوية في أننا نريد تغيير الأوضاع القائمة في مصر، رغم كل الشكوى التي نسمعها صباح مساء حول ذلك، ويوضح أن أفكار التغيير كلها تذهب إلى العودة إلى الوراء بسياسات قديمة ثبت فشلها في كل أنحاء العالم، بل وثبت فشلها في مصر نفسها.
ويخلص المؤلف إلى القول إن كل ما علينا فعله هو أن نبحث في ما لدينا من موارد بشرية ومادية، ونعرف كيف نوظفها، وعندها لن تبقى مصر على حالها.
ثم يتطرق سعيد في كتابه إلى أحد أسس عملية التغيير والإصلاح، وهو محاربة الفساد، مشيرا إلى أن الكل يشكو من الفساد، ويؤكد أنه من الصحيح أن في مصر قدراً غير قليل من الفساد، منتقدا اكتفاء الجميع في مصر بالحديث عن الفساد وليس حل هذه المشكلة.
وفي ما يتعلق بالحزب الوطني في السياق الذي يستهدف الكتاب تناوله بالمناقشة، يناقش المؤلف العديد من الجوانب، ومنها لماذا الحزب الوطني؟ وهوية الحزب ومهمته، ومستقبل الحزب، وهنا يلفت إلى أن الحزب ليس لديه رؤية خاصة بالمستقبل، مضيفا أنه من الصحيح أن هناك حديثا كثيرا عن المستقبل داخل الحزب ولجانه ومنتدياته المختلفة.
ولكن هذا لا يتحول إلى مجموعة من الأهداف بعيدة المدى، والتي تحاول الدولة والمجتمع الوصول إليها، غير انه يتحفظ هنا منبها إلى أنه ليس معنى ذلك أن مصر لا تتحرك بلا هوية، فالحقيقة ـ كما يذكر ـ هي أن مصر، الدولة والحكومة والحزب الوطني، لديها خطط وليس خطة واحدة للتحرك نحو السنوات المقبلة، وليس المستقبل.
ثم ينتقل إلى الحديث عن الإخوان المسلمين مقدماً ما يراه أساساً عاماً لتناول هذا الجانب، إذ إن أحوال الدولة العربية الحديثة لن تكتمل إلا بمعرفة أمرين؛ أولهما الكثير حول الديمقراطية وجذورها وشروطها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعمل على توفيرها، والثاني معرفة وافية وواسعة عن الدولة الدينية التي تبدو حلماً بالخلاص الكامل لدى الكثير من الناس، بينما تحتوي في جوهرها، حسب ما يرى المؤلف، على فاشية كاملة الأركان، تنهي الحرية الإنسانية والاختيارات السياسي، بغطاء من القدسية والكهنوت.
ويحدد رؤيته قائلا:إن السعي من أجل التحديث والديمقراطية، لا بد له أن يسير جنباً إلى جنب، مع عملية التعامل مع التيارات الدينية وتوجهاتها السياسية، سواء كانت في الحكم أم في المعارضة، لأنها في الحالتين، لديها القدرة على الاستخدام الخاطئ للدين بالطريقة التي لا تخدم مصالح المواطنين والعباد أيضا.
وفي حديث مباشر عن الإخوان يوضح سعيد أنها جماعة تشكل بامتياز، معضلة سياسية لكل المصريين؛ لأنها موجودة في الشارع والبرلمان بشكل وحجم يصعب تجاهله، وبذا فمن غير المعقول أن تعطي دولة الأمان والحرية السياسية لجماعة سياسية لا تؤمن بوجودها وشرعية أصلها من الجذور.
وعلى الصعيد التطبيقي يشير إلى أن أزمة غزة في 2008 ـ 2009، كانت فرصة كبيرة للجماعة لكي تعمل كحركة سياسية مشروعة بالمعنى العملي للكلمة، لكن الاعتراض على سياسة الحكومة أمر، وإثارة الرأي العام ودعوته للخروج والتظاهر في لحظة دعت فيها زعامات أجنبية إلى الهدف نفسه، أمر آخر.
وفي مناقشته للتيار الليبرالي، يحاول المؤلف أن يوازن موقفه حتى لا يظن أحداً استهدافه التيار الديني، فيشدد على حقيقة تهرب التيار الليبرالي من مناقشة أسباب فشل الجماعة الليبرالية حين ما تجسدت الفكرة الليبرالية بالفعل في السلطة السياسية، كما حدث في عدد من الدول العربية، معتبرا أن هناك ما يصفه بنقص فاضح في الأدب المصري والعربي الليبرالي، عندما يضع سلة السلطوية كلها في يد السلطويين، معفياً تماماً ما تقوم به الجماعات الدينية المختلفة من المسؤولية.
وهكذا فإن المؤلف يعنى بالإشارة إلى أن ما يسعى إليه الليبرالي المصري حقا، هو التنمية وأن يكون تشغيل عناصر الاقتصاد المصري كاملا، وبكفاءة تجعله أكثر قدرة على المنافسة في السوق المحلية والعالمية أيضا، وهو ما يقودنا إلى حاجة الإصلاح المصري لفلسفة تقوم على إعطاء الاستقلالية عن أجهزة الدولة لعشرات من المجالس العليا وأدوات الرقابة واختبار الجدوى وأدوات القياس والمراجعة. ويخلص الدكتور سعيد إلى أن تحقيق مثل هذا الإصلاح يتطلب إصلاحا اجتماعيا لا يكون دون تحقيق الاستقلال للمجتمع.
الكتاب: إصلاح الساسة
تأليف: د. عبدالمنعم سعيد
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2009
الصفحات: 402 صفحة
القطع : الكبير
مصطفى عبدالرازق
