يعيد كمال عبد اللطيف في كتابه «أسئلة الحداثة في الفكر العربي ، من إدراك الفارق إلى وعي الذات»،الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت 2009، طرح بعض أسئلة الحداثة في الفكر العربي المعاصر، منطلقاً من جملة القضايا التي أثارت وتثير إشكاليات ثقافية وفكرية، مازالت مفتوحة إلى يومنا هذا.
تنوعت موضوعات الكتاب، لتحيط بمجمل تشابكات القضية المطروقة، حيث يسلط الكاتب الضوء على مسائل: العقلانية، الحداثة السياسية، الإصلاح السياسي، الديمقراطية وحقوق الإنسان، الأقليات وقيم المواطنة، التطرف السياسي والديني، بالإضافة إلى قضية المرأة العربية وغياب حقوقها.
قيم الحداثة من حرية وعدالة ومساواة وعقلانية سبيل خروج العرب من مشكلاتهم المعاصرة ومواجهة العولمة وتحقيق النهضة.
ويحتكم منطق المواضيع المتناولة، إلى منهج دقيق، معياره وقاعدته، إيمان المؤلف بقيم الحداثة، من حرية وعدالة ومساواة وعقلانية، وتعويله عليها للخروج من مشكلات العرب المعاصرة، لاسيما الدكتاتوريات والتخلف والتطرف، غاية مواجهة العولمة وتحقيق النهضة والتحديث المنشود.وتتبدى أهم ركيزة في طروحات عبد اللطيف الحداثية، في تحقيق «الإصلاح السياسي»، وهو الإصلاح الذي سعى لتحقيقه مفكرو عصر النهضة.
وفي مقدمتهم الطهطاوي والتونسي، لكن الكاتب يتلمس تراجع وخفوت مشروع الإصلاح السياسي في أيامنا هذه، حيث استفحل خطر التخلي عن مبادئ وقيم التحديث السياسي، بينما رسخ استقواء «النزعات السياسية الكلّيانية»، لينتهي الأمر بهزيمتنا عام 1967، فبعد الهزيمة، بدأ التفكير في «النهضة العربية الثانية ».
والمتمثل في نقد وإعادة تقييم أوضاعنا السياسية والاجتماعية ونظمنا الفكرية، إذ ارتبطت نزعة النقد هذه برفض مفاهيم الثورة، وإعادة النظر في التراث، وإدانة أنظمة الفكر الواحد، وأدت هذه المرحلة إلى طرح مجموعة من القضايا، منها: ضرورة التدرج التاريخي في عمليات التغيير، رفض النزعة التوفيقية السطحية المخاتلة، ضرورة الانفتاح على مرجعيات الحداثة الفلسفية، إدراك مركزية أسئلة الحريات.
يتضح جليا، مع تأكيدات المؤلف وشروحاته، دعوته الملحة لنا كي نعنى بالاهتمام في التأصيل النظري الرامي إلى استيعاب مكاسب الآخر من منظور نقدي، والتمثّل النقدي لتجربة الذات التاريخية، من خلال روح موضوعية تساهم في بناء فكر متجه إلى تجاوز التقابلات الحدّية، ومن ثم صهر المتعدد والمختلف، ضمن جدلية التمثّل والنفي والتجاوز.
الخطاب الداعي إلى نهضة المرأة في عالمنا العربي لم يكن في مستوى الإصلاحات الأخرى بتأثير عوامل التأخر التاريخي الشامل الذي نعانيه
يفرد عبد اللطيف قسماً خاصا في كتابه حول قضية نهوض المرأة في الوطن العربي، يراجع ويحلل أحوالها في صلبه، ليعيد النظر في حقوقها الاجتماعية والسياسية، عبر تدقيق الخطاب السياسي والفقهي والاقتصادي والاجتماعي،الذي يتناول أوضاع المرأة.
ويتبين لنا أن أبرز مسألة واجهها المؤلف في قضية المرأة، تتلخص في ماهية الخطاب الداعي إلى نهضتها، كونه لم يكن في مستوى الإصلاحات الأخرى، وذلك بتأثير عوامل التأخر التاريخي الشامل الذي يعانيه مجتمعنا العربي، ونجد عبد اللطيف، ينبهنا مع واقع هذه الحال، إلى مستوى وحجم الخطورة في هذه الحيثية، ليسجل دعوة صريحة ومباشرة، يشدد فيها على أنها الآلية الأنجع أمامنا لإعادة بناء أسئلة الوضع النسائي العربي من جديد بروح أكثر تاريخية، وأكثر وفاءً لقيم التحرر والاجتهاد والنهضة.
طروحات صدام الحضارات غير صحيحة والمطلوب ترسيخ مشروع التواصل الايجابي والنقدي بين مختلف مكونات العالم.
ويعالج الكاتب في بحث خاص ضمن مؤلفه، مشكلة الحريات والديمقراطية في الوطن العربي، وطبيعة تعاطي المثقفين العرب مع هذه القضية، لنستنتج مع هذه المحطة، أنه يرى كتابات لطفي السيد، في كتابه مشكلة الحريات، وناصيف نصار، في كتابه باب الحرية، أقوم النماذج الصالحة لدراسة واقع الحريات في الثقافة العربية الحديثة المعاصرة من جهة، وأيضا أنها تعكس أميز وأصدق الجهود في هذا الشأن «يمكن العمل على تطويرها»، لتوسيع أبواب الحرية في فكرنا ومجتمعنا، من جهة أخرى.
كما يناقش عبد اللطيف وضع العرب في هذا العالم المتوتر، والمتجه إلى تغليب مبدأ القوة على مبدأي الحق والتوازن،وينتابه القلق من ارتفاع معدلات العنف وتراجع لغة القانون في مجتمعاتنا، ما يدفعه للإصرار على مناشدتنا بلغة خطاب علمي، لنهتم بوعي مفردات وتشابكات وعواقب مصيرنا التاريخي في هذا العالم، لأن هذا الأساس، برأيه، سبيلنا إلى تعزيز قيم الحوار والتفاهم، ونبذ القيم المدمرة والمادية.
لا وجود للتمايز الفكري بين المشرق العربي والمغرب العربي فهذا وهم تدحضه وحدة النظام المعرفي.
ومن هذا المنطلق، لا يغيب عن الكاتب، تناول وبحث أطروحات نهاية التاريخ وصدام الحضارات، فيقلبها وينبش مضمونها بعناية، ليصل إلى اكتشاف وجهها الفعلي، عبر موشور الوعي الموضوعي:
«معيبة نظرياً ومليئة بالمغالطات»، علاوة على عدم تماسكها النظري، يوضح في هذا السياق أن المطلوب اليوم، ترسيخ مشروع التواصل الايجابي والنقدي بين مختلف مكونات العالم، خاصة وأن تقنية المعلومات تسمح بتحقيق الكثير من الترابط وتخفيف درجات التوتر.
ويختم المؤلف كتابه بطرح قضية التمايز الفكري بين المشرق العربي والمغرب العربي، ويرفض في خضم مقارناته ودراسته، وجود أي مستويات لهذا التمايز، معتبراً انه في حقيقة الأمر، نوع من «الوهم»، وهو يتفق صراحة في هذا الخصوص، مع المفكر محمد أركون، في اعتباره أن المغرب والمشرق في فكرنا الوسيط، يخضعان لسقف مرجعي واحد، يحتوي على «وحدة النظام المعرفي»، لذا فإن نظريات التمايز تنقصها الدقة، وتعاني من الانتقائية والتوفيقية.
الكتاب: أسئلة الحداثة في الفكر العربي ؟ من إدراك الفارق إلى وعي الذات
تأليف: كمال عبد اللطيف
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت 2009
الصفحات: 320 صفحة
القطع: الكبير
رشيد الحاج صالح
