يناقش كتاب «الوجودية الجديدة عند كولن ولسون»، لمؤلفه د. سليم عكيش الشمري، طبيعة تأثير الفيلسوف ولسون في مضمون اهتمامات الفلسفة الوجودية وتعاليم فلسفة الحياة، حيث يبين كاتبه الشمري انه جاءت فلسفة ولسون مصطبغة ومميزة بمحورين، وهما:

محمَّلة بنزعات لاعقلانية، ومعارضة للتفسيرات العقلية والعلمية للوجود الإنساني، إلا أنه يشير إلى أن ذلك لا يعني أن هذين المذهبين يمثلان المصدر الأساسي لأفكاره، فالحديث عن مصادر الفكر «الولسوني» لا يعد أمراً هيِّناً-برأيه-، إذ إننا نتحدث ونتعامل هنا مع قارئٍ نهم لتاريخ الفلسفة والآداب والفنون ومجمل الحقول الإبداعية والمعرفية للإنسان، الأمر الذي يعقِّد المسألة أكثر، لاسيما أنه لا يحكي بوضوح عن المفكرين الذين تركوا بصماتهم في فلسفته. ويلفت الشمري إلى أن الباحث في فلسفة ولسون عن كثب، يمكنه من خلال الإطار العام لآرائه، أن يحدد منابع تفكيره، إذ يتبدى له انه تأثَّر بفكرة الإرادة الحية لدى نيتشه، وبفلسفة الحياة لدى برغسون، وبالتطورية لدى برناردشو، وأيضاً بموقف إشبنغلر وتوينبي من أزمة الحضارة الغربية، فضلاً عن النزعة الذاتية لدى المتصوِّفة، من أمثال جورج فوكس وغورداييف وراما كريشنا والشاعر بليك.

وفي هذا الخضم يؤكد الشمري أنه يبقى علم الظواهر الطبيعية عند هوسرل، بمثابة المصدر الأساسي لوجودية ولسون، وتحديدا في تحليله لظاهرة الوعي الإنساني، وفكرة أنواع الإدراك لدى وايتهيد، والتي جعلت ولسون يبحث عن إدراك آخر غير الإدراك العلمي الديكارتي، كما أسعفه في بحثه مدرسة «الغشتالت» في علم النفس الحديث.

وينتقل الباحث الشمري لتناول جانب حيوي اخر في ما يخص فكر وتأثير ولسون، فيوضح أنه يشكل مصطلح «اللامنتمي»، الهوية الثقافية الخاصة به، حيث حقَّق من خلاله نجاحاً باهراً في الأوساط الثقافية العالمية، وحصل معه على شهرة واسعة على الصُعد الأدبية والفلسفية .

وفي هذا السياق، يضرب الشمري أمثلة على شخصيات عانت المشكلة اللاانتمائية عند ولسون كتجربة معاشة إلى النهاية.

مثل لورانس العرب، فان غوغ، فازلاف نجنسكي، حيث ان فلورانس عاش حياة لا انتمائية وحاول إيجاد حل لمشاكله من خلال التفكير، أي أنه اعتمد على العقل في محاولة الإدراك النفسي، فكانت المحاولة فاشلة، لأنه بقي سجين العقل والفكر الذي لا يمكنه تحقيق الحرية بمفرده، أما الرسام فان غوغ فقد استبدل العواطف والمشاعر في محاولته فهم ذاته، لكنه فشل لاعتماده على العواطف وحدها، لذا حاول الانتحار، إلا أن نهايته كانت أشد من الانتحار، وهي الجنون.

بينما كان فازلاف، راقص الباليه الروسي الشهير، معتاداً على التراجع إلى أعماق نفسه من خلال جسده، فالرقص طريقة للتعبير الذاتي، وهو إذا لم يرقص، فإنه يجابه جميع مشاكل اللامنتمي، وهذا ما قاده إلى الفشل، ومن ثم الإصابة بالجنون، لأنه لم يحتمل قيوده الروحية المرعبة.

ويطلعنا الشمري في محطة بحث موسع في كتابه، على حقيقة أن ولسون ينتقد الفكر الغربي الحديث الذي يُخضع الإرادة للوجود المحدَّد، ويتفحَّص الحياة من دون الركون إلى دور الإنسان في اختفاء المعنى والغاية.

ويخلص المؤلف الشمري في كتابه إلى أنَّ ولسون وجودي ملحد، وتبدو نزعته الإلحادية في اهتمامه بالإنسان بوصفه إله نفسه، ووجوديته تعتبر تفاؤلية إلى حد كبير، وتفاؤليتها غير مستمدة من المسيحية، بل من الإيمان الكبير بقدرات الوعي الإنساني التي لم تر النور بعد، وهي إذا ما اكتشفت، سيبدو الوجود على نحو مختلف، وأكثر جمالاً ومتعة، فهي تفاؤلية تطورية مزجت باتزان بين البعد الروحي القيمي، والجانب القيمي المحدد، فأكدت أنها دين جديد، يعني الإيمان فيه الاعتقاد بقدراتٍ إنسانية، ما يزال الظلام يكتنفها.

الكتاب: الوجودية الجديدة عند كولن ولسون دراسة

تأليف: د. سليم عكيش الشمري

الناشر: شبكة المعارف بيروت 2010

الصفحات: 271 صفحة

القطع: الكبير

أنور محمد