يناقش كتاب «النص السردي الأندلسي.. مداخل لقراءة جديدة»، لمؤلفه إبراهيم الحجري، والصادر عن المجلة العربية-الرياض - المملكة العربية السعودية 2010، موضوع مضمون ثلاثة كتب تنتمي إلى زمان موحد (العصر الوسيط)، وإلى مكان مشترك (الأندلس)، وهي:

حي بن يقظان (ابن طفيل)، طوق الحمامة (ابن حزم الأندلسي)، ودون كيخوته (ميجل دي سيرفانتيس).ويبين الحجري أن هذه الكتب الثلاثة، يجمع بينها عنصر السرد، علاوة على كونها مجتمعة، مثلت تمهيدا لظهور جنس أدبي جديد، وهو الرواية، وذلك مع اختلاف الدرجة والمسافة الزمنية.ويرى المؤلف أن كثيرا من الكتب التراثية الوسيطة، تحتفظ بقيمة مميزة من الراهنية، حيث تحتوي على قيم جمالية ومضمونية، غير متوافرة في كثير من الكتب المعاصرة، لتفرض وتملي بهذه الخصوصية، إمكانية وأهمية العودة إليها، في كل مرة، وفق منهج جديد، وهذا دون أن تستنفد كامل معينها.يبدأ الحجري تطرقه إلى هذه المؤلفات، بدراسة كتاب «دون كيخوته»، إذ يسعى الكاتب للإحاطة بمتن هذه التحفة الخالدة، المتمسكة براهنيتها لا زمنيتها أو مكانيتها وبهائها، متخطية بذلك مختلف الفواصل، ومحتفظة بسخاء رحمها الذي تتناسل منه آلاف الأسئلة المشرعة على الحاضر والماضي والآتي، ويدلل الكاتب على أنها تألقت وأنارت دروبا كثيرة، لان زمنها دائري دائم ومكانها أو فضاءها هو العالم بمجمله،.

فهي حلبة يتفوق فيها الجنون على المنطق، والشجاعة على الجبن، وتسقط فيها إغراءات العالم المادي، صريعة قيمة الأدب والخلق، ويتابع الحجري بحثه وتفكيكه في صلب وجوهر هذه الرواية، موضحا أنها عمل إبداعي خالد، على غرار الأوديسة أو الكوميديا الإلهية أو هاملت، تلك الأعمال التي تغني حياة البشر.

وتثبت لنا أن المبدع الحق يستطيع بلغة ومنطق الفن والأدب، أن يكسر حدود ظروفه ويفتح آفاقا مشرعة على فضاءات لا محدودة أو نهائية، ويستعرض الكاتب في هذا الصدد، شخصيات الرواية، ومنها لا مانشا، مبديا حقيقة ولادة النص مستقلا، بعد مخاض عسير، وقد انتظم في طقوس متنوعة عبر مراحل معقدة، انطلاقا من تناحرات الوعي واللاوعي داخل الذات الكاتبة، وانتهاء بعالم النص نفسه، مرورا براهنية اللحظة وأسئلة المحيط المتشابكة، إذ لا يمكن أن يأتي نص من فراغ.

ومن ثم يتحدث الكاتب عن المؤلف (سيرفانتيس) وحياته وبيئته وتعليمه وتقديمه لمؤلفه، إضافة إلى الحوافز التي دفعته للتأليف ومنحى المحتوى العام ل«دون كيخوته»، مستنتجا في هذا الشأن أنها رائعة غنية، تحتمل قراءات متعددة لسبر أغوارها العميقة، إذ تعجز قراءة واحدة عن الإحاطة بأعماقها الممتدة، فسيرفانتيس ـ من وجهة نظر الحجري ـ يدعونا إلى اكتشاف العالم عبر امتطاء صهوة الجنون ومواجهة طواحين الهواء المتصارعة في وجه الكون.

ويعتني الحجري فيعرض لمحتوى كتاب «حي بن يقظان»، في التركيز على تبيين شعرية الفضاء، لافتا إلى أن هذا النص يشكل نقطة تقاطع خطابات متعددة، وهي الخطاب الديني والخطاب السلفي والخطاب العلمي والخطاب الشعري والخطاب السردي، فهو من النصوص المركبة المتعددة الدلالات، يجد فيه كل من الأديب والفيلسوف وعالم الدين، بل والعالم الطبيعي أيضا، ما يشغله ويشد اهتمامه.

مبينا في هذا الإطار أن الأميز والأقوى فيه، يتجسد في الفضاء السردي المكاني (التابوت، الأجمة، المراعي الخصبة، صدر الظبية، المسكن الحي)، ليغدو فعليا، مفتوحا على الأجناس وعلى العوالم والآفاق التي تنطلق من الواقع القريب فتعرج على المطلق واللانهائي، الأمر الذي جعله تحفة تتعالى على الزمن وتتجدد بتجدده وتحين أسئلتها بنفسها، وهذا رغم مرور قرون عديدة على تأليفه، وبذا فإنه، ومع هذه الميزة، يعد من الأعمال الإنسانية الخالدة العصية على التصنيف، وغير المعترفة بسلطة الزمن عليها.

ويشير الكاتب في مناقشته ل«طوق الحمامة»، إلى حيوية واختمار مظاهر التشكل النصي فيه، خاصة وأن هذا الكتاب جاء بناء على طلب أحد الوجهاء وذوي الشأن، لأبي محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم، يبتغي تأليف مصنف في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه، وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة، لا متزيدا ولا مفتنا، ويظهر الكاتب أن هذا الكتاب البديع، مفعم بسيكولوجية الحب، ويشرح مفهوم الوسواس القهري.

ويخلص الحجري في خاتمة كتابه إلى أن هذه الدراسة المتعددة، تفضي إلى وجوب إعادة النظر في مجموعة من المسبقات النظرية، مثل نظرية الأجناس الأدبية وغيرها، كون هذه النصوص لا يمكن تصنيفها في مجال معين، مثل ما فعلت الدراسات التقليدية، إذ ان هذه الكتب نصوص مفتوحة غير قابلة للتجنيس الصرف.

الكتاب: النص السردي الأندلسي مداخل لقراءة جديدة

تأليف: إبراهيم الحجري

الناشر: المجلة العربية الرياض 2010

الصفحات: 139 صفحة

القطع: الكبير

محمد سيد بركة