يتتبع ويناقش كتاب «كشف أحوال الكتاب»، لمؤلفه الناقد والمترجم أحمد الصادق، والصادر عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي ـ 2010، ما يُنتج في المشهد الثقافي الغربي، خصوصاً في الملاحق الثقافية بالصحف «الخرطومية»، فيقاطع تلك التركة وينفتح في معظمه على أسماء إبداعية ونقدية غربية، وهو يضم مجموعة من المقالات كان الكاتب الصادق، نشر أغلبها في صحف ومجلات محلية وعربية.
وقد جاءت في الكتاب موزعة تحت ثلاثة أقسام، وهي «كتابات»، «سرديات»، «ترجمات»، وتنوّعت، تبعاً لهذه العناوين، في موضوعاتها، لكنها تشابهت في أسلوبيتها، بما يدل على أن مواقيت نشرها متقاربة، كما أنها تعتمد لغة بسيطة وسهلة، وفي معظمها قصيرة، بخاصة تلك التي في القسم الأول المعنون بـ «كتابات» .والذي يحوي ما يشبه المراثي في أثر أسماء ثقافية ونقدية من السودان والعالمين العربي والغربي، مثل سامي سالم وعلي المك ولوس اقري وباولو فريري وامبرتو اكو ودريدا والمسعودي، وسواهم من الذين أثروا الساحة الثقافية العربية والعالمية بنتاجاتهم الفذة.
ويقدّم الصادق في كتابه جوانب مختلفة من السير الذاتية لهؤلاء الكتاب والمفكرين، ويقرأ نتاجاتهم رابطاً إياها بظروفهم الاجتماعية، وكاشفاً عن علاقات من نوع ما بين الأمرين، وفي حديثه عن نقاد مبرزين، مثل ادوارد سعيد وريكور وإكو، يتوّسع الكاتب في عرض مناهجهم وطرائق اشتغالهم في قضايا السرد والألسنية والثقافة، ويبدو هنا، ومع هذا النهج، وكأنه يتوجه إلى قارئ عادي، بتعبير فرجينيا وولف، إذ يعتمد لغة تشبه لغة الصحافة في تقريريتها، إلا أنها مفعمة بحس حكائي ملفت.
وهي في الوقت نفسه احتفائية غالباً، أكثر من كونها استقصائية أو بحثية، ويتضح أن لهذه النغمة العرفانية الغالبة في كتابة الصادق بهذا القسم، صلتها بحقيقة أن الأسماء التي يحاور تجاربها هنا، هي في معظمها لراحلين فقدتهم الساحة الثقافية بعد أن أفنوا أعمارهم في إعمارها بالأسئلة والكشوفات النقدية والثقافية.
ونتلمس في هذه المحطة من الكتاب وما يعقبها، أن الصادق يكتب هنا ما يشبه «رد التحية» لمساهماتهم تلك، خصوصاً في مقالاته: «علي المك: وردة المعيش أو الاقتصاد السياسي للأدب»، «بورديو:
آخر سادة النضال السيوسيولوجي»، «وداعاً مسيو دريدا». ولئن جاء هذا القسم من الكتاب مفتوحاً ومعبراً عن الطيف الدلالي الواسع لعنوانه: كتابات، فإن القسم التالي والموسوم بـ «سرديات»، ينغلق على معناه المخصوص بفن الرواية فيقرأ هنا، وبمداخل اجتماعية وتاريخية، تجربة الطيب صالح في مجملها، وتحت عنوان:
سرديات الثقافة العالم»، يتوقف عند رواية جوليا كرستيفا «جريمة في بيزنطة» ويذخرها بقراءة لتجربة الروائي الكوبي بيدرو خوان قوتيريز، ثم رواية «باودولينو» لامبرتكو إكو، ويخصص جزءاً كبيراً في هذا القسم لقراءة تجارب «جمال محجوب، ليلي أبو العلاء، ومكي محمد علي»، وأيضاً هناك ثمة دراسة حول رواية الكاتبة المصرية سلوى بكر «كوكو سودان كباشي» وسواهم، كما تحضر جوليا كرستيفا في القسم الأخير من الكتاب.
وعنوانه «ترجمات»، حيث يطلعنا الصادق على ترجمة لمقالتها «في أن نكون غرباء بالنسبة لأنفسنا»، وكذلك يحضر الطيب صالح في مقدمته التي كتبها لروايته «موسم الهجرة إلى الشمال» في نسختها الصادرة عن دار بنجوين 2005، حيث يكشف خلالها صالح، عن انه لم يتسلم فلساً واحداً عن جميع طبعات وترجمات كتبه في جميع اللغات، إلا من دار «بنجوين»، وكذا يتحدث عن الظروف السياسية والاجتماعية التي نُشرت فيها روايته ذائعة الصيت، وكيف أنها مُنعت في بلدان عربية عدة، بينما أنجزت حولها العديد من الرسائل العلمية في جامعات مهمة، غرباً وشرقاً.
ومن الذي يحويه قسم الترجمات أيضاً، في الفصل الأول من كتاب «مختارات: جماعة تل كل»، الصادر في عام 1998، وهي مادة تعريفية حول هذه الجماعة النقدية، ويعقبها الصادق بترجمات أخرى عديدة، ومنها مقالة مطولة حول مذكرات الكاتب النيجيري وول سونيكا، نُشرت في ملحق صحيفة التايمز الأدبي، في 29 أغسطس 2007.
الكتاب: كشف أحوال الكتابة
تأليف: أحمد الصادق
الناشر: مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي 2010
القطع: الكبير
عصام أبو القاسم

