غور فيدال (1925) هو حفيد السيناتور الأسطوري توماس غور، ومن أبناء عمومته آل غور نائب الرئيس الأميركي الأسبق، إضافةً إلى قرابته من جيمي كارتر الرئيس الأسبق، وجاكلين كينيدي زوجة الرئيس الأسبق.
فهو روائي وكاتب مسرحي، وكاتب سيناريو وقصص قصيرة ومئات المقالات. وفي الحادية والعشرين من عمره، أصدر روايته الأولى «عاصفة»، وأتبعها بعد سنة برواية «الغابة الصفراء»، وبعدها بسنة أيضاً رواية (المدينة والعامود) والتي كانت أول رواية أميركية عن الشذوذ. مع رواية (جوليان) 1960، وهو كتاب روائي تاريخي، ووصولاً إلى (العصر الذهبي)، بدأ غور فيدال ما أسماه الرواية المبتكرة أو ما بعد الرواية، كما يسميها الآخرون. وكتب عن نشوء أميركا وإمبراطوريتها، من خلال روايات مثل: (لينكولن)، (الإمبراطور)، (1876).. مازجاً بين الرواية والتاريخ.
كتب فيدال روايته «المدينة والعمود»، عام 1948، عندما كان مساعداً أول في الجيش، وفي العشرين من عمره. وعندما أعطى مخطوط الرواية إلى ناشره في نيويورك، كرهها، قائلاً له:
(لن تجد من يسامحك على هذا الكتاب). وفي العاشر من كانون الثاني 1948 م، كان من دواعي حزن جد غور فيدال، أن روايته هذه قد نشرت، وكانت الصدمة، كما يقول فيدال، خاصة ما أثارته من جدل ونقاش ساخنين في الصحافة.
كيف تجرأ هذا الكاتب الشاب أن يخوض غمار هذا الموضوع الساخن؟ كان الآخرون يتساءلون حول هذا. وفي غضون أسبوع أو اثنين أصبح الكتاب على قائمة أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة، وقد علق عليها الناشر الإنجليزي جون ليمان بقوله: (هناك فقرات في (المدينة والعمود ) تكاد تكون مأساوية، وإنجازاً رائعاً في مجال صعب بالنسبة إلى شاب صغير غض، بدت للباعة الجوالين وللطابعين متمادية في الصراحة).
وفي شهر ابريل من عام 1993، وفي جامعة نيويورك في أولباني، قرأ عدد من الأكاديميين حفنة من الأطروحات حول «المدينة والعمود». والكتاب يطبع منذ نحو نصف قرن، وهو أمر لم يكن الكاتب يعتقده في العام 1948، حين رفضت صحيفة (نيويورك تايمز) أن تستعرضه أو تستعرض أي كتاب للمؤلف على مدى سنوات طويلة.
وظل طيلة عامين، لم يتمكن أي ناشر من نشره. فالكاتب كتبها في عام 1946، ونشرها في عام 1948. ولعل نشر هذه الرواية الفضائحية جعلت دور النشر تضع اسمه في قائمة الكتاب الممنوعين حتى إنه بدأ يكتب بأسماء مستعارة، لأنه قارب موضوع الشذوذ في تلك الفترة، ومنهم من اعتبر الرواية تعبيراً عن السيرة الذاتية، ومنهم من اعتبرها غير ذلك.
وتتركز فكرة الرواية حول شاب وسيم من ولاية فيرجينيا في أواخر الثلاثينات، يدعى جيم ويلارد، يحب لعبة التنس، ويقوم مع صديقه بوب فورد، وهو يكبره بعام واحد، وقبل أن يكملا المدرسة العليا، برحلة إلى الغابات، ويعنيان بالبحث عن علاقات نسائية، ويحدث أن يعاني جيم من عدم ملاطفة النساء له، هذا بينما صديقه بوب يريد الالتحاق بالبحرية الأميركية، فالسنوات السبع المقبلة من حياة جيم تتحول إلى نوع من الأوديسا.
ويقرر جيم الذهاب إلى البحر ويتحول إلى خادم في طاقم البحرية المتوجهة إلى نيويورك، من أجل البحث عن العمل، وهنا يشعر جيم بأن جسده مختلف عن الآخرين، وأنه يتمتع بجسد أنثوي، ما سبب له بعقدة نفسية أثرت في سلوكه. وعلى الباخرة يلتقي بشخص يدعى كولنز، فيترك وظيفته ويصبح مرشد لعبة التنس في فندق في لوس أنجلوس، وهناك يلاقي أشخاصاً يقدمونه إلى حلقة في منتصف الثلاثينات إلى الممثل الهوليودي رونالد شو، الذي يبدي اهتماماً بجيم، فيعقد صداقة معه على الرغم من التناقضات الموجودة بينهما.
وتتغير مواقف جيم عندما يلتقي بالكاتب بول سوليفان، ويذهب جيم معه إلى نيو أورلينس، وكان بول يجد في هذه الصداقة إيحاء لخياله الفني، فيقدمه صديقه جيم إلى ماريا فيرلين. ويصبح الثلاثة أصدقاء: جيم وبول وماريا.
يشعر جيم بأنه منجذب إلى ماريا ولكنه لا يستطيع أن يتواصل معها، وفي هذه الأثناء تنشب الحرب العالمية الثانية في أوروبا، ويقرر بول وجيم أن يرحلا إلى نيويورك للانخراط في الجيش، وهنا يفترق الصديقان لأن جيم يلتحق بالقوة الجوية، ونتيجة لجو كوليرادو القارص البرد، فيعود جيم إلى نيويورك حيث يقابل بول وماريا ثانية، فيرى أن بول تزوج بماريا، على الرغم من أنها لا تحب الرجل.
وعندما يذهب جيم إلى بيته للاحتفال بعيد الميلاد، يفاجأ بخبر موت والده، وهنا تزداد مشاكل جيم، لأنه فقد صديقه بول الذي تزوج بماريا، ولم يعد يهتم به. ويؤدي لقاؤهما إلى التشاجر وسوء الفهم.
يطرح غور فيدال أفكاراً مهمة حول العلاقات الإنسانية وتعقيداتها، ويطرح مفهوم الرجل الرياضي الذي لا يكون رجولياً بالضرورة، وهي فكرة كانت جديدة وصادمة في المجتمع الأميركي المحافظ آنذاك، ويمزج الكاتب بين الوثيقة والخيال من أجل أن يعبّر عن حقيقة ما بعد تدهور العلاقات الإنسانية، متلمساً روحية فترة الحرب العالمية الثانية التي انتشرت فيها الظواهر الغريبة.
الكتاب: المدينة والعمود
الكاتب: غور فيدال
الناشر: فانتيج 2003
الصفحات: 240 صفحة
gore vidal
the city and the pillar
vintage 2003
شاكر نوري

