أجرت صحيفة «غارديان» اللندنية هذه المقابلة مع الكاتب والروائي البريطاني من أصل باكستاني طارق علي، حيث ألقى الضوء بصفة خاصة على عالمه الروائي، وقال إن المصادفة هي وحدها التي قادته إلى تأليف «خماسية الإسلام» التي صدر الجزء الأخير منها، أخيراً، تحت عنوان «ليلة الفراشة الذهبية»، وشدد على أن المنفى هو الموضوع الرئيسي الذي يتخلل جميع أعماله الروائية، وقال إن التعامل مع واقع الهزيمة هو المشكلة التي ينبغي أن يواجهها الناس في كل زمان ومكان.
يبادر الكاتب والروائي طارق علي، في مستهل اللقاء معه، إلى تأكيد أنه لم يتخل عن معارضته للسياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، أو الرأسمالية اختصاراً، ولكنه سلم بالحقيقة القائلة إن تحلل النظام الذي جرى التنبؤ به لم يحدث. ويقول في هذا الصدد: «إنها مشكلة اضطر الناس إلى التعامل معها في أوقات مختلفة من التاريخ، ويمكن اختزالها في هذا السؤال:
ماذا تفعل في زمن الهزيمة؟». وفي هذه الحالة اتخذ هذا التعامل شكلاً غير متوقع، حيث تحول طارق علي إلى كتابة الرواية، وهو الفصل الثاني من مسيرة الدراما الذي استهل بعد انهيار سور برلين في 1989.
وهو يقول في هذا الصدد: «كنت قد بدأت بالفعل في تغيير أولوياتي، التي كانت حتى أوائل الثمانينات سياسية تماماً، وذلك بتأسيس شركة باندونج للأفلام، حيث طلب مني جيرمي إيزاكس، الذي كان في ذلك الوقت رئيس القناة الرابعة انتاج بعض البرامج، وهكذا جاء أوان الابتعاد عن الشوارع والانتقال إلى الجانب الآخر، من حيث النظر إلى الناس، بدلاً من أن أكون واحداً منهم».
ولكن كتابة الروايات، التي تتضمن شهوراً من الجهد المنفرد، كانت نوعاً جديداً من الالتزام. وكانت روايته الأولى «الخلاص» تدور حول التروتسكيين المتصارعين في لندن، وقد صدرت عام 1990.
وفي العالم التالي عكف على تأليف رواية مختلفة تماماً بعنوان «ظلال شجرة الرمان» التي ولجت عالماً خيالياً ليس أقل أهمية بالنسبة له، هو العالم التاريخي للإسلام، فهي تصور الصراع بين المسلمين والمسيحيين في نهاية القرن الخامس عشر خلال اكتساح الاسبان لأمراء الطوائف في الأندلس، وقدر لها أن تكون الرواية الأولى في «خماسية الإسلام»، التي توجت بإصدار الجزء الخامس، أخيراً، تحت عنوان «ليلة الفراشة الذهبية».
ويقول طارق علي في هذا الصدد: «لقد كانت شيئاً بدأناه بمحض الصدفة»، وضمير الجماعة في هذه العبارة يشير إلى دار فيرسو، وهي دار نشر مستقلة يعمل طارق علي مديراً للتحرير فيها، والتي واصلت إصدار أجزاء الخماسية. ويتابع: «لقد قمت بتأليف (ظلال شجرة الرمان) ووزعت بشكل جيد تماماً، وعندئذ قال لي إدوارد سعيد: (يتعين عليك أن تروي القصة كاملة، وألا تقف في منتصف الطريق)».
وروايات الخماسية لا تنطلق بصورة تتابعية ولا وفقاً للترتيب الزمني، حيث يعود الجزء الثاني من الخماسية والذي يحمل عنوان «كتاب صلاح الدين» إلى الوراء ثلاثة قرون، ويمضي من الناحية الجغرافية إلى الشرق الأوسط.
أما الجزء الثالث، الذي يحمل عنوان «المرأة الحجرية»، فيعود إلى اسطنبول في القرن التاسع عشر.
وفي الجزء الرابع، وهو بعنوان «سلطان في باليرمو» فإننا نجد أنفسنا في صقلية في القرن الثاني عشر. وليست هناك خطوط علاقات ممتدة عبر الأجيال أو عبر خطوط دماء تاريخية. والقاسم المشترك هو الصدام المتكرر بين الشرق والغرب والصدمات المخيفة التي تعقبه.
وتقع أحداث المجلد الخامس، الذي يحمل عنوان «ليلة الفراشة الذهبية» في الوقت الراهن مع انطلاق الشخصيات مسرعة من لندن إلى باريس، ومن ألمانيا إلى الصين.
وفي قلب الرواية نجد الرسام الباكستاني أفلاطون، كأنما طارق علي من خلال اطلاق اسم المفكر اليوناني القديم الشهير علي بطله يؤكد اعتقاده أن الجانبين لابد لهما من أن يلتقيا. وفي نهاية الرواية تتجمع الشخصيات في لاهور لمشاهدة لوحة أفلاطون الأخيرة العظيمة.
وتشكل رواية «ليلة الفراشة الذهبية» أيضاً عودة إلى ميدان طفولة طارق علي وشبابه ومفهوم «أرض الآباء» .
حيث ان باكستان لم تنل استقلالها إلا بعد ذلك بأربعة أعوام، وكان أبواه شيوعيين ملتزمين، ولكنهما يتم وصفهما على لسان ابنهما باعتبارهما «ينتميان إلى عائلة رجعية بصورة عميقة ومنغمسة إلى حد بعيد في إدارة الدولة على مستويات مختلفة».
وكان جده لأمه رئيساً لوزراء البنجاب، ويقول طارق علي: «التحق أبواي بالحزب الشيوعي في السنوات الأخيرة من عمر الوجود البريطاني، وناضلا ضده».
وكان هو وأخته يتحدثان اللغة البنجابية إلى أن بلغا السابعة أو الثامنة من عمريهما. وهو يقول: «على امتداد وقت طويل كانت هناك مشكلات، حيث كان من الممكن الحديث بها، ولكن تعين إبقاؤها على مبعدة». وكانت الانجليزية هي لغة التعليم والترقي، وقد عمد إلى التهام الأعمال الكلاسيكية الانجليزية التهاماً، وانطبق ذلك عليها كلها، وربما في سن مبكرة للغاية، ثم جاءت الكلاسيكيات الروسية، التي يقول عنها: «كانت كل أعمال الكتاب الواقعيين الاشتراكيين المنتمين للاتحاد السوفييتي موجودة في دارنا، ومنها (الدون الهادئ) وما إليها. ولكنني كرهت ذلك كله، وغضب أبي مني، لأنه كان شيوعياً ملتزماً في العديد من الجوانب، لكنني وجدت هذه الأعمال شكلانية للغاية». وشمل أبطاله في عالم الأدب هاردي وبلزاك وستاندال.
وفي سنوات مراهقته انغمس طارق علي في العمل السياسي من موقع المعارضة لأول دكتاتورية عسكرية باكستانية تشكلت في عام 1958، وحذر عم له يعمل في المخابرات العسكرية أبويه مشدداً على أنه لم يعد هناك مجال لحمايته، ولابد من إبعاده، وكان الأبعاد في هذه الحالة هو التحاقه بإكستر كوليج في جامعة أكسفورد، حيث درس الحقوق فيما بين عامي 1963 و1966.
ويقول عن هذه المرحلة: «لقد كنت سعيداً للغاية، وارتبطت سريعاً بالعديد من الصداقات، وانغمست في نشاط النادي التابع لحزب العمال ونشاط ذوي النزعة الإنسانية».
وارتبط نشاط طارق علي بالعمل في الشوارع من خلال النشاط السياسي اليساري.
ويقول: «أحسب أنني أجد الرواية البريطانية محلية، وأنا أفضل الرواية الأميركية، وقد فضلتها على الدوام». ويضيف أنه سعيد لأنه لا يعتبر جزءاً من المشهد الروائي البريطاني.
والموضوع السائد في أعمال طارق علي هو المنفى، حيث يتم إبعاد الناس في منعطفات مختلفة عما هو أكثر أهمية بالنسبة لهم من أي شيء آخر، عن دينهم، أحبائهم، كتبهم، أرض آبائهم».
وهو يقر بأنه أمضى السنوات العشرين الأخيرة عاكفاً على الكتابة عن الانقطاع: «صحيح، لقد تعرض المرء للانقطاع على مستويات مختلفة. على مستوى الصداقة، على سبيل المثال، لأن كل أصدقائك تركوا وراءك. وروايتي الجديدة تتحدث عن ذلك. الانقطاع عن الأحباء، عن الحياة السياسية والطعام، فعندما جئت إلى أكسفورد لم أستطع تصديق مدى رداءة الطعام، وهذا أمر لم يكن مألوفاً، ففي الجزء الذي ننتمي إليه من العالم كانت أفقر العائلات تأكل شيئاً طيباً».
ومن الجوانب المؤثرة في «خماسية الإسلام» الاهتمام الكبير بالتفاصيل، الروائح، العادات، الملابس، القانون، أسماء الأماكن العتيقة، بالإضافة إلى تملك ناصية الأحداث التاريخية التي تبنى حولها الروايات. ويقول طارق علي: «على امتداد العام الأول أو نحو ذلك قرأت كل شيء يمكنني أن أضع يدي عليه، ومضيت لزيارة هذه الأماكن التي أكتب عنها، صقلية، غرناطة، اسطنبول، لمجرد أن أشتم رائحتها».
غير أنه بمجرد انطلاقه مضى في مسيرته مسرعاً، من دون تنقيح لما يكتبه، بل ومن دون قراءة ثانية لما كتبه.
ويقول: «إنني شخص سيئ على هذا النحو، فأنا أكتب في دفق واحد هائل، وليس بمقدوري إعادة قراءة ما كتبته الا بعد مرور بعض الوقت، وأنا ممن يؤمنون بأهمية دور المحررين، فهم يعيدون إلي عشر صفحات مع ملاحظاتهم، وعندئذ أقرأها وأقوم بما يطلبونه».
منى مدكور
