دائما ما تخطف المدن الساحلية الأضواء وتجذب انتباه التاريخ، فيما تبقى المدن والقرى والواحات التي تبتعد عن الساحل على هامش الضوء، إلا في حالات نادرة وقليلة تتغلب فيه بعضها وتجذب التاريخيين إليها.

قد لا تتفق هذه العبارة كثيرا مع المحصلات المجتمعية لحياة المدن، لكن اغلب المدن الساحلية هي موانئ المسافرين عبر البحر والمحيطات، وهي الاستراحات، وهي المأوى القهري حينما تلفظ قوة الطبيعة ما يطفو فوق سطح الماء،يلجأ المسافرون والعابرون إلى المدن الساحلية، فترتبط بتاريخهم، وسلوكهم، يتأثرون بها وتتأثر بهم، لهذا ثقافة أهل المدن الساحلية، ثقافة فيها الكثير من الخليط العابر من وراء البحار..أهل المدن الساحلية أيضا أكثر انفتاحا، بحكم عادة المدينة التي تستقبل الآخرين دوما، وأهل المدن الساحلية محظوظون لأن اتصالهم بالضفاف المقابلة والأخرى سهل وأيسر.

المدن الداخلية، والنائية والمختبئة في العمق تبدو أكثر انغلاقا، وأهلها صارمون عند كشف خصوصياتهم، لهذا تبقى ثقافتهم تحمل أصالة مكانها وبيئتها لسنوات طويلة، لا يخترقها الاختلاف، إلا فيما ندر. وهم، أي أهلها، ينغلقون على كنوز من تلك الخصوصية الثقافية. وهذه الكنوز هي المادة الخام التي يبحث عنها البحاث، بمن فيهم المبدعون الأدباء والفنانون...

ثراء الريف والجبل

في الدراما العربية، عبر السينما والتلفزيون والمسرح ومنذ سنوات طويلة، غاصت أقدام عدد من المبدعين في تلك البقع النائية والبعيدة عن حياة المراكز، ووجد هؤلاء مادة غنية وثرية بالمغريات الدرامية، فتم توصيفها في أفلام سينمائية ومسلسلات درامية...

ففي مصر نقلت السينما قصصا من حياة المجتمعات الزراعية في الجنوب المصري، مثلما تغلغلت في حياة الواحات، شرقت وغربت عبر حكايات تلك المجتمعات المنغلقة، لهذا يبدو أي مسلسل عن حياة الصعيد، هو مسلسل مختلف تماما عن حياة القاهريين.

وكذا ذهبت الدراما في سوريا عبر تاريخها وفعلت مثيلاتها في بقاع أخرى من الوطن العربي، فانكشفت أمام المشاهد جغرافيات اجتماعية مختلفة، وقيم ومثاليات وعلائق متنوعة بين الخير والشر، فيها جانب كبير من الثراء الأدبي والفكري...، لهذا فان تطور الدراما العربية منذ نشأتها انبنى في جانب من جوانبه على تلك الخروقات لخصوصيات بيئات منعزلة ومنغلقة بحثا عن شخصيات وأنماط وسلوكيات.

استطاعت أن تخدم المعرفة عند قطاعات كبيرة من الجمهور، فيما نحن أهل الخليج، أهل البحر والصحراء، الذين بقينا لسنوات طويلة معزولين عن تلك المعرفة، إلى أن جاءت الدراما لتنقل لنا واقع الحياة في أماكن فريدة وبيئات مختلفة اختلافا كليا عن بيئاتنا...، تماما مثلما فعلت دراما هوليوود حينما صدرت لنا قيم ومبادئ وأخلاقيات رجل «الكاوي بوي» على حصانة السريع ومسدسه الأسرع من رمشة عين!

الغياب في الدراما المحلية

عندنا هنا في الإمارات يبرز سؤال كبير حول البيئات التي عملت فيها مباضع الدراما، تلفزيون ومسرح وقليل من السينما، باعتباره فنا بدأ متأخرا جدا عن ركب الآخرين. فحينما بدأت بوادر الدراما وهي تختلف في ميلادها بين التلفزيون والمسرح والسينما، تغافلت بشكل كبير ثلاث بيئات رئيسية، للأسف، هذا التغافل ما زال قائما إلى اليوم: بيئة المجتمع الزراعي وبيئة المجتمع الجبلي وبيئة المجتمع البدوي.

فهي تغيب هذه البيئات الثلاث، ولا تبدو الأسباب وقعت بفعل قصدي، لكنها وقعت مخلفة ظلما كبيرا عليها، ودافعة الدراما المحلية إلى فقر التنوع وضعف المحتوى ونقص في نقل صورة الواقع الإماراتي بتعدد واختلاف وجوهه.

فالكتاب الذين جاءوا إلى الدراما بدؤوا من بيئة البحر، من مجتمع المدن الساحلية، باعتبار أنها الأقرب إليهم، لأنها مدنهم، وبقي هؤلاء منحازين للواقع الذي يدركون تفاصيله، في الوقت نفسه، لم يكلفوا أنفسهم السفر عدد من الكيلومترات بعيدا عن الساحل لتنكشف أمامهم حياة مختلفة ومغايرة وفيها وجوه متعددة للوجود الإنساني في هذا المكان من الكون.

يبدو الأمر قاسيا عند التفكير في قدرة الفنون الدرامية على التسجيل والتأريخ وإبراز الهوية. ولهذا فان غياب الجبلي، والبدوي والمزارع يبدو غيابا مجحفا لشخصيات راسخة في المكان، ويؤثر غيابها في نقل صورة المجتمع الإماراتي وثقافته المتعددة، فالبدوي يكتنز ثقافة الصحراء في صدره والمزارع تغيب أغانيه وعلاقته المصيرية بالأرض، وأغانيه عند الحرث والحصاد.

والجبلي في ثقافته الحياتية الصلبة، القاصية، سلوكياته ومنطق تعامله مع الحياة، فلكلوره وأفكاره ورؤاه في الطبيعة والكون والإنسان، في علاقته بالتحضر والتمدن، في علاقته بالجذور، شخصيات تغيب عن الدراما وغيابها يسلب الصورة الحقيقة بقية ملامحها التي يجب أن تظهر عليها.

اضعف اللقطات في الدراما المحلية اليوم، هي تلك التي تؤخذ لحياة البدوي أو حياة الجبلي أو حياة المزارع، والسبب أن المشتغلين على الدراما فقراء في علاقتهم بأدق تفاصيلها، في الوقت نفسه لم يؤرخ الأدب المحلي أيضا لتلك الشخصيات تأريخا دقيقا، ولم تتداخل حياتها في حياة الثقافة العامة، بقيت بعيدة، منعزلة، فلا نعرف عن البدوي سوى جمله وقصائده النبطية، ولا نعرف عن المزارع سوى انه ماهر في «سف خوص النخيل»، تحويل الخوص إلى حصيرة، ولا نعرف عن الجبلي سوى انه جالب للعسل من المرتفعات العالية!!

أصالة وفروسية

الدراما الأردنية نجحت في الوطن العربي من خلال أعمالها الدرامية البدوية، «رأس غليس»، و«وضحا وبن عجلان»، وقبلهما وبعدهما عشرات المسلسلات التي دارت أحداثها في خيام الشعر وعلى ظهور الخيل، وأمام مواقد الجمر التي تصنع عليها القهوة العربية. كانت تلك المسلسلات مغرية لأهل الخليج فسكنت تلك الشخصيات بيوتهم ومخيلاتهم، ومع الوقت ذاكرتهم. لا لشيء، إلا لأن واقعيتها كانت تتناغم وواقعهم.

في السنوات الأخيرة دفعت أشعار فارس العرب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، العديد من الكتاب للنسج من وحيها أعمال درامية تذهب إلى خصال الفروسية والحياة البدوية التي تنهل من القيم الأصيلة، فظهرت أعمال درامية ضخمة ومنها.. «جواهر» و«صراع على الرمال» و« أبواب الغيم».

في المسرح تبدو المجتمعات الثلاثة مظلومة أيضا، بالرغم من وجود استثناءات، ولهذا يتساوى التعاطي المسرحي بتعاطي بقية أجنحة الدراما. وربما تذكر الساحة المسرحية المحلية مسرحية «بوخزينة» التي الفها سيف الغانم وأخرجها العراقي عبد الإله عبد القادر لفرقة مسرح الشارقة الوطني قبل عدة سنوات، وذهبت المسرحية إلى قصة تدور رحاها في وسط مزرعة يتحكم فيها ارستقراطي متسلط يرفض تزويج ابنته لأي من الرجال المحيطين به، باعتبارهم «بيادير»: عمال مزارع، لكنه يجد نفسه في النهاية أمام واقعة حب بين ابنته وعامل فخار، فيرتكب جريمته بخنق عامل الفخار في إناء فخاري كبير يستخدم لحفظ الحبوب.

أيامها كانت البيئة مختلفة حينما عمل عليها المخرج عبد الإله، اختلفت في المناظر والإكسسوارات والمؤثرات الصوتية، وكان العرض مختلفا ومغايرا لسبب وحيد هو انه اختار أن يكون في البيئة الزراعية. هذا الكسر والخروج من المألوف أعطى للمسرحية قيمتها، وعند عرضها على قطاع كبير من الجمهور كان التجاوب واضحا بدليل وصول العمل ببيئته إلى قلوب المتفرجين.

المؤلف والمخرج المسرحي ناجي الحاي اشتغل أيضا، وقبل سنوات، على بحث ميداني كبير في جبال المنطقة الشرقية، وفي مدينة دبا بالتحديد، حينما تم استدعاؤه من قبل مسرح دبا الفجيرة للأشراف على ورشة مسرحية ينتج عنها عمل مسرحي بيئي، أقام الحاي في مدينة دبا وبدأ يبحث عن القصص والحكايا، ذهب مع فريق المسرح وبعض الإدلاء من أهالي الجبل إلى مناطق جبلية معزولة، وهاله ما رأى، حيث قال الحاي وقتها وهو يتحدث عن مسرحيته «خرزة الجن»:

«كانت النساء يلبسن رداءين في الوقت ذاته، يرفعون واحدة إلى الأعلى ويربطنها حول اخصارهن، والثانية مسدولة إلى أخمص القدم، يحبون الملابس الملونة، يتقاسمون المناطق بين الجبال، ولا يتعدى احد على منطقة احد، صارمون في التعامل، ينكرون الغريب في المكان ولا يتساهلون عند سؤاله عن سبب وجوده، يجمعون العسل وتسود بينهم قصص العشق والحب، من السهل أن تقطع المرأة طريقا جبليا لوحدها دون خوف.

وسيقانهم قوية تمكنهم من ارتقاء الصخور والمرتفعات بسهولة، نحيلون ولا تكثر بينهم البدانة، يبنون بيوتهم في الجبال ومن صخورها والغريب أبوابها تجبرك على الانحناء عند الدخول، مع انه بالإمكان إطالة ارتفاع الباب لتسهيل العبور، ولكنهم يفضلون الانحناء عند الدخول والخروج.

تسري الإشاعة بينهم سريعا، ويستلذون بالحكي والأحاديث وأسطرة ما يروون، باعتبارهم هم صناع الأخبار والأحداث بين أخاديد الجبال ولشعورهم بالوحدة. تربطهم بالمدن الساحلية والقريبة منهم زيارات متقطعة، لكن لا تغريهم هذه المدن في ترك عزلتهم الجبلية. ومن هذه القراءات الميدانية صاغ الحاي مسرحيته «خرزة الجن»، وقدمت خلال إحدى دورات مهرجان أيام الشارقة المسرحية.

مرعي الحليان