إذا ما أقرينا مع عبد الحليم حمود فإن الكاريكاتير هو « فن اللا الصريحة والمتخفية، الساذجة والخبيثة. وانه فن صدامي، نزق، هزلي، تهكمي، يستخرج مكبوت المتلقي من دهاليز الدماغ المعقدة ليحدلها تحت شوبكه الأملس، ثم يُعيد عجنها مع خميرة البهجة، أو الفرحة، أو الحبور أو السرور، أو المرح، أو الجذل، حسب الطلب
. كل هذا لتنفخ مكنونات النفس في الأفران الملتهبة وما أكثرها» . أن الكاريكاتير هو فن التوتر العالي النابض بالصراخ الأسود على الجسد الأبيض الأخرس ليقول الأشياء أكبر من أحجامها ليحجمها في توليفة التفّت على تشعبات السرد، وتسننات الوعظ. الكاريكاتير هو الشرنقة التي مزقت ثوب النسب الأكاديميّة الصارمة لتحلق كفراشة متنكرة، مرة على شكل كابوس، لتندس في منامات الحكام بفرعيهم:الديكتاتوري والديمقراطي، وأحياناً تتنكر فراشة الكاريكاتير بمعطف المخبر ونظاراته وصحيفته المثقوبة لشهوة العين لتلقط من الشوارع أحاديث الناس وخيباتهم وآمالهم المعقودة على الرموز المفقودة، وغالباً ما تضبط الفقر متلبساً وهو يُحيك مؤامراته من خيوط رقعة على ثوب طفل.
إذا أقرينا بكل ما ذهب إليه عبد الحليم حمود انتهينا إلى حقيقة أن السخريّة ولدت جنباً إلى جنب، مع باقي عواطف وانفعالات الإنسان، ومنها انطلق فن الكاريكاتير الذي يعود تاريخه إلى تاريخ الوجود الإنساني نفسه، وهو ما تؤكده الرسوم التي تركها الإنسان الأول على جدران الكهوف، حيث بالغ في صياغة بعضها لأكثر من سبب وغاية.ثم تأكدت وتوضحت هذه النزعة المفعمة بالسخرية والنقد، في فنون الحضارات القديمة كالمصريّة القديمة، والفينيقيّة،و البابليّة، والإغريقيّة، والمايا ... وغيرها. ولأن اللغة العربية كانت وما زالت، أهم ما يعتز ويفتخر به العرب، والحاضن الأساس لحضارتهم وثقافتهم وعواطفهم وأفكارهم، فقد كانت الحاضن الرئيس للسخرية التي أخذت طريقها إلى الشعر والأدب، فظهرت لدى ابن الرومي، والمتنبي، وجرير، والفرزدق والجاحظ والمعري وأبي حيان التوحيدي والهمذاني.
أما السخرية بشكلها الصارخ والصريح الذي مهد لظهور فن الكاريكاتير بصورته الحالية، فيعيدها الباحثون والنقاد، إلى الدراسات الخطيّة المبالغ فيها التي نفذها الفنان الإيطالي الشهير (ليوناردو دافنشي1452 ـ 1519) حيث حطم فيها النسب التشريحيّة الواقعيّة لصالح نزعة كاريكاتيريّة مفعمة بالسخرية الناقدة. جاء بعده (بروغل) و(شونغارو) و(كاراتشي) و(غيتسي) و(هوغارت) و(رولاندسون) و(بانبيري) و(غليري) و(هوغارد) و(غويا) و(دومييه) ... وغيرهم.
أما رحلة الكاريكاتير العربي المعاصر، فقد بدأت العام 1877 مع صدور الجريدة المصريّة الساخرة «أبو نضارة زرقاء « ثم ترسخت هذه الرحلة وتأكدت مع مجلة «الكشكول» التي صدرت العام 1921.
من أبرز الأسماء العربية التي اشتغلت في هذا المجال: محمد عبد المنعم رخا، ماهر داود، نبيل السلمي، عبد السميع، زهدي العدوي، أحمد طوغان، جورج بهجوري، صلاح جاهين، أحمد حجازي، بهجت عثمان، إيهاب شاكر، ناجي كامل، مصطفى حسين، رضوان الشهال، عبد الله الشهال، جان مشعلاني، بيار صادق، محمود كحيل، ناجي العلي، جلال الرفاعي، محمد الزواوي، عبد الله المحرقي، خالد الهاشمي، محمد فؤاد هارون، حيدر محمد ... وغيرهم.
في سوريا، بدأت رحلة فن الكاريكاتير الفعليّة عام 1909 مع صحيفة «ظهرك بالك» ثم تابعت مع 44 صحيفة هزلية ساخرة، ظهرت وغابت خلال أربعة عقود، من أشهرها «حط بالخرج» و«المضحك المبكي».أول من مارس فن الكاريكاتير في سورية هم رواد الفن التشكيلي ومنهم: توفيق طارق، علي الأرناؤوط، صبحي شعيب، عبد الوهاب أبو السعود.
ثم ظهرت أسماء لاحقة تفرغت كلياً لهذا اللون من الفن ومنهم: سمير كحالة، عبد اللطيف المارديني، نجاة قصاب حسن، خالد العسلي، عبد اللطيف ضاشوالي، ممتاز البحرة، علي فرزات، يوسف عبد لكي، عبد الهادي شماع، حميد قاروط، عبد الله بصمجي، فارس قره بيت، خالد جلل، ممدوح سكرية، حسن إدلبي، حكمت أبو حمدان، ياسين الخليل، سعد حاجو، عصام حسن، فراس نعوف، رائد خليل ... وغيرهم.
لم يترك فن الكاريكاتير موضوعاً حياتياً إلا وعالجه بهذا الشكل أو ذاك، ومنها الثقافة والفنون التي يتحدر منها. فكيف ينظر هذا الفن إلى أسرته؟ هل هو ابن عاق، أم وفي ومخلص ومحب؟ أم ترى طبعه الناقد، الساحر، النزق، سيغلب عليه، فلا يفرق بين السياسة والثقافة، وبين الاقتصاد والفنون؟
«الثقافة والفنون» موضوع تناولته مسابقة عالميّة للكاريكاتير أقامها ونظمها فنان الكاريكاتير السوري رائد خليل شارك فيها مجموعة كبيرة من رسامي الكاريكاتير الذين عالجوا هذا الموضوع، بطرائق وأساليب ورؤى مختلفة، ترتبط بالشخصية الفكرية والفنيّة لكل فنان.
من ذلك إقامة مقارنات طريفة بين الحديث والقديم (بيكاسو وليوناردو دافنشي)، واستخدام رمز تاريخي معروف «حصان طروادة، ربة الينبوع، أوروبا السورية التي خطفها الثور، فينوس، الراقصة الهندية» لتقديم فكرة معاصرة، أو إقامة نوع من المفارقة الطريفة بين تداعيات ذاكرة بصريّة لحذاء عتيق وأحذية جديدة تنتظر مغامراتها ومشاهداتها الخاصة، أو بين مثقف تناطح مكتبته السحاب ويكبل زوجته في قفص.
وثمة من قام بفضح مدعي الثقافة، عندما كشف أن مكتباتهم الزاخرة بالكتب والمجلدات، هي مجرد صورة ورقيّة تزيينيّة. كما قدم البعض، صوراً طريفة لمثقفين تلبستهم حالات غريبة، كأن يتحول رأس بعض الكتاب إلى رول من الورق، وأزرار الحاسوب إلى متاهة يضيع فيها « دون كيشوت الجديد» والكتاب إلى بابين مغلقين بأكثر من قفل، والتائه العطشان في الصحراء إلى حالم بالماء والجنس معاً،.
وحارس يتحرش بالجوكندا، أو سائح بتمثال امرأة، أو حاسوب محمول يتربص بكتاب، أو موسيقي جوّال، تتعاطف معه دجاجات فتمنحه بيضاً بدلاً من الدراهم، أو إنسان بدائي يستعمل القلم لإشعال النار، أو نصب تذكاري يتألف من كتاب «قبر» وصليب من الريشة والقلم.
أو زند كمان يتحول إلى يد تتلقى الحسنات، أو أحد فراعنة مصر يتسلى بـ «ميكي ماوس» أو بهلوان يستخدم الكتاب والميكرفون والقلم، بدلاً من أدواته المعروفة ... أو خائب يُفصّل من أحلامه البيضاء راية الاستسلام ... وغيرها من المفارقات الباسمة والناقدة، في آنٍ معاً.
البعض الآخر من الفنانين، اعتمد الوجه مادةً رئيسة للتعبير من خلال التحوير والمبالغة في ملامحه وربطه ببعض الرموز الدالة على مهنة صاحبه، كبيكاسو، وسلفادور دالي، وصموئيل بيكت، وبافاروتي، وصوفيا لورين وغيرهم.
لقد اشتغل الفنانون على موضوع الثقافة والفنون، من زوايا مختلفة، وبرؤى عديدة، حمل بعضها الصيغة المباشرة المتكئة على أدواتهما « الكتاب، القلم، الألوان، اللوحات، التماثيل، المكتبات، الصحف، المجلات، الموسيقا، الحاسوب» وبعضها الآخر، استعار رموزهما التاريخيّة، مُسقطاً من خلالها، وعبرها، رؤاه ومواقفه، تجاه الحراك الثقافي والاجتماعي والسياسي المعاصر، بتلاوينه البيضاء والسوداء، الساخرة والجديّة، الباسمة والمتجهمة، السطحيّة والعميقة، وبمفارقاته الذكية الحاضنة لشغب الكاريكاتير المحبب الذي يعجن ببراعة، بين الوخزة والبسمة، والنقد والاستحسان، والضحكة والدمعة، واليأس والأمل، والتشجيع والتحذير.
والتنبيه المهذب والتعرية الساخرة الفاضحة، وكل ذلك عبر لغة الكاريكاتير الخالية من العبارات والشروح والنصوص التي يلجأ إليها بعض الفنانين، لتوضيح وتأكيد مضمون أو فكرة رسومهم، وهي ما تشكل عائقاً حقيقياً، أمام المتلقي الذي لا يستطيع قراءتها.
أما الصياغة الكاريكاتيريّة القائمة على الرموز والمفردات والعناصر الشكليّة الاصطلاحيّة، فتصل بيسر وسهولة « مثلها مثل الفن التشكيلي، والموسيقا، والصورة الضوئية» إلى كل المتلقين، مهما كانت جنسياتهم ولغاتهم وثقافتهم.
الثقافة «بتلاوينها المختلفة» وضعها نخبة من رسامي الكاريكاتير العالميين، في دائرة مشاغباتهم التي أثمرت مجموعة رسوم ولوحات، تكتنز على الدمعة والابتسامة، والمديح والتقريظ، إنما ضمن إطار من المحبة والتهذيب والنقد البناء، المفعم بالحس الإنساني والحضاري الرفيع، الذي جاء على جناحي لغة مكثفة، تختزل مئات الكلمات، بخطوط تحيط بهيئة، أو رمز، أو إشارة، أو مصطلح اتفق عليه العالم، مدعوماً، بمساحات لونيّة، وفكرة ذكية، اصطادتها، موهبة حقيقيّة، امتلكت أدوات تعبيرها بشكل جيد، ذلك أن الكاريكاتير كيمياء لا تعطي نتائجها الصحيحة والسليمة والمؤثرة، ما لم تجمع بين قطبين رئيسيين: ذكاء اللقطة، ووسيلة التعبير المناسبة عنها.
محمود شاهين


