منذ عشر سنوات مضت تناقلت الصحف العربية والعالمية خبر اكتشاف بيت الشاعر أبو الطيب المتنبي في حلب، خبر كان له وقع مميز على أفئدة محبي هذا الشاعر، مالئ الدنيا وشاغل الناس، فهو ليس شاعراً كبيراً فحسب، إنه أحد أكثر الشعراء حضوراً عبر التاريخ. إن ذكر حلب لا يكاد يتجزأ أو ينفصل عن قلعتها وعن سيف الدولة الحمداني والشاعر أبي فراس، حيث المتنبي ينشد أبدع قصائد المديح لسيف الدولة: وسوى الروم خلف ظهرك روم فعلى أيّ جانبيك تميل
أين كان يسكن المتنبي في حلب، وهل بقي منزله حتى الآن. .؟ مجلة العربي الكويتية في عددها الأخير قدمت استطلاعاً بعنوان «حلب موسيقى للبشر والحجر»، وهو بقلم وعدسة أشرف أبو اليزيد، وفي هذا الاستطلاع أشار الباحث محمد قجة، رئيس جمعية العاديات بحلب قد اكتشف بيت أبي الطيب المتنبي في حلب، وقد سأله معد الاستطلاع كيف كان ذلك؟ فأجاب: كان السؤال حول إقامة المتنبي في حلب شغلي الشاغل، وأنا تابعت جميع الكتابات التي تناولت سيرته، فلدي اليوم كل ما كتب عنه من شروح ودراسات، وكثيراً ما تساءلت عن مكان إقامته في حلب وأسرار حياته اليومية بالمدينة، حتى عثرت على أول الخيط في كتاب (بغية الطلب في تاريخ حلب) لابن العديم، الذي حدد دخول المتنبي إلى حلب العام 337، واستقر في المحلة المعروفة بدار بني كسرى، وكانت داره ملاصقة لدار ابن العديم.
وهكذا عثرت على الكثير من المسميات والتواريخ والسير في هذا الشأن، وكانت جميعها العون الأساسي لي، والمفاتيح الرئيسة للوصول إلى دار وباب المتنبي، بعد الوصف الدقيق للمكان وتحديد موقع دور آل العديم وكسرى، وقد تبين أن الدار قريبة مما يعرف اليوم باسم (سويقة علي)، وقد أصبح المكان ملتقى لرؤية الأطفال الذين انفصل والدوهم عن بعضهم. ويؤكد قجة على دقة تميز الخطط المستقبلية لهذا المكان: إن المكان سيصبح متحفاً يحمل اسم المتنبي، فبعد بضعة أشهر من تحديد مكان البيت الذي سكنه أبوالطيب المتنبي، الشاعر الأشهر في تاريخ الأدب العربي، في مدينة حلب عاصمة الشمال السوري، انطلقت أخيراً أعمال ترميم البيت وإعادة تأهيله ليصبح متحفاً يليق بمكانة الشاعر العظيم.
وتفيد الكثير من الأخبار الرسمية في حلب، أنه تقرر مبدئياً افتتاح متحف «بيت المتنبي» في نهاية العام الحالي 2010، بعد اكتمال أعمال الترميم والتأهيل، التي تقوم بها مديرية الآثار في سوريا، وطبعاً من الحجر نفسه الذي بني به سابقاً، وكذلك بالطراز المعماري ذاته، حيث الأبواب الخشبية والنوافذ ذات الأقواس والجدران السميكة التي تضم نافذتين، زجاجية وخشبية.
تأهيل
حول مساحة البيت ومواصفاته الأخرى، إلى جانب ماهية ترميمه وتأهيله، وطبيعة تصميمه المتحفي، يقول الباحث قجة، مكتشف البيت والمشرف حالياً على مشروع تحويله إلى متحف: «تجرى حالياً في البيت أعمال الترميم. ومن ثم ستنطلق أعمال التأهيل، وما يهمنا هنا التأهيل من حيث توظيف غرف البيت لتصبح متحفاً يليق بالمتنبي.
أما المبنى فهو في الحقيقة جزء من بيت المتنبي القديم، ذلك أن مدينة حلب تعرضت عبر السنين إلى الهدم عدة مرات، وفي كل مرة كانت تقضم أجزاءً من البيت. واليوم تبلغ مساحة البيت الراهن نحو 400 متر مربع وهو مشيد وفق طراز معماري تقليدي بفسحة سماوية واسعة مع بركة ماء جميلة، مع أقواس عربية وزخارف وخطوط هندسية، ويضم ثماني غرف معظمها في الطابق الأرضي، بينما لا توجد في الطابق الأول سوى غرفة واحدة فقط.
متحف دقيق ووافٍ
ويحكي قجة عن تقسيم البيت ـ المتحف: سيصار إلى توظيف الغرف على الشكل التالي: هناك الغرفة الكبيرة التي ستخصص كجناح من المتحف لمرحلة العصر الحمداني، وستعرض فيها مقتنيات ذلك العصر وما كانت عليه الأزياء والملابس، وسنوظف غرفة من البيت كقاعدة بيانات إلكترونية ستحوي معلومات كاملة عما يتصل بالمتنبي، وستضم غرفة ثالثة مكتبة ورقية من دواوين شعر المتنبي وسيرته الشخصية.
وما كتب عنه وما إلى ذلك، أما الغرفة الرابعة فستوظف كغرفة صوتية إلكترونية يسمع الزائر فيها قصائد المتنبي وهي تلقى بأصوات شخصيات متخصصة في الأدب والإلقاء الشعري، وبالتالي سيتاح للزائر أن يختار إلكترونياً القصيدة التي يرغب في سماعها للمتنبي بأصوات معاصرة. وأما الغرف المتبقية فستخصص لخدمة الزوار ومنها توزيع كتيبات وبيع كتب وتذكارات وغيرها، وغرفة استعلامات لإرشاد الضيوف والزوار إلى غرف البيت (المتحف).
قصة الاكتشاف والمرجع
أبرز ركائز اكتشاف هذا البيت (بيت المتنبي)، تمثلت في معلومات وتدوينات المؤرخ الحلبي القديم ابن العديم، الذي عاش في العصر الأيوبي قبل نحو 800 سنة. وهو المؤرخ الوحيد الذي أشار إلى موقع بيت المتنبي في مدينة حلب، غير أن السؤال البديهي الذي يتبادر إلى الذهن:
لماذا لم ينتبه أحد لذلك حتى الأشهر الأخيرة؟ إن السبب ببساطة هو أن كتاب ابن العديم الشهير «بغية الطلب في تاريخ حلب»، كان مفقوداً، مع العلم أن للمؤرخ كتاباً آخر لا يقل شهرة هو «زبدة الحلب من تاريخ حلب». ويقول ابن العديم في سطر واحد: «كان نزول المتنبي عام 337 هـ في حلب وكان بيته مجاوراً لبيتنا في آذور - دور - بني كسرى».
وهذه المعلومات القليلة التقطها قجة، وبدأت رحلة بحثه انطلاقاً منها. ويشرح محمد قجة في هذ الخصوص: في حلب طبعاً لا يوجد لا آل العديم ولا آل بني كسرى، وعدت مجدداً إلى التاريخ فوجدت في الكتاب الثاني لابن العديم قوله: «وحدثني والدي أن بيت المتنبي أصبح في ما بعد خانقاه (مضافة مجانية) لسعد الدين كمشتين».
وكمشتين هذا سهل الوصول إلى مضافته، ذلك أنه كان وزيراً في الفترة السلجوقية والزنكية والأيوبية، وعندما هدمت حلب في آخر العصر الأيوبي على يد هولاكو المغولي، وأعيد بناؤها من جديد كان قد صار هناك مجموعة كبيرة من المؤرخين مثل ابن شداد وابن الشحمة والعجمي وآخرين، الذين أكدوا أنه أعيد بناء الخانقاه المهدوم من قبل شخص يدعى صلاح الدين الدوادار، وهذا جعله منزلًا له، غير أنه انتقل في ما بعد إلى مدينة طرابلس، فأوقف البيت كمدرسة وسميت في الأوقاف، ومنذ ذلك الوقت باسم «المدرسة الصلاحية الكبرى».
وهذه المدرسة، ومن خلال كل الإشارات التي بين أيدينا، يتأكد أنها كانت مضافة (خانقاه) سعد الدين كمشتين، وهي نفسها بيت المتنبي! وبعد غزو تيمورلنك عام 1400م، وهدم المدينة، تقلصت مساحة مبنى المدرسة لصالح بناء خان «خاير بيك»، وصار اسمها «المدرسة الصلاحية الصغرى» ولقد أعيد ترميم هذه المدرسة عام 1845، على يد أحد وجهاء مدينة حلب واسمه بهاء الدين المقدسي، فسميت على اسمه «المدرسة البهائية»، وذلك مع أنها لا تزال في سجلات الأوقاف مدونة تحت اسم «المدرسة الصلاحية».
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن كتاب ابن العديم الذي كان مفقوداً، حيث كان موجوداً في الهند، خصص 100 صفحة لوصف منزل وحياة المتنبي في حلب، والوصف لا يدع مجالاً للشك أن أبا الطيب المتنبي عاش في الموقع المسمى اليوم المدرسة البهائية.
منهج البحث والتحقق
يسرد الباحث قجة جدول ومراحل وهيكلية عملية البحث والتحقق على أرض الواقع، بعد التثبت من المعلومات، حيث يقول: أحضرنا مخططات لمدينة حلب وحددنا أين تقع سويقة علي، وما قال الغزي والطباخ ومجلس مدينة حلب، وتبين لنا أن هذه المنطقة وعبر التاريخ، وقع فيها دمار كبير، وبذا فمن المستحيل أن يكون المبنى هو ذاته بيت المتنبي.
لقد مضى 11 قرناً على إقامة المتنبي في حلب وبالتأكيد تعرضت المدينة خلال هذه الفترة الطويلة للحروب والزلازل التي غيرت معالمها وأسماء أحيائها والبيوت والأسر.
وهكذا فإن الثابت أن هناك بعض الملامح والمعالم قلبت وتبدلت، ويشار إلى أنه منذ عصر المتنبي حتى اليوم، تم تدمير حلب أربع مرات، الأولى على يد نقفور فوكاس البيزنطي عام 962 م، والثانية على يد هولاكو 1260 م، ثم على يد تيمورلنك عام 1400 م، والأخيرة كانت من خلال الزلزال المدمر الذي ضرب حلب عام 1822.
وتذكر الدراسات أن «دار المتنبي كانت مساحتها أكبر من المدرسة البهائية الحالية، قياساً إلى حاشيته الضخمة وغلمانه وخيوله وإقطاعاته، مؤكدة أن السنوات التسع التي قضاها المتنبي في حلب، من عام 948 إلى 957 م، كانت ذروة حياته وإنتاجه الشعري وعلاقاته المتوازنة، وقد اعتبر أبو الطيب «قمة الشعر العربي بعصوره المتلاحقة، وذلك باتفاق النقاد ومؤرخي الأدب».
المتنبي في سطور
أبو الطيّب المتنبّي (915 - 965م)، شاعر عربي حكيم لا يجهله أحد، ولد في «الكوفة»، وعاش في «حلب» تسع سنوات، وعاش طوال حياته شاغل الناس، وكانت علاقته وطيدة بحلب وبسيف الدولة الحمداني، وحارب البيزنطيين. كما ازدهرت الآداب والعلوم في عهده، الذي ضمّ «أبا فراس الحمداني» و«أبا النصر الفارابي» و«أبا الفرج الأصفهاني».
وأدرك أبوالطيب المتنبي بأنه عثر على نموذج الفروسية في مجلس الأمير سيف الدولة الحمداني، ورأى أنه سيكون مساعده على تحقيق ما كان يطمح إليه. فاندفع الشاعر مع سيف الدولة يشاركه في انتصاراته التي أرّخها بملاحمه الشعرية، واستطاع أن يرسم هذه الحقبة من الزمن، وما كان يدور فيها من حرب أو سلم، وكذا تاريخ واجتماع وفن.


