«في هذا البيت عاش كفافيس آخر خمسة وعشرين سنة من حياته». إنها الكلمات التي تحملها لافتة من الرخام الأسود، تقابلك وأنت تلتقي بمدخل متحف وبيت الشاعر الكبير «كفافيس»، إذ تتوق وتتحفز أكثر لولوج هذا العالم البديع، وأنت تنجذب إلى قطعة بيضاء أخرى من الرخام، توضعت أسفل سابقتها، ويبرز على مساحتها كلمتان فقط: «منزل كفافيس».

لحظة تجتاز قدمينا عتبة المنزل، ستبدأ مرحلة أغنى تصطحبنا فيها روح الشعر وأنات وزفرات وآهات وترجمات فرح وحزن وتفكير هذا الشاعر الكبير، لنجد أنها جميعا، تجسدت قصائد خالدة وملهمة، وبينما نصعد السلالم إلى الدور الثاني، ينفتح عالم هذا المبدع اليوناني :كوستيس بتروس فوتياديس كفافيس، الشهير ب كفافيس..، نعم فهنا عاش وكتب قصائد لا تزال جمالياتها تتواصل بقوة وحيوية، من جيل إلى أخر، تاركة بصماتها.ها هنا البيت المسكن والموئل، الذي ضمه واحتضنه، تجهز وتحلى، ليتحول إلى متحف يخلد ذكرى هذا الشاعر ويقدر قيمة ما أثرى به التجربة الشعرية العالمية، ففيه سنستكشف أعماق عوالم ومشاعر هذا المبدع، ومعه سنتعرف على جميع كتبه المترجمة إلى 35 لغة عالمية. وطبعا لن يكتمل المشهد المشكل لصورة ذكراه، إلا بوقفتنا المطولة أمام الصور العائلية الخاصة بكفافيس.

وهكذا ستتابع في رحلتنا بالمتحف ـ المنزل، حلقات التكوين الراسمة لإيحاءات وتوليفات خبايا وحقيقة نفس وإبداع تلك الشخصية الفذة، فنعود ونصادف فضاءات رحبة تتعطر برفوف كتب فنية مستوحاة من القصص الرومانسية، وأيضا اسطوانات من الحان الشاعر ذاته، وقناع الدفن الخاص به، وأثاثه وأشياءه الشخصية، ومرآة له وهدايا من الكنيسة اليونانية.هذا إلى جانب مؤلفاته وشرائط منوعة تحوي قصائده ملحنة، ونصوصاً مكتوبة بخط يده وأيقونات وطوابع بريدية صدرت عنه، وكذلك شهادات التقدير التي حصل عليها، ومجموعة من أشرطة الفيديو للأفلام التي أنتجت عنه، ومجلدا ضخما يسمى «دليل الإسكندرية» يضم صورا قديمة نادرة ولوحه زيتية للخديوي إسماعيل، الذي كان صديقاً لوالده.

حياته ومحطات نبوغه

يقع المنزل في الشارع 4 بشرم الشيخ، إذ يحمل هذا الشارع، حاليا، أسم كفافيس أيضا، وهو يتفرع من شارع اسطنبول، خلف مسرح سيد درويش، عند محطة الرمل بالإسكندرية، وقد كان هذا المنزل، قبل العام1991 فندقاً يسمى «بنسيون أمير»، فاشترته القنصلية اليونانية في الإسكندرية و حولته إلى متحف.

ولد كفافيس بالإسكندرية في 29 إبريل عام 1863، وكان والده «بتروس»، المنحدر من عائلة فوتياديس، هاجر من اسطنبول إلى الإسكندرية، وربطته صداقة بالخديوي إسماعيل، الذي أهداه «الوسام المجيدي»، أثناء افتتاح قناة السويس في العام 1869م، كما كان الخديوي سعيد صديقًا لهذه العائلة اليونانية. كان والد كفافيس تاجرًا بالغ الثراء، عمل في صناعة حلج القطن، وامتلك مصنعين في «كفر الزيات»، وعدة متاجر في «منيا البصل»، إضافة إلى مكتب حاصلات زراعية في «زيزينيا» بالإسكندرية، آخر في «الموسكي» بالقاهرة.

وأنجب بتروس تسعة أبناء، أصغرهم الشاعر كفافيس، حيث مارس أخوين له هواية الرسم، وتعلق واحد من إخوته بالموسيقى، ومن هنا يمكن أن نتعرف على سبب ودوافع ميوله الفنية. وبينما كان في السابعة من عمره، رحل والده عن الحياة، وذلك في العاشر من أغسطس في عام 1870، عن خمسة وخمسين عامًا، ودفن بمدافن الأسرة في «الشاطبي».

وتولت إثرها والدته مسؤوليات رعايته، فاحتضنته وأحاطته بالرعاية المميزة، ويقال إنه لم ينعم طفل بحنان أمه بقدر ما نعم «كفافيس»، حيث شب خجولاً منطويًا لا يعتمد على نفسه في شيء، وبقيت أمه تسارع إلى تلبية طلباته، وتحشد الخدم لتأدية وتقديم احتياجاته. واللافت أكثر انه تعلم القراءة والكتابة في المنزل، وكانت له مربية ومدرس خاصان يقيمان في بيتهم في شارع «شريف».

التحق كفافيس في السادسة عشر من عمره، بالمدرسة التجارية في الإسكندرية، لكنه لم ينتظم في تعليمه، واستكمله بنفسه في ما بعد، من خلال قراءاته الخاصة، إذ كان يجيد، إلى جانب لغته اليونانية، الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، ولاحقا اهتم في دراساته بالتاريخ اليوناني والكلاسيكيات والأدب الأوروبي بوجه عام.

هكذا ولد كفافيس وعاش حياته، فاستقر بعيدًا عن مركز اليونانية القومية، إلا أنه انغمس وتعمق في أجواء الإسكندرية وبيئتها الكوزموبوليتانية المتعددة اللغات، خصوصا وأنها كانت تتحاور مع أوروبا أكثر من أثينا البلقانية تلك الآونة، ولذا يرى ذيميتريس ذاسكالوبولوس، الناقد اليوناني المتخصص في حياة وشعر كفافيس، أن هذا الأخير يوناني حتى الصميم.

منهج خاص

شرع «كفافيس» في نظم الشعر منذ فترة مبكرة في حياته، وربما بعد عودته من الأستانة في العام 1885، وعلى وجه التحديد في العام 1886، فنشرت قصيدته الأولى في عام 1891، في مجلة عنوانها (المساء سذزدس)، ومن ذلك التاريخ وحتى نهاية حياته، لم يتوقف عن تأليف الشعر وكتابة المقالات والملحوظات النقدية والدراسات المتنوعة في المجلات والدوريات، الصادرة تلك الفترة في كل من الإسكندرية واسطنبول وأثينا وغيرها من العواصم الأوروبية.

وكتب الشعر كهواية، دون أن يبتغي من ورائه شهرة أو مال، وأنتج حوالي ال 152 قصيدة، علاوة على ما نشره في المجلات والدوريات، وما أصدره بنفسه في كتيب في العام 1904، ضم 14 قصيدة أعاد نشرها من جديد في العام 1910 مع سبع قصائد أخرى.

واعتاد الشاعر أن ينشر قصائده متفرقة بعد أن يتم نسخها على وريقات توزع باليد على مريديه ومحبيه، ولهذا السبب، يصعب أن نعثر على قصائده محفوظة بالعنوان أو الصورة نفسهما، كونه واظب على التعديل والتقييم فيها دائما، ووصل ذلك حدود أنه كان يطبعها ثم ينشرها مرة أخرى.

روح الإسكندرية وشيخها

كتب الناقد الإنجليزي فورستر في عام 1919، عن عبقرية كفافيس: «إن كفافيس بالغ القوة وبالغ العظمة، وهو واحد من البارزين في الحركة الفكرية والثقافية»، ولقبه في هذا السياق ب روح الإسكندرية النابضة.

كما ذكره لورانس داريل في رباعيته عن الإسكندرية، وأسماه: شيخ الإسكندرية. ويؤرخ مواطن كفافيس، المبدع اليوناني ذيميتريس ذاسكالوبولوس، لطبيعة وفحوى النصوص الأولى لهذا الشاعر العظيم:

«النصوص النثرية الأولى التي كتبها، كانت ذات طابع موسوعي في مواضيع معاصرة وغير معاصرة، ومحاولاته الشعرية الشبابية ومحاولات الترجمة القليلة، كانت تشهد على شخص مُثقف ومُتابع جيد للأدب الفرنسي والإنجليزي، ينظر على مضض نحو الأدب اليوناني».

وتحضر في هذا الصدد شهادة قيمة ل الروائي البريطاني إيمانويل فورستر، صديق كفافيس لاحقا، وهو يشدد فيها على أن الإسكندرية كانت في ذلك العصر «مؤسسة على تجارة القطن والبصل»، و«كانت أبعد ما تكون عن حالة ذهنية».

وبناء على هذا الكلام، يقودنا فورستر إلى جملة من المعلومات الغنية، إذ نستطيع أن نتعرف بتحليله وحديثه على أنه ليس مستحيلاً أن تكون الحياة الثقافية للجالية اليونانية في مصر، آنذاك، والتي كانت تقريبًا منعدمة، هي ما دفعت الشاعر، من بدايات مسيرته الإبداعية، نحو سلوكه الغريب في النشر، فمن الممكن أن الناس كانوا يقرؤون الشعر في أنها، ولكنهم يقرؤون لأي شاعر معروف.

وبذا فإن الانشغال بالثقافة سيمنح مظهر تفوق وروحانية لمجتمع التجار الأثرياء المنغلق، وبهذا كان نظم أبيات الشعر يمثل هواية ولعبة في الصالونات واستعراضًا للإمكانيات الإبداعية، ويلفتنا فورستر إلى انه تتبدى لنا هنا كوامن وأسباب خيارات كفافيس بان لا يطبع قصائده أبدًا في كتاب، وهو على قيد الحياة، وهكذا فإنه كان ببساطة، يعيد كتابة القصائد القليلة التي ينشرها في مجلات أدبية، من حين لآخر، مكتوبة بخط يده، وفي صفحة واحدة.

كلمات وشهادات منصفة

ويضيف فورستر: «هذه الصفحات المنفردة، شكلت في ما بعد، ما يُسمى بالمجموعات الشعرية أو «الديوان»، وهو تعمد أن يسلمها يدًا بيد، أو يرسلها بالبريد إلى أصدقائه ومعجبيه، كان يحمل قوائم توزيع مدروسة.

وهذا التكتيك الفريد من نوعه في عمر الأدب اليوناني الحديث، أسهم بشكل كاف، في تكوين «الأسطورة» التي أحاطت بالشاعر، حيث لم يستطع قراؤه أن يتواصلوا بحرية وبلا عوائق مع أعماله، بفعل أنها تنحصر في النشر المشتت وإعادة النشر في المجلات والجرائد، وكذا المختارات الشعرية المختلفة التي كان يكتبها بخط يده».

كتب فورستر ملاحظات مهمة عميقة ومتأملة عن كفافيس وشعره، وكانت بينهما مراسلات، حتى وإن لم تكن دائمة، تم نشرها مؤخرًا في الجامعة الأميركية بالقاهرة.

كما توسط فورستر كي تنشر قصائد كفافيس في مجلة» T. S. ELIOT Criterion»، وأيضًا في المجلة اللندنية ,mueaneht وفي ما بعد علق بحماس شديد على شعر كفافيس، عندما صدرت في إنجلترا مجموعة القصائد الكفافيسية للمرة الأولى في ترجمة ل جون مافروغورداتو في العام 1951م.

ولا شك أن الشهرة التي حظي بها فورستر بعد الحرب العالمية الثانية، ساعدت على استقبال الجمهور الناطق بالإنجليزية لشعر كفافيس، وذكر ذلك عبر تقديمه معلومات دقيقة وشيقة في صفحات موسعة خطها عن ذكرياته ومعايشاته، وبذا استفاد ونهل منها جميع من أراد الاستزادة حول كفافيس. وتشدنا في هذا الخصوص، محاورة مفعمة وعميقة حول كفافيس، جرت بين كل من الشاعر يورغيوس سيفيريس، الحائز على جائزة نوبل لاحقا، والذي كان موظفًا في السفارة اليونانية في لندن، و فورستر نفسه.

ترياق ضد الموت

إن الاعتراف بشعر كفافيس على المستوى العالمي ظهر بقوة وتوسع بعد الحرب العالمية الثانية، حين بدأت إصدارات أشعاره، تتوالى بكثافة، وكذلك مختارات من أعماله، بلغات مختلفة.

وربما أن الإنسانية جميعها، وفي شتى المجتمعات، كانت، وفي ظل حالها المكلومة، بفعل مجازر ونتائج الحروب والممارسات البربرية، جاهزة أكثر من أي وقت مضى، لتتلقف وتحتضن كلمات شاعر الإسكندرية المنعزل، من واظب وجد في حواره وبحثه بمضمون التاريخ، ليسطر ويعكس في هذا النهج، وهج المشاعر والمآسي الإنسانية.

واستخدم رموزا وأقنعة كانت مألوفة في العالم، فحتى العشق، الذي يُعد من أهم المواضيع في الشعر الكفافيسي، نجد انه لا يُعرض لديه على أنه مغامرة رومانسية أو جسدية، بل كترياق ضد سيطرة الموت.

إنها عظمة لا تجارى بحق، روض قاموس إبداع فكري تحركه قيم الجمال والخير والحق، فلا يوجد اليوم شاعر يوناني أو أجنبي كبير، لم يقرأ أو يتأثر بأعمال كفافيس التي ألهمت أيضًا الفنانين بشتى شرائحهم: التشكيليين والموسيقيين ومصممي الرقص ومخرجي المسرح والسينما.

مرض كفافيس

رحل كفافيس في عام 1923، جراء إصابته بمرض سرطان الحنجرة، حيث فقد القدرة على الكلام، فقضى أيامه الأخيرة في المستشفى اليوناني بالإسكندرية، لكن حنجرة الحقيقة الشعرية التي أوقد نارها، بقيت متأججة، ولم تخفت، فاستمرت صادحة تغني وتلهم البشرية، وتابعت تدلل عل معنى جميل للوجود الإنساني:عذوبة الروح الإنسانية.

محمد الحمامصي