الملعب، ليس أكثر من الجدية الموجَّهة داخل خطوط تماس غير مرئية، وهذه تكون قابلة للمد والجزر، كما هي الظاهرة الموجية، ويكون الهتاف المرافق من جنس القوة المسخَّرة في اللعب المكافئ المتقن لقواعد اللعبة فيه
لم يعد الملعب ذلك النطاق الأرضي المسوَّر، أو غير الأرضي في عالم اليوم، ضمن أبعاد حسابية أو هندسية معينة مجردة كما يعلم المعنيون بالرياضة. لقد تجاوز كل تحديد حسّي له. صار في الوسع الحديث عن ملعب كوني، أو كوكبي، لا تتوقف فيه مباريات متعددة المقاصد، مختلفة القوى والأدوات والحكَّام المباشرين والخفيين، وراء الكواليس، إلى درجة أنه يمكن توظيف المفردة هذه في المجال السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي.. الخ.
مما لا شك فيه هو أن الملعب يخفف الصدمة الانفعالية لدى المتلقي، لحظة سماع المفردة( الملعب)، حتى وإن كانت الرياضة المعهودة ذاتها، كما هو المرئي في الحشد الإعلامي والمشاهد الدعائية المرافقة، بما يتناسب ونوعية اللعب وزمانه وأطرافه. إن عالماً بكامله يجري تمثيله ومن خلال تنوع لغات ورهانات قوة داخله.
لا شيء يخرج عن التمسك بالقواعد، وإن تجلت اللعبة ترويحاً عن النفس، وتقوية علاقات اجتماعية. إن مجرد الحديث مثلاً، عن أن ثمة مباراة ودية تجري بين فريقين في الملعب( كذا)، يعني أن الملعب يحال إلى أداة لتفريغ عنف حدودي، للدخول في عقد مختلف، تنعدم فيه مواجهات القوة الدامية، لكن الذاكرة التاريخية كما هي الجمعية ليست سهلة الخضوع لمستجد عابر، أو لأمر من هذا النوع، وبسبب مجريات الأحداث، ليكون الملعب أكثر من ملعب من حيث المفهوم، كما هي رغبة كل طرف في ضرورة كسب الجولة، في التغلب( الودي) على الآخر.
لا بأس أن نعيش داخل ملاعب تمتد أنَّى التفتنا، أو استقرينا، ولكن الخبرة اليومية تعلمنا أن أي إحالة إلى الملعب تجعلنا نتنفس الصعداء، لأن ضغطاً ما نعانيه كما لو أن الملعب شاهد عيان مكاني على أن ثمة مناسبة للقيام بحركات، أو الدخول في علاقات سلوكية مشتركة مع الآخر، يتم التحرر عبرها من الالتزام الصارم بالقواعد.
لكن الجدية يقظة، والنشاط المرئي ليس سوى النذر اليسير الذي يمثل قوانا النفسية، كما هو المرئي مما هو إعلامي أو دعائي، يحفّز على الفرح أو ما يسمى ب( الفرفشة)، وتعزيز ليقين ما بأن لا داعي للخوف من محظور، ولكن ذلك آني أيضاً، كما هي القاعدة الكونية التي يظهر العنف أصلاً من أصولها، وأن كل محاولة معاشة في نطاق الملعب، هي في كيفية التخفيف من وطأته وليس التحرر الكلي منه بالتأكيد.
إننا نتحرك في ملاعب متفاوتة القياسات، حتى ونحن داخل بيوتنا، وفي أمكنة شديدة الخصوصية، لأن أياً منا لا يعيش بمفرده وإن عبَّر عن زهد موسوم، عن شغف بالعزلة. إن الأخيرة ليست أكثر من التحرك داخل ملعب لا يحتوي جمهوراً، أو وسيلة بث إعلامية، فيجري لعب ما في صمت، ويكون الملعب داخل الذات.
هنا يصعد الحوار الصامت باعتباره ملعباً يكبر ويصغر. إننا أنفسنا، وبسبب صنوف التربية التي نخضع لها، نحبذها أو نلح على ضرورة استمرارها، لئلا نعيش حالة الوحدة الخانقة، كما يعلم المبدعون أو أهل الابتكار في العلم وسواه. إن هؤلاء مهرة بامتياز في أدوار لعبية، في المناورة داخل ملعب واسع أو فسيح. إن أحلامنا أو كوابيس أحلامنا، لا تفارق خاصية ملعبية جهةَ الفوضى المثارة والخوف من الصدام والضغط الداخليين.
ولا أظن أن أياً منا بمفارق لصنوف اللعب المختلفة، بقادر على إثبات أن عالمه الداخلي خال من جملة( المنشآت) الرياضية، والتي تكونها الملاعب حيث تتجاوز وظيفتها مدرجاتها المرئية وأسوارها العالمية وأضواءها الكاشفة.
إن استعراضيات القوة، وفي دنيا العولمة اليوم، تجد ألسنة تمارس فيها مديحاً، أو أيد تصفق لها، لأن ثمة ما يحفّز على ذلك، حتى لو تم الأمر بين الفرد ونفسه. إن رؤية الفرد لجسمه أمام مرآة ضخمة، وفي أمكنة مختلفة، ومن خلال لوحات دعائية هنا وهناك، تغريه بصورة ما، للنزول لاعباً رياضياً على غير ميعاد داخل ملعب ما، دورياً أو بين الحين والآخر.
إن البصر يرسم خطوطاً براقة وملهمة لخطوات أرجلنا التي تبث صدى دبيبها في الجهات الأربع ولو تخيلياً، إنه التذوق الجمالي المحوَّل في فضاء مفتوح، وأرضية معدة تشجع على النزال.يكون الحديث عن القوى الدولية العابرة للحدود، وقائمة الصراعات التي تدور بين الشعوب والأمم، على القيم والثروات، وانتقال الثقافات.. الخ، قابلاً لرسمه في أطر ملاعبية، يتردد صداها عالياً، وذلك على مدار الساعة..!
الملعب، ليس أكثر من الجدية الموجَّهة داخل خطوط تماس غير مرئية، وهذه تكون قابلة للمد والجزر، كما هي الظاهرة الموجية، ويكون الهتاف المرافق من جنس القوة المسخَّرة في اللعب المكافئ المتقن لقواعد اللعبة فيه.
يحلو للكاتب، للباحث، للفنان، أن يتحدث بمفردات خاصة عن لعب يعنيه داخل ميدان تخصصه: في النص الأدبي، النقدي، الفني، الموسيقي، ولكن ثمة التزاماً يبصّره بكل حركة يتمثلها أو ينفذها، تبعاً لنوعية العمل المنفَّذ، مع فارق وحيد فقط، وهو أن الملعب الرياضي محدد بهندسته الأرضية والفنية المرافقة، بينما الملعب السياسي والثقافي والاقتصادي، فمحرَّر من كل قياس.
ولكن من يستطيع الجزم بأن الذي يجري داخل الملعب الرياضي رغم كل المتابعة المرئية ودقتها، يتطابق مع المخطط له خارجاً، وأن الذي يجري ملعبياً بين أطراف وجماعات تعيش رياضات مختلفة، يفارق كثيراً مناخات الملعب الرياضي، سوى أن المعاينة البصرية غير مباشرة تماماً؟
إبراهيم محمود
