علاقتها بالشموع لا تتعدى ثلاث شمعات ملونة، مضيئة، وسط «تورتاية» عيد ميلادها، التي اختارت أن تكون من الشوكولاته والكريم المخفوق، على شكل «دونالد داك» فهو من شخوص الكرتون المتحرك، التي تعشقها صغيرتنا ذات الضفائر السوداء المنسدلة حتى نصف ظهرها،لتزيدها جمالاً ورقة. أضواء خافتة، خلالها تطفئ الصغيرة شمعاتها الثلاث، لتقفز بعمرها نحو بداية الأربع سنوات، وسط غناء وتصفيق الأهل والأصدقاء.
كبرت صغيرتنا، وازدادت جمالاً ورومانسية،وفي حجرتها تراقب الشموع،فحكايتها مع الشموع لم تقف عند حدود الرومانسية وعبق الفواكه الاستوائية.ومعها نكمل حكاية الشموع،لأنها تحكي قصص الشعوب المنحوتة من الشمع داخل متاحف عريقة.تعكس تماثيل متحف الشمع في مصر تاريخ مصر وحياة شعب، فما هي قصة هذا المتحف؟ في عام 1934 وضعت اللبنة الأولى لمشروع متحف الشمع المصري، ليحاكي غيره من متاحف الشمع العالمية ،مثل متحف مدام توسو في لندن ومتحف الشمع في امستردام وهونغ كونغ ولاس فيغاس في نيويورك.
وقام الفنان فؤاد عبدالملك بإنشاء متحف الشمع المصري، بعد أن درس كيفية صب وصناعة الشمع وتطويعه ـ درس هذا الفن الراقي في فرنسا وإنجلترا، وشاركه في مشروعه لفيف من محبي الفنون الجميلة، الذين تحمسوا لفكرته القائمة على تجسيد الأحداث التاريخية المصرية وإبراز أهميتها على المستويين العربي والعالمي.
font color="#ca912e">حكاية شعب
تروي تماثيل الشمع المصرية مراحل تطور التاريخ المصري بداية من العصر الفرعوني ،ووصولاً إلى العصر الحديث، ومروراً بجميع الحقب الزمنية وأهم الأحداث في مصر.
وربما دقة هذا الفن في مصر هي التي جعلت من المتحف مؤسسة تعليمية في المقام الأول، حيث يقصده آلاف الطلاب في مصر من الدارسين للفنون الجميلة، وأيضاً الاختصاصيين في صياغة وتطويع الشمع ليعكس حكاية شعب، أيضاً يعتبر متحف الشمع المصري مزاراً سياحياً يتم فيه التعرف عن قرب على مصر الفرعونية والمعاصرة من خلال 116 تمثالاً تعكس 26 مشهدا، تشكل بانوراما تاريخية، تضاف إليها عدة عناصر مكملة للمشهد، تجئ في الخلفية ذات الدلالات المختلفة، مثل أعمدة المعابر، وشموع والحيوانات والحياة اليومية للفراعنة والشعب المصري، الذي عكسته فنون الشمع لتروي «حكاية مصرية».
ومازلنا مع متحف الشمع المصري، الذي عشقته تلك الصغيرة التي اعتادت دوماً إشعال الشموع في حجرتها، وتتبعها لهذا الفن بعد أن التحقت بكلية الفنون الجميلة بالزمالك، ذلك الحي الراقي الموحي بجماليات الفنون جميعها.
مر متحف الشمع المصري بمراحل متعددة، فكان في بداياته يحتل قصراً منيفاً عريقاً، هو قصر «تيجران باشا» بشارع إبراهيم باشا بالقاهرة، وفي العام 1937 انتقل المتحف بكل محتوياته وتحت إشراف كبار الفنانين في هذا الفن، انتقل إلى فيلا عريقة ارستقراطية الشكل في شارع القصر العيني،بالقرب من أكبر ميدان في مصر، وهو ميدان التحرير، الذي يشهد حراكاً جماهيرياً عالياً وأيضاً صاخباً.
ثم استقر المتحف في مقره الحالي في ضاحية «عين حلوان»، الذي افتتح فيها في العام 1950 وأصبح تحت إشراف وزارة الثقافة لينضم إلى قائمة المتاحف التابعة لقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية، وتتنوع مشاهد المتحف الشمعي في ما بين الموضوعات التاريخية والاجتماعية والدينية، حيث تبرز فيه مجسدات شمعية لمساجد القاهرة الفاطمية العريقة، لينقل تجليات هذا العصر الراقي في تاريخ مصر.
والتماثيل الشمعية في المتحف المصري تجسد الكثير من القصص والروايات، والتي تروق للسياح والزائرين من كل مكان، ويدهشهم فن التجسيد الذي يعكسه متحف الشمع، الذي يربط الماضي بالحاضر بجماليات فنية يجسدها الشمع بحرفية عالية.ويعتمد المتحف المصري على تقسيم خاص.
حيث تعكس كل قاعة من قاعاته الرحبة فترة زمنية معينة، وتتصل القاعات بعضها ببعض عن طريق ممرات واسعة تؤدي إلى صالات تعرض فيها أهم مقتنيات مقتنياته، مصرع كليوباترا مجسداً بالشمع من المشاهد التي تستوقف الزائرين، حيث تنعكس بطريقة درامية الملكة على فراش الموت وخلفها وصيفاتها على ضفاف النيل.
ومشهد آخر يجذب الناس، يصور الملك لويس التاسع في دار «ابن لقمان» بالمنصورة، إحدى محافظات مصر والمعروفة بجمالها، ومشهد رائع يعكس محمد علي باشا وهو يستعرض الأسطول، وآخر يعكس الخديوي إسماعيل وهو يستقبل الإمبراطورة «أوجيني»، أثناء حفل افتتاح قناة السويس في العام 1869.
من المشاهد الرائعة أيضاً مشهد يجسد كسوة الكعبة الشريفة، وهي الكسوة التي كانت تصنع في مصر.
العديد من المشاهد الاجتماعية المصرية تنعكس ببراعة في متحف الشمع،في مقدمها حادثة دنشواي بمشهد تراجيدي في أثناء الاحتلال البريطاني لمصر،إذ تجسده فنون الشمع،وفنون مثل الفنون والرقصات الشعبية المصرية، والاراجوز، والارجوحات عليها الأطفال في الأعياد، وحارات مصر الضيفة، التي يلعب فيها الصغار بفوانيس رمضان الملونة، مشاهد من الريف المصري، ومشاهد المرأة خلف المشربيات في منطقة الغورية وخان الخليلي وبين القصرين، ومشاهد من الأعراس المصرية، وانعكاس للمقاهي في مصر.
font color="#ca912e">متحف الشمع في جبيل
نرحل إلى لبنان، ومعنا عاشقة الشموع التي ارتبط بها حب هذا الفن منذ نعومة أظافرها، عندما كانت تزيد كل عام شمعة ملونة وسط «التورتاية» والشوكولاته اللذيذة. ففي مدينة «جبيل» اللبنانية حكاية أخرى تجسدها الفنون بالشمع، تعكس الحياة اليومية ابتداء من الحضارة الفينيقية وصولاً إلى لبنان حالياً.
حكاية متحف الشمع اللبناني لا تقل أصالة وروعة عن مثيلتها في مصر، ففي العام 1967 تأسست شركة متحف الشمع التاريخي في مدينة «جبيل» على يد الحاج عبدالحسين فواز، وهو منتج سينمائي، والفنان الراحل حبيب الخوري وشوقي أبي حنا، بهدف إنشاء متحف تاريخي في الجبيل يؤرخ لأهم المراحل التاريخية، التي مر بها لبنان، من خلال مشاهد لتماثيل من الشمع غاية في الدقة والحرفية والجمال، ويخصص متحف الشمع في جبيل قاعات خاصة لتكريم بعض رموز الفكر والفن والثقافة في المجتمع اللبناني.
ولكن لماذا تم اختيار منطقة جبيل لإقامة متحف الشمع فيها؟ «جبيل» التي احتضنت متحف الشمع اللبناني لها دور محوري في تاريخ لبنان، فهي عريقة وغنية بآثارها ودورها الحضاري في ذاكرة التاريخ اللبناني، أيضاً لأنها قريبة من بيروت.
ويعكس المتحف صناعة الزجاج عند الفينيقيين وصناعة السفن والخزف واكتشاف الاصباغ قديماً، كما يقف الزوار طويلاً أمام مشاهد حصار صور، وعروس البحر، والأمير بشير، ومعاويه الذي يدشن أول أسطول عربي في العام 645 ميلادية، أيضاً يعكس الفولكلور اللبناني، وخاصة رقصة «الدبكة» والمقاهي والكهوف في المناطق الجبلية في لبنان.
فوديع الصافي يجسده الشمع بحرفية عالية، كذلك يطل علينا تمثال شمعي لسيمون أسمر والمايسترو رفيق حبيقة، والعالم اللبناني حسن كامل الصبَّاح.
font color="#ca912e">لندن.. متحف قصصي
إلى عاصمة الضباب لندن تنطلق خطانا لنصل لواحد من أشهر متاحف الشمع في العالم، وهو متحف «مدام توسو» الذي يقع على امتداد شارع Baker واحد من أشهر شوارع لندن، ربما لوجود المتحف فيه، أو ربما اختيار المتحف في هذا الشارع بالتحديد، ولكن المهم أن الشهرة والعظمة هي لغة المكانين ـ الشارع والمتحف معاً ـ.
ويبدأ متحف الشمع اللندني بحكاية سيدة طموحة تدعى «ماري جروسلتز»، وأطلق عليها في ما بعد اسم «مدام توسو»،وهي من مواليد سويسرا، ولديها موهبة وبراعة استخدام وتطويع شمع النحل، وكانت تصنع منه بطرق فنية تماثيل متعددة الأشكال.
وظلت تمارس فن إبداع تماثيل الشمع حتى وفاتها، وكانت تعلم أولادها وأحفادها هذه الحرفة الفنية التي جذبت بها أنظار العالم كله،بدأت هذه المهنة الفنية وهي في السابعة من عمرها وبرعت فيها، وكانت مفعمة بالحياة بدرجة مثيرة وهي مبدعة المبادرة الأولى للمتحف العالمي الدائم للمنحوتات الشمعية، الذي سمي باسمها ويحتل مكانة فنية تاريخية عالمية.
والسيدة توسو تأخذك من باب المتحف المهيب، المكون من ثلاثة طوابق، ويحتوي على 800 تمثال، يحتل معظمها مكانة دائمة وتفرج الزائرين وتشرح لهم كيفية صناعة التماثيل الشمعية، وهي تصنع التماثيل بالحجم الطبيعي للشخصيات البارزة في مجال السياسة والاقتصاد والفن، وتستخدم الشعر الطبيعي والملابس نفسها التي كان يرتديها الشخص الماثل على شكل تمثال شمعي وإدارة المتحف يشرف عليها أحفاد مدام توسو.
وقد التقت الملكة إليزابيث مصادفة مع مدام توسو، وطلبت منها الانتقال للإقامة في القصر الفخم لتصنيع تماثيل للعائلة المالكة، وبقيت بالفعل توسو لمدة تسع سنوات،نحتت خلالها تماثيل عديدة.
font color="#ca912e">نحو لمسات فنية
وانتقلت توسو لمرحلة مختلفة في مشوارها الفني والحياتي، فقد قررت التخلي عن أسلوبها التقليدي، واستقرت في مكان قريب من (بيكر ستريت) في لندن، وخلال مرحلة الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، شرعت بجعل أعمال الأشكال الفنية الشمعية أعمالاً أكثر دقة، ولكنها لم تبتعد عن الطابع الحسي أو الطابع الحاد، ولإغراء الطبقة المتوسطة للقدوم إلى معرضها، قامت بإبرازه كعنصر ثقافي يستلهم المبادئ الملكية، وكانت وقتذاك تماثيلها تتألف من ملوك وملكات إنجلترا.
وكانت مدام توسو تقوم يومياً بنفسها بإزالة الأتربة المتصاعدة من أرض المتحف عن تماثيلها وتقوم بتنظيف ملابس التماثيل وكي الملابس كل حين، وضمت تماثيلها الطبقة الدنيا في المجتمع وقتذاك، مثل حفاري القبور، وتماثيل للمجرمين، وأصبحت صالة الرعب أشهر صالات متحف توسو.
ومن أشهر الشخصيات الشمعية في متحف مدام توسو ملكة انجلترا اليزابيث الثانية، وأميرة القلوب ديانا، التي تتمتع بحب جارف من قبل الجمهور والزوار، ويلتقطون لها الصور، ومن الفنانين العالميين المجسدين بالشمع نيكول كيدمان وليوناردو دي كابريو بطل فيلم «تايتانك» ومايكل جاكسون الذي رحل عن عالمنا ومازال تمثاله الشخصي يحظى بإعجاب الجمهور، وبراد بيت بطل «أوشن 13»، وانجلينا جولي، جيم كاري، كاميرون دياز، جورج كلوني، جوليا روبرتس وشارلي شابلن، والفريد هتشكوك، ومارلين مونرو، وجاكي شان وفرقة البتيلز.
وبعيداً عن الفن هناك الدماء الملكية لها ركن خاص، منهم، ملكة انجلترا، والأمير تشارلز، والأمير وليام والأمير هاري إبنا ديانا، ودوكة كورنوول، وللرياضيين مكان، لاعب الكرة الانجليزي الشهير ديفيد بيكهام، والملاكم العالمي محمد علي كلاي، لانس ارمسترونغ. وإذا كانت هناك صالة خاصة تعرف باسم «صالة الرعب»، تحتوي على مشاهد للحروب والدمار والدماء والحيوانات المفترسة وغضب الطبيعة، فإن المتحف يضم العديد من المنعطفات التي تجتذب الزوار.
والآن.. ينتظر العالم كله أن يملأ فراغ بالمتحف تمثال لزعيم يحقق السلام العالمي، حتى يأخذ كوكب الأرض شكلاً آخر بعيدا عن الدمار والحروب والزلازل، فهل يتحقق هذا في يوم من الأيام؟ جميعنا ننتظره في كوكبنا وأيضاً في متحف مدام توسو اللندني وفروعه التي تملأ كل من نيويورك وشنغهاي وبرلين وامستردام.
ننتظره حتى وان وقف بين تماثيل الشمع حياً يرفع شعار السلام في العالم، ربما يجئ هذا اليوم، أو ما علينا إلاّ انتظاره وتخيل العالم يرفرف عليه علم واحد، هو رمز للسلام والمحبة والتآخي بين شعوب الأرض، بعيداً عن اللون والجنسية والمعتقدات المختلفة، يوم يسير فيه البشر تحت مظلة الحب والسلام والهدوء والجمال.
font color="#ca912e">توسو في سطور
ولدت ماري كروشولتز(مدام توسو)، في ستراسبورغ في روسيا، وترعرعت في فرنسا، وهي في الأساس ابنة لمديرة أحد المنازل في المدينة الروسية المذكورة.
وفي عام 1794 تعرفت على المهندس الفرنسي فرانكو توسو، فتزوجت منه بعد عام، وحملت اسم توسو، وفي نهاية عام 1800 كان لها من زوجها 3 أبناء ولدان وهما جوزيف وفرانسسز، وابنة ماتت صغيرة.
وهي لم تكن تفكر في بدايات حياتها بالتوجه إلى عالم الشهرة في مجال فنون النحت والتشكيل بالشمع، رغم أنها كانت متعلقة بهذا الفن، فأصبح معرضها الصغير وسط لندن، الذي كانت تعرض فيه منحوتاتها الشمعية، واحدا من أشهر المعالم السياحية والثقافية في العاصمة البريطانية، حيث تطور لاحقا إلى المتحف الشمعي الشهير لها: المتحف الذي خلدت فيه مدام توسو مشاهير العالم.
منى مدكور

