ذات فيلم سينمائي تدور أحداثه في كوبا أواخر الخمسينات من القرن الماضي قالت الفتاة الثورية لعازف الساكسفون «هذا الملهى قيد الإغلاق»، فرد قائلاً «لكنه مجرد مكان فني»، وأضافت أنتم «تعزفون فيه موسيقى امبريالية، تعزفون فيه الساكسفون».
فأجاب المسكين «لكن مخترع هذه الالة بلجيكي اسمه أدولف ساكس وليس له علاقة بالامبريالية»،غير ان الفتاة الثورجية حسمت الحوار بحكمها المطلق على الموسيقى «نعم انه بلجيكي وان بلجيكا دولة استعمارية كانت تحتل الكاميرون والساكسفون آلة موسيقية برجوازية، وهذا المكان مغلق».
وذات فيلم آخر طاردت مليشيات الثورة الثقافية في الصين معلمة الموسيقى لأنها تعزف على الكمان، وهو حسب التصنيفات الماوية آلة رأسمالية تستخدم في عزف الأنغام التي يرقص عليها الإمبرياليون، ولأن المعلمة ورثت الكمان عن والدتها المرهفة فقد خبأته في مكان سري وقامت بتحطيم جميع اسطواناتها لكبار الموسيقيين عندما داهمت بيتها فرق التفتيش الثقافية التي أطلقها الرفيق ماو تسي تونغ.
ومن ثم أعطت الكمان لشخص مهتم قام بتهريبه إلى أوروبا حيث دخل مزادات عالمية، وحولت قصة الآلة إلى فيلم سينمائي بعنوان «الكمان الأحمر».
ولتوضيح معنى الثورة الثقافية هي فترة من القلاقل مرت بها الصين. في 16 مايو 1966، دشنها الزعيم الصيني ماو تسي تونغ بعنوان ثورة البروليتاريا الثقافية الكبرى. وقد حذر ماو آنذاك من أن من أسماهم بممثليّ البورجوازية الذين اخترقوا الحزب الشيوعي، وأنه سيعمل على اجتثاثهم. ثم دعا الشباب أن يقوموا بالانقلاب على الزعامة الشيوعية في البلاد.
واستجاب لدعوته ألوف الشباب الذين عُرفوا فيما بعد باسم الحرس الأحمر، لكن الطريف في الثورة الثقافية الحمراء أن الزعيم ماو تسي تونغ أمر بتسريح الحرس الأحمر في نهاية عام 1968.
واقتيد ملايين الشباب إلى الريف ليتعلموا الحياة الزراعية من الفلاحين، واستمرت عملية النفي الداخلي هذه لعشر سنوات، بل ان كثيرين من شباب الأمس لايزالون يتواجدون حتى اليوم في الريف.
وفي 9 سبتمبر 1976 عندما مات ماوتسي تونغ بدأت ثورة ثقافية مضادة أدت إلى إيقاف ما سمي «عصابة الأربعة» أي الشخصيات الأربعة التي اتهمت بالوقوف وراء «الثورة الثقافية» ومن بينها أرملة ماو.
بين الثورة والثقافة كان يظهر من حين لآخر مغالون وغوغائيون يرون العالم بعين عوراء ويقسمون البشرية إلى فئتين ـ معنا وضدنا ـ وطبيعي أن تعامل الموسيقى بهذا المفهوم وها نحن على بعد نصف قرن من ساكسفون كوبا وكمان الصين ترى هل استفاد احد من الدرس أم هل ننتظر موت الثورجيين لنحدث ثورة ثقافية؟
