أصبح مهرجان «مونبلييه» للسينما المتوسطية، أحد أشهر مهرجانات السينما في أوروبا بميدانه، بل وأصبح «مرجعا» عن سينما حوض البحر المتوسط. و«بيير بيتيو» أحد مؤسسي هذا المهرجان، يكرّس كتابه الأخير ل«المتوسط، عبقرية السينما»، كما جاء في عنوانه.

إن المؤلف يشير إلى أن «معلّمه» الفكري هو فرنان بروديل، المؤرخ الفرنسي الكبير والمختص بالبحر الأبيض المتوسط، حيث كرّس له رائعته الشهيرة: «البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني» والذي عرف في فرنسا طبعته الثامنة وجرت ترجمته إلى مختلف اللغات المتوسطية.

ومثل «بروديل» يعلن مؤلف هذا الكتاب أنه مأخوذ بين «عاطفتين» هما البحر المتوسط والسينما. وهو كان قد جمع بين «هوى» المتوسط و«هوى» السينما في مهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية. هذا الجانب هو الذي كان وراء انطلاق المخرج «أمير كوستوريكا» وآخرين.

ما يبحث عنه المؤلف في هذا الكتاب هو محاولة تعريف هوية السينما وعبقريتها بواسطة المجال الذي يشكله حوض البحر المتوسط. وهو يؤكد على القول ان هذا المجال «المغمور» طيلة الوقت تقريبا بالشمس والضوء» أعطى للسينما بعض قوانينها». وهذا ما يقوم بتوصيفه في سينما بلدان حوضه وما قدّمته من كنوز سينمائية.

والمؤلف يتعرّض في هذا السياق إلى التطور الذي عرفه فن السينما، وما قدمه من نتاج أثراه في اسبانيا وإيطاليا وبلدان البلقان وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر والمغرب. وبالطبع فرنسا حيث يوجّه تحية خاصة إلى فيلم «ماريوس» لمخرجه مارسيل بانيول، والذي يعتبره نموذجا للسينما «الفرنسية - المتوسطية».

إن هذا الكتاب هو بأحد وجوهه كتاب عن مهرجان مونبلييه الذي تأسس عام 1979 وعن الفن السابع في المنطقة المتوسطية بكل مشاربه وألوانه. ذلك: «أن من يقول سينما متوسطية، فإنه يحكي بالوقت نفسه عن تدفقات الأضواء وتداخل الجفاف بالمكان وباللهجات»، كما يكتب المؤلف. ويضيف أن هذه السينما المتوسطية و«فيما هو أبعد من كل الوقائع المادية، تشكّل طريقة بالتفكير... ورؤية فلسفية».

وفي إطار مثل الذهنية الشاملة لما يسميه المؤلف بالمجال المتوسطي الذي يمتد في تعريفه من البرتغال والغرب غربا حتى بلاد القوقاز، يقوم بدراسة السينما في البلدان المعنية باستثناء بلد واحد هو ليبيا «إذ ليس هناك سينما في بلد الرئيس القذافي»، كما يشير.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى صاحبة المكتبة «فانيت ديبامارد» التي يعرفها منذ أن كان يعمل بمجال التأمين، وهي التي «تقوده» اليوم من أجل «تغيير إيقاع الجمل التي يكتبها». وهو يصفها ب«مدرّبي»، على غرار مدرّبي فرق كرة القدم.

ولا يتردد المؤلف في القول ان «عشق السينما غيّر حياته». ويؤكد أن الإنسان «هذّب» بواسطة الصورة رؤيته للعالم وكذلك نمّى عقله النقدي. ثم أن الصورة زادت من سبل وزوايا النظر إلى الإنسانية و«التعبير بواسطة الصورة جاءنا من أعماق كهدف ما قبل التاريخ»، كما نقرأ. والمؤلف يجد رابطة «فن الرسم» والفن السينمائي.ويعتبر أنه من هذه الرابطة بالتحديد وُلد «فن الباروك» الذي قام في حوض المتوسط. ويصف هذا الفن بالقول: «لقد وُلد من كنف الحركة في البرتغال ومات عبر المبالغة في اللجوء إلى الزركشة والزينة في روما».

ويشرح المؤلف أن البحر المتوسط موجود بقوة في سينما بلدان حوضه. وفي سمائها الزرقاء إلى درجة أنها تميل إلى البياض. وفي ذلك المشهد الربيعي الممتد من توسكانا في إيطاليا حتى اليونان.

ويرى بيير بيتيو أن سينما جنوب المتوسط «مصنوعة» من هذا الضوء الساطع ومن «موسيقى الحياة» التي يبعثها، ومن السمات الأساسية التي يتم التأكيد عليها في السينما المتوسطية ذلك «المرح» المتوائم والمتصالح مع البحر المتوسط ذاته. هذه المشاعر كلها يتم تقاسمها على الشاشة. ذلك أن «سلطة السينما تتمثل في عيش الوهم وكأنه الواقع. وعندما يكون الفيلم جيدا وسط ظلام الصالة لا يمكن للمرء أن يقمع متعته».

وإذا كان المؤلف يؤكد على أهمية الشكل، وخاصة الضوء واللون، في السينما المتوسطية فإنه لا ينسى الحديث عن «مضمون» السينما المتوسطية. ذلك على خلفية حالة «الوعي» المتقدم في حالات كثيرة لدى العاملين في الحقل السينمائي. هذا ما يبدو من خلال المواضيع التي تتم مناقشتها وليس أقلها مسائل الهجرة والمهاجرين.

ذلك في ظل واقع العولمة التي جعلت من البحر المتوسط «ممرا»، وفي حالات كثيرة «قبرا» لآلاف المرشحين للهجرة صوب «الأمل» في أوروبا وبحثا عن مستقبل «أقل بؤسا». قضية المهاجرين ومغامرة البحر ورغبة الرحيل «لأسباب قاهرة»، هذه هي مواضيع عدة أفلام مغربية وجزائرية.

و«أوضاع المرأة» هي مادة مهمة أيضا لسينما جنوب المتوسط وليست قليلة هي الأفلام المصرية التي تتم الإشارة إليها والتي جعلت من مكانة المرأة في المجتمع موضوعا لها. وفي هذا السياق يدعو المؤلف قارئه إلى «عودة اكتشاف» السينما الإيطالية والاستمتاع بما تمتلكه من تفرّد.

الكتاب: البحر المتوسط، عبقرية السينما

تأليف: بيير بيتيو

الناشر: انديجين مونبلييه باريس 2009

الصفحات: 205 صفحة

القطع: المتوسط

Méditerranée, le génie du cinéma

Pierre Pitiot

Indigène - Montpellier (France) 2009

205p.