أصبح القمح والقهوة والكاكاو والأرز وعدد من المواد الأسلية حاضرة في الحياة اليومية للبشر إلى درجة أن البشر لم يعودوا يفكّرون بالدورات التجارية التي قادتها حتى منازلهم.
الصحفي والباحث الفرنسي يكرّس كتابا كاملا للحديث عن ما يسميه: «السطو على الأرز». إن المؤلف ينطلق في تحليلاته من ربيع عام 2008. ففي تلك الفترة عرفت مدينة «بورت اوبرانس»،عاصمة هاييتي، نوعا من المجاعة. ونزل الناس إلى الشوارع في القاهرة وداكار. وكانت الأحياء الفقيرة في مانيللا على حافة الانفجار. وفي هذه الحالات كلها كان هناك سبب واحد هو الارتفاع الكبير في أسعار مادة الأرز.
فلماذا كان ذلك الارتفاع في تلك الفترة؟ على هذا السؤال يحاول المؤلف الإجابة بتسعة فصول يتألف منها كتابه «السطو على الأرز» وتحمل العناوين التالية: «فلاحون متروكون على قارعة الطريق» و«الأزمة» و«الشح الوهمي» و«وسطاء هلعون» و«ليس هناك أرز في السفن» و«الهدوء» و«رد الفعل الإفريقي» و«ردود فعل البنك الدولي» ثم أخيرا: «حلول جديدة وأفكار قديمة».
وكي يقدم المؤلف إجاباته أجرى تحقيقات عديدة ميدانية لدى منتجي مادة الأرز ومصدّريها في تايلاند، ولدى التجّار الدوليين في جنيف والمستوردين في داكار وباماكو ومانيللا.
ومن خلال هذه التحقيقات كلها يدعو المؤلف قارئه لمرافقته في «كواليس» المنظومة المتعلقة بدورة الأرز، حيث ينتج الفلاحون الأكثر فقرا في آسيا من أجل التصدير أساسا للمستهلكين الفقراء في إفريقيا، حيث يشكل الأرز المادة الأساسية للتغذية لدى أغلبية السكان وحيث حلّت الحبّة البيضاء الصغيرة بسرعة مكان الأغذية التقليدية.
ويحاول المؤلف أن يشرح على مدى فصل كامل تحت عنوان «الأزمة» الآليات التي أدت إلى الأزمة الكبرى في ربيع عام 2008. وتتمثل أهم الأسباب التي يقدّمها في حالة الفساد القائمة على أعلى المستويات وأشكال الاحتكار المفرطة وعدم كفاءات الحكومات والدوائر الرسمية المسؤولة والقدر الكبير من الأنانية لدى البلدان المتطورة التي تتحكم بالأسعار عبر الأسواق التي تسيطر عليها ولعبة الشركات الدولية الكبرى العاملة في دورة تجارة الأرز. هذه الأسباب كلها تضافرت كي تعيق آليات العمل الطبيعية لتجارة مادة أولية. أساسية تؤمّن الغذاء الأساسي لنصف سكان البشرية تقريبا.
ويطرح المؤلف في هذا السياق السؤال التالي: هل الأزمة التي عرفتها أسواق الأرز في عام 2008 هي مجرد عاصفة عابرة أدّت إلى حالة شلل مؤقت أصبح ينتمي إلى الماضي ان هي تعبير عن حالة قابلة للتكرر في أي وقت؟ إن المؤلف يصل في تحليلاته إلى نتيجة أساسية مفادها أن كل المؤشرات تدعو إلى الاعتقاد أن أزمة جديدة في سوق الأرز يمكن أن تنشب بأية لحظة. وأن هذا يعني التهديد بندرة هذه المادة الأولية الأساسية وإذن التهديد والمجاعة كونية.
ويرى المؤلف أنه يكفي أن تقرر السلطات الهندية لسبب ما من الأسباب الانتخابية أو غيرها منع تصدير الأرز كي تقوم فيتنام مباشرة بالأمر نفسه وتتوقف تايلاند عن لعب دور «خابية» العالم. وهذا يعني الدخول مباشرة في مضاربات حول أسعار هذه المادة.
الإجراء الأول الذي قد يلجأ لها مالكو الأرز هو التوقف عن البيع بأمل الحصول على أسعار أعلى ويعملون من أجل ذلك على نشر أجواء الخوف من إمكانية نضوب هذه المادة. وهذا كان يرى فيه المؤلف مقدّمة لتكون «فقاعة» الأرز التي يخلقها المصدّرون والمستوردون وتجّار الجملة. وهذا ما حصل تحديدا في ربيع عام 2008.
وتدلّ بعض الإحصائيات التي يقدمها المؤلف أن الطلب على مادة الأرز في العالم يزداد بنسبة 2 بالمئة سنويا بينما لا تبلغ الزيادة في العرض سوى 1 بالمئة. ومثل هذا الواقع يتطلب تحرّك الحكومات واتخاذها إجراءات جديّة لمواجهة الوضع أو قيام المسؤولين عن زراعة الأرز بنوع من «الثورة الخضراء» الجديدة، أو أن الأكثر فقرا في العالم وخاصة في القارّة الإفريقية سوف يدفعون ثمن ذلك باهظا. وهذا يشكل بالوقت نفسه عامل نشوب اضطرابات اجتماعية، إذا لم يكن «ثورات جوع».
وما يتم التأكيد عليه في هذا السياق هو أنه، وفيما هو أبعد من المضاربات، هناك نتائج مأساوية للتخلّي كثيرا عن السياسات الزراعية لدى الدول الكبرى. يضاف إلى هذا واقع «الطريق المسدود» أمام تجارة دولية يُفترض أن مهمتها هي ضمان الأمن الغذائي للعالم.
وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول عن أسباب انطلاق أزمة 2008 ما مفاده: «كان الأرز متوفرا بكميات كافية. لكن سعره تضاعف خمس مرات خلال عدة أشهر لكون أنه لم يكن في الوقت المناسب بالمكان المناسب».
لكن المؤلف يؤكد على «خصوصية» سوق الأرز بالقياس إلى المواد الأولية الأساسية الأخرى.
نقرأ: «إن سوق الأرز يتميّز عن أسواق القمح أو البترول حيث يتم تحديد الأسعار في البورصات العالمية. سوق الأرز يقوم على قبول الطرفين وبسريّة كبيرة». ويتم البرهان في هذا الكتاب أنه إذا كان بعد الوسطاء في جنيف قد استفادوا من الارتفاع الباهظ للأسعار، فإن جميع «الداخلين» في الشبكة مارسوا المضاربة ابتداء من المصدّر التايلندي وحتى تجاّر الجملة في داكار ومرورا بالحكومات.
ويبقى الأرز هو أحد العناصر الأساسية في الأمن الغذائي العالمي. والبلد الأول في تصديره هي تايلاند بمعدّل 10 ملايين طن سنويا وإفريقيا تستورد نفس الكمية وتنتج أقل من ثلث هذه الكمية. لكن إذا كان الأفارقة «يحبون الأرز»، فليتم إنتاج الأرز في إفريقيا. تقول إحدى «الرسائل» الأساسية في الكتاب.
الكتاب: السطو على الأرز
تأليف: جان بيير بوريس
الناشر: فايار باريس 2010
الصفحات: 224 صفحة
القطع: المتوسط
Main basse sur le riz
Jean-Pierre Boris
Fayard - Paris ? 2010
224p.
