الصحافة تمثل سلطة. ومثل كل سلطة ينبغي أن تكون لها أخلاقياتها. والكل يعرف أن هناك ما يسمى ب(ميثاق الصحافة) الذي يحدد بوضوح واجبات العمل الصحافي والمسؤوليات الواقعة على كاهل أولئك الذين يمارسونه.

والصحافي الأميركي المخضرم الذي أمضى أكثر من 40 سنة بممارسة مهنة الصحافة يقدّم كتابا تحت عنوان: «الصحافي الأخلاقي» الذي يبحث فيه عن «اتخاذ القرارات المسؤولة في مجال متابعة الأخبار»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.في هذا الكتاب-الدليل يعقد المؤلف بشكل خاص على دراسة عدد من الحالات العيانية. ذلك على خلفية اعتقاده، وقوله في المقدمة، أن أغلبية الكتب التي تطمح إلى أن تكون بمثابة «دليل» في مهنة الصحافة بكل أنواعها المكتوبة والمرئية والمسموعة، والتي تبحث في «أخلاقيات الصحافة» لا تقدم في واقع الأمر أمثلة ملموسة عن الحالات العيانية التي توضّح الآليات الخاصة باتخاذ القرارات الأخلاقية الصعبة.

ويقدم المؤلف في هذا الكتاب توصيفا دقيقا ل»متطلبات المهنة»، كما يقدم بعملية «جرد» لعدد كبير من التجارب «الجيّدة» أو «السيئة» التي يواجه فيها الصحافيون والإعلاميون مواقف صعبة، بل «معضلات أخلاقية» من حيث اتخاذ القرار المسؤول المطلوب اتخاذه. وعناوين فصول الكتاب ذات دلالة على محتوى التحليلات المقدّمة إذ نقرأ من بينها: «صراعات المصالح» و»الولاءات الموزعة» و»صناعة القرارات الخاصة بأخبار ما هو شخصي، حميمي» و»المنظومة الأخلاقية في محيط تتطور فيه وسائل الإعلام».

ويحدد المؤلف سببين رئيسيين يدفعان الصحافي إلى ممارسة أخلاقية سليمة. السبب الأول هو «الواقع الأخلاقي» والسبب الثاني هو «الواقع العملي». الأوّل، الأخلاقي، يبدو واضحا من طبيعة الأشياء ومن الميل «الفطري» لدى البشر. ذلك أنه «هناك مكافأة معنوية وبسيكولوجية لدى المرء عندما يعرف أنه حاول أن يفعل أمرا جيدا».

أما «الواقع العملي» فإن المؤلف يؤكد على أنه أكثر تعقيدا ويتطلب بالتالي البحث أكثر. ويشير إلى أن «الصحافة الأخلاقية» تعطي بعد أجل من الوقت نتائجها وتغدو «مثمرة» من حيث المصداقية وإقبال الجمهور عليها عندما تثبت صحتها وموضوعيتها. و»هذا تتم ترجمته عبر النجاح التجاري».

إن «الواقع الأخلاقي» لممارسة صحافة مسؤولة له أيضا مردوده «المادّي». وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: «يمكن للصحافة الأخلاقية أن تكون أيضا صحافة مربحة تؤمّن حياة الصحفيين وحياة أسرهم، إلى جانب المكسب المادي للمستثمرين في وسائل الإعلام من صحف ومحطات بث ومؤسسات الأخبار عبر شبكات الانترنت».

ويطرح المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب-الدليل مسائل المصداقية والعلاقة مع الجمهور، ليؤكد في جميع الحالات أن المسألة هي مسألة واقع أكثر مما هي مسألة «علاقات عامة». وفي جميع الحالات يتم التأكيد على أهمية أن «يرى أغلبية الصحفيين في مهنتهم عملا نبيلا يخدم المصلحة العامة». وبالتالي يجدون الدوافع العميقة لتبنّي «سلوكية أخلاقية» والعمل بنفس الوقت إلى «تجنب التزييف والخطأ» بأكبر قدر ممكن.

إن مؤلف هذا الكتاب يعود في الكثير من تحليلاته إلى تجربته الخاصة الطويلة في عالم الصحافة من أجل أن يقدم للصحفيين الذين يتطلّعون إلى «ممارسة أخلاقية» لمهنتهم الأدوات التي تساعدهم في اتخاذ «قرارات مهنية مسؤولة»، كما يستعرض في الكتاب أكثر من عشرين حالة تغطي مختلف ميادين العمل الصحفي والتي تتطلب كلها التفكير باحترام «التباينات اللونية» وليس الخيار الصارم بين «الأسود والأبيض».

هذا التفكير مطلوب، خاصة أن المشهد الأخلاقي لعالم الصحافة «ملطّخ بالكثير من الأسئلة الصعبة والتي يعضها قديم قِدم الآلة الكاتبة». ولكن بعضها «حديث حداثة شبكات الانترنت». وبكل الحالات من المطلوب أن «يطوّر الصحفيون» نوعا من الحس الأخلاقي القوي منذ فترة دراساتهم لمنتهم، وهكذا «يجد هذا الحس الأخلاقي صداه في عملهم لاحقا».

وعبر هذا العمل: «الصحفي الأخلاقي» يحاول المؤلف أن يقدّم توصيفا للميادين التي تُطرح فيها غالبا المسائل الأخلاقية في الممارسات الصحفية الحديثة. ويؤكد على أهمية «التفكير» المنفتح بعيدا عن الأحكام القاطعة المانعة.

ومن المبادئ التي يتم التأكيد عليها ضرورة الانتقال إلى «ميدان» الأحداث، و»البحث خاصة عما يُراد إخفاؤه والأمانة في تقديم المعلومات والتحلي بالمسؤولية، وبالكفاءة، وطرح الأسئلة دائما على الذات، وعدم نسيان أن حق الإعلام هو حق أساسي لجميع الأشخاص.

الكتاب: الصحافي الأخلاقي

تأليف: جين فورمان

الناشر: ويلي بلاكويل نيويورك 2009

الصفحات: 432 صفحة

القطع :

المتوسط

The ethical journalist

Gene Foreman

Wiley Blackwell New York 2009

432p.