كتاب « الجيش في العصر المملوكي الثاني»، لمؤلفه الدكتور محمد العمايرة، والصادر عن كنوز المعرفة للنشر والتوزيع ـ عمان ـ 2010، الضوء على نظم المماليك العسكرية في دولتهم الثانية (أنشئت دولتهم الأولى في عام 648ه/1250م)، من حيث البنية والتنظيم والإدارة والتركيبة البشرية.

ويشير المؤلف إلى انه صاحب نشأة دولة المماليك وجيشها، ظروفاً سياسية وعسكرية حرجة، تمثلت في وجود الحملة الفرنجية، وظهور المغول وسيطرتهم على شرق العالم الإسلامي ودولة الخلافة العباسية، وتفكك البيت الأيوبي، ما أثر على تنوع التركيبة البشرية للجيش، الذي تكون بالتالي من عناصر مختلفة من الترك والشراكسة (لفظ يعني الرجال الأربعة الممثلين لقبائل الشركس الأربع الرئيسية:

سركس ـ أركس ـ كسا ـ آص)، وأيضا الروم والتتار والعبيد، وعناصر من العربان والتركمان والأكراد. وأطلق اسم الترك على سكان سهول آسيا الوسطى حول حوض نهر «إرتش». وهم شعوب بدوية قبلية تعرضت لغارات التتار ضمن التوسع نحو الغرب.

ويبين العمايرة أنه جاءت سياسة المماليك في جلب الأتراك، استمراراً لما اعتاد عليه البيت الأيوبي في جلب واستخدام هذا العنصر في جيوشهم، وهو الأمر الذي بلغ ذروته أيام الصالح نجم الدين أيوب (637-647ه/ 1239-1249م)، الذي أسس فرقة المماليك البحرية وأسكنها جزيرة الروضة، والتي استطاعت بعد وفاته أن تنهي الوجود الأجنبي في دمياط (مدينة ساحلية شمال مصر على البحر المتوسط)، وأسست لحكم المماليك في مصر، ومن هذه الفرقة تأسست نواة الجيش المملوكي.

ويوضح المؤلف انه اعتمد جيش المماليك على وحدة بشرية هي «المملوك»، واعتبر محوراً للبنية العسكرية، أفراداً ومؤسسات، وأطلقت تلك اللفظة على الرقيق الأبيض، ومع أن المملوك في اللغة يعني العبد، إلا أن فروقاً واضحة يمكن ملاحظتها بين العبد والمملوك، فالعبد يولد من الرقيق الأسود، في حين يولد المملوك من أبوين حرين، في الغالب، حتى يتم بيعه.

وهناك عناصر أخرى لم يجر عليها الرق، مثل أبناء المماليك والعناصر الوافدة التي دخلت الجيش بإرادتها. وتنوعت مصادر الحصول على المماليك، سواءً من التجارة، أو الهدايا، علاوة على أسرى الحروب.

وينتقل العمايرة ليطلعنا على أنه تكون جيش الماليك من عدة فرق رئيسة، وهي: المماليك السلطانية، ومماليك الأمراء، وأجناد الحلقة، والفرق المحلية والمستجدة الأخرى. وتشكلت المماليك السلطانية من مشتروات السلطان من المماليك (الجلبان). والمستخدمون وهم المماليك القدامى المنتقلين إلى خدمة السلطان الجديد. ومماليك الأمراء، وهم أملاك الأمراء كلٍ بحسب ما تسمح له رتبته العسكرية وثروته، ويشكلون جيش الأمير الخاص وهم في خدمته وقت السلم، وفي معيته وقت الحرب.

وأجناد الحلقة، وهم المختارون لحراسة القلعة، وحفظ أبواب القاهرة في غياب العسكر، وتقديم الخيول عند الاستعداد للسفر. والفرق المستجدة، وهي أول من استخدم السلاح الناري (البنادق) في العام 895ه/1489م، في عهد السلطان قايتباي. والفرق المحلية، وهي فرق مساندة للجيش تتكون من العربان والأكراد والتركمان من الذين قدموا للخدمة العسكرية نظير الحصول على امتيازات من السلطان.

ويلفت الدكتور العمايرة إلى أن نظام الرتب العسكرية عند المماليك، كان من أهم وأبرز أنظمة القيادة العسكرية في تلك الفترة، وأخذها المماليك عن المغول وطوروها. وشملت الرتب أمراء الجيش، وشكلت طبقة مقدمي الألوف صفوة قادة الجيش المملوكي، ومنها وصل بعض الأمراء إلى السلطنة، وحظيت باقي الرتب بامتيازات خاصة من حيث إقطاعياتها ورواتبها ووظائفه

وارتبط بنظام الرتب العسكرية نظامي التقاعد والترقية. وكانت المخصصات العينية اسكمالاً للنفقات النقدية على أفراد الجيش، من كسوة ولحوم وخيول وأعلاف، والتي خضع بعضها لنظام المرتب الثابت المنتظم، وبعضها الآخر على سبيل الهدايا والنعم السلطانية، وهو الأمر الذي كان يختلف ما بين وقت السلم ووقت الحرب.

وقام على إدارة الشؤون المالية والإقطاعية للجيش دواوين هامة في عصر دولة المماليك الثانية، أهمها ديوان الجيش الذي كان بمثابة المسؤول الأول عن إدارة وتوزيع وتنظيم وتوثيق الإقطاعات.

وأنشئت دواوين خاصة لإدارة النفقات النقدية والعينية، مثل: ديوان المفرد والذي أنشأه السلطان برقرق عام 797ه/1394م، وسمي «ديوان الاستادارية» لإدارة جاميكات المماليك السلطانية وتوفير الأموال اللازمة، وأشرف ديوان الوزارة على توزيع المواد الغذائية المختلفة للأفراد والدواب، وديوان الخاص الذي ترأسه ناظر الخاصة الشريفة، حيث خصص جانباُ من أعماله للصرف على كسوة المماليك السلطانية.

وهناك دواوين مساعدة، مثل: ديوان المرتجع، وديوان الذخيرة، وديوان الإسطبلات. وأسند الإشراف على الفرق العسكرية، كلٍ حسب مرتباتها، فالمماليك السلطانية أشرف على إدارتها الطواشية وبعض الأمراء، وأجناد الحلقة أشرف عليهم نقباء ومقدمين، و فرق مماليك الأمراء كانت تحت الإشراف المباشر لكل أمير من حيث تكاليف الشراء والتدريب والقيادة والإنفاق.

وكانت السلاحاخانة (بيت السلاح أو السلاحليك) من أهم مؤسسات توفير وصيانة وتجهيز وتوزيع مختلف أنواع الأسلحة، وكانت تحت إمرة اثنين من كبار الأمراء، هما أمير السلاح وأمير جاندار المسؤول عن اعتقال كبار الأمراء من الذين كانوا يعتقلون لأسباب مختلفة، يتعلق معظمها بالولاء أو بالطمع في السلطة، وكان مكان الاعتقال هو السلاح خاناه. وكان لقضاء العسكر دور في التعبير عن حرص المماليك على إدارة الخصومات العسكرية التي تنشأ بين أفراد الجيش من الأمراء والمماليك.

محمد جمعة

الكتاب: الجيش في العصر المملوكي

الثاني784- 923ه

تأليف: د. محمد سالم العمايرة

الناشر: كنوز المعرفة للنشر والتوزيع

عمان2010

الصفحات: 240 صفحة

القطع: الكبير