ظل باموق يتأرجح بين الطربوش والقبعة في روايته الجديدة(متحف البراءة) مازجاً كل حدث بمعلومة تاريخية لها جذورها في المجتمع التركي، ومحولاً مدينته اسطنبول إلى متحف للذاكرة أو البراءة أورهان باموق، روائي تركي فاز بجائزة نوبل للآداب، لعام 2006م. من مواليد إسطنبول في 7 يونيو عام 1952م، وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة، وترجمت أعماله إلى 34 لغة حتى الآن، ويقرأه الناس في أكثر من 100 دولة.
ومنذ عام 1990م، بدأت روايات أورهان باموق تشق طريقها نحو الترجمات العالمية، وخاصة مع روايته الثالثة (القلعة البيضاء) التي لقيت حفاوة في الأوساط النقدية الغربية، فكتبت (نيويورك تايمز) أن مبدعاً كبيراً ولد في الشرق. ومنذ تلك اللحظة، بدأ النقد يقارنه بجويس وموزيل وكافكا وكالفينو وبول اويستر وهاروكي موراكامي.
وجاءت جوائز «امباك» عام 2003م و«الكتاب الألمانية» عام 2005م و«نوبل طعام 2006م، لتطلق شهرته في العالم، وتكرسه كأحد الكتّاب العالميين. وظلت تجربة باموق متجذرة في تقاليد الرواية الأوروبية، فهو ابن مدرسة الرواية الأوروبية وممثليها: دوستويفسكي وبروست وجويس وناباكوف وبورخيس وفولكنر.
فهو من الكتاب الأتراك القلائل، الذين تميزوا بصفة الجرأة التامة، إذ تجرأ على القول، دون مواربة، بإنه (كان يكتب بعين مفتوحة على الغرب).وظل باموق يتأرجح بين الطربوش والقبعة في روايته الجديدة(متحف البراءة)، مازجاً كل حدث بمعلومة تاريخية لها جذورها في المجتمع التركي.
تجري أحداث هذه الرواية، كما في معظم رواياته، في مدينته اسطنبول. وكالمعتاد يتنازع أبطاله في هوياتهم ما بين التقليد والحداثة والصراع بين الحداثة والأصالة، فشخصية كمال بسمجي(30 عاماً)، ابن صاحب المصانع الثري من مدينة اسطنبول، مرسومة بوضوح في هذه الرواية: درس في الولايات المتحدة وهو يدير شركة النسيج بوصفه خلفًا لوالده، وهو يحلم بخطيبته سيبِل، ابنة الدبلوماسي، والتي تنتمي مثله للطبقة الراقية في اسطنبول في السبعينيات.
ويبدو كل شيءٍ في حياة هذا الشاب متجهًا نحو النجاح لولا لقائه المفاجئ مع فوسون، ابنة الثامنة عشرة، التي تعمل بائعةً في أحد المحلات التجارية، وهذا رغم تصميمه على الزواج من الفتاة سيبل.
وعلى الرغم من ظهوره بالمظهر المتطور والمتأمرك، لكنه يرتبط بالتقاليد الأبوية القديمة لأنها متجذرة في وجدانه وعاشت معه منذ مراهقته حتى سنوات نضوجه وبلوغه ووعيه.
ليست أحداث الرواية مهمة، فالنص لا يكشف لنا عن صورة الشخصيتين فوسون أو سيبل، وما يهم هو ما يكشفه لنا كمال عن نفسه ومدينته وقدره. وفي الحقيقة أن باموق استغل قصة الحب الحقيقية أو الوهمية من أجل أن يستحضر كل تشابكات التاريخ وخلطها ببعض من أجل الوصول إلى عصر البراءة، الذي ضاع في أتون تعقيدات المجتمع الحديث الذي فقد هويته لكي يغرق في أوهام الآخر.
ولذلك فإن كل تفصيل من ( متحف البراءة) يحمل الكثير من الدلالات التاريخية والثقافية والسياسة، ويفتح باباً على التفسير والقراءة ويمنح القارئ أفكاراً ممتعة حول مدينة واحدة، فهو يراها بكل العيون ويكتب عنها بكل الحواس، إن صح التعبير.
ويتخيل الروائي كل تاريخ المدينة من خلال شقة معتمة مليئة بالتحف وذكريات الماضي، ويمنح القارئ موسوعة أدبية متكاملة بالحواس والمشاعر والعواطف عن مدينته اسطنبول، والتي اختلف زوارها في تقييمها أو وصفها، فأصبحت المدينة عالماً وأصبح العالم مدينة.إن فكرة الرواية قديمة، حيث بدأ الروائي التركي باموق العمل عليها منذ سنوات، وقد وضعها جانباً مرات عديدة، وتركها تختمر وتنضج لينجزها ويضعها أمام القارئ.
باموق الذي وصف الرواية بأنها أجمل لحظات حياته لأنها تروي حكاية إعجاب وصداقة وحب بين كمال، الذي تلقى تعليمه في أكبر وأهم مدارس وجامعات المدينة فهو وحيد الأسرة الغنية التي تعيش في أرقى أحياء اسطنبول- وبين فوسون، ابنة أحد الأقارب الفقراء، والتي عاشت وتربت وسط بيئة متواضعة. فقد زار باموق عشرات المتاحف العالمية، ليقرر بعدها كتابة روايته التي تخلط بين السيرة الذاتية والمنهج الروائي، ويسرد أبطاله من صناعة السينما التركية في مطلع الثمانينيات، وطريقة تعاملها مع النجوم الجدد.
ويتحدث باموق عن المعايير الجنسية المزدوجة في المجتمع التركي، الذي يتظاهر في العلن بسلوكه الغربي الراقي، وبين تعلقه بالأفكار التقليدية عن المرأة التي يشترط عليها المجتمع أن تكون عذراء قبل دخول قفص الزوجية، وهنا يتصرف كمال بكل ازدواجية، وهو الذي تربى في ظل الثقافة الإسلامية التي تقدس العفة، فيصطدم بالسلوك الغربي الذي آمن به، ولكنه لا يستطيع تطبيقه عملياً.
ويستوحي الكاتب مراجعه من الأدب والتاريخ والحكايات والثقافة الشعبية والسينما التركية والموسيقى وكتابات المستشرقين وآراء من دوستويفسكي إلى بروست وناباكوف، وآخرين تحضر أسماؤهم هنا وهناك في سياق سرد قصة حب البطل.
(متحف البراءة) تحكي عن متحف مليء بالأشياء، ولكل شيء حكاية، وكل حكاية تأخذ موقعها في الرواية. ومحتويات المتحف هي التي تتحكم في تسيير الأحداث، من الانقلاب العسكري في مطلع الثمانينيات، إلى صناعة السينما في تركيا وفنادق الخمسة نجوم، التي تفتح أبوابها أمام العشاق.
فهي رواية عن العشاق في فترة من تاريخ تركيا، ولكن الرواية كذلك ليست عن العشاق أيضاً، لأنها تستحضر تاريخ هذا البلد من خلال قصة حب. و(متحف البراءة)، يعتبرها البعض نسخة ناباكوفية تركية (لوليتا تركية)، تعود بنا إلى عصر البراءة. ولكنها تبدو أكثر تجريبية من غيرها من روايات باموق السبع السابقة، سواء من ناحية الأسلوب الذي يعتمد على المراوغة وخلط الأدوار بعضها بالبعض الآخر بين الشخصيات وبين شخصيته كراو أو كاتب. ومن هنا تنبع المتعة الروائية المبدعة عند القراءة.
الكتاب: متحف البراءة
تأليف: أورهان باموق
الناشر: كنومبف
الصفحات: 560 صفحة
The Museum of Innocence
by Orhan Pamuk
Publisher: Knopf 2009)
560 .P
