عقب فوز الروائي الأميركي بول هاردينغ بجائزة بوليتزر عن روايته «مصلحو الساعات» ،بادرت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى تدارك تجاهلها التام للرواية لدى صدورها عن دار بلفيو الصغيرة للنشر، وأجرت مقابلة مع هاردينغ أكد فيها أن فوزه بالجائزة البارزة قد يغير ظروفه، لكنه لن يؤثر على طريقة عمله، مشيراً إلى أن الرواية الأولى من الروايتين اللتين تعاقدت دار راندووم هاوس الشهيرة معه على تأليفهما ستدور حول حياة حفيد بطل روايته الأولى، وأعرب عن اعتقاده بأن دور النشر والمكتبات الصغيرة هي التي تنطلق قدما بعالم الإبداع الأدبي العالمي اليوم. وفيما يلي نص الحوار:
قبل ست سنوات، كان بول هاردينغ مجرد خريج آخر من خريجي ورشة آيو للكتاب يعلق آمالاً على نشر رواية محدودة الصفحات، وقد أرسل نسخاً من مخطوطة الرواية، التي تضمنت تداخلاً بين ذكريات مصلح للساعات يحتضر في نيوانجلاند وذكرياته عن أبيه، إلى عدد من الوكلاء والمحررين في نيويورك، وسرعان ما بدأت رسائل رفض النشر في التوالي عليه.
وهو يقول في لقاء معه في أحد مطاعم أيوا سيتي: «ألقوا عليَّ محاضرات حول إيقاع الحياة اليوم. ولم يرد أحد منهم قراءة كتاب هادئ، بطئ الايقاع، ومفعم بالتأمل والتفكير».
ويوضح أن المخطوطة استقرت في أحد أدراج مكتبه على امتداد ثلاث سنوات، ولكن في إطار إحدى أغرب قصص الحياة الأدبية الأميركية لم يعثر هاردينغ على ناشر لروايته فحسب، هو دار بيلفيو الأدبية، وإنما فاز عن الرواية بجائزة بوليتزر للرواية والقصة، أخيراً، وفي غضون ساعة من إعلان بوليتزر عن فوزه بعثت دار راندووم هاوس بنشرة صحافية لكل من يعنيه الأمر تتباهى فيه، بأنها تعاقدت معه على نشر روايتين، وبعد أيام أعلنت مؤسسة غوغنهايم عن منحه زمالتها المرموقة.
ويقول هاردينغ إن وسائل رفض النشر المتوالية التي انهالت عليه في ذلك الوقت كانت مضحكة في حينه، وأنها الآن أكثر إثارة للضحك. غير أنه من الحرص يصر على عدم الإعلان عن أسماء الوكلاء والمحررين الذين رفضوا لمس روايته، قبل سنوات قلائل.
وبالمقابل، فإنه يحرص على الإشادة بمن ساعدوا في جعل «مصلحو الساعات« إحدى الروايات الأثيرة لدى المكتبات المستقلة، وعلى رأسهم إريكا غولدمان، مديرة التحرير في دار بيلغيو للنشر، والتي يصفها هاردينغ بأنها «قارئة عميقة التعاطف» وليز سولومون، مندوبة المبيعات في كونسرتيوم كاليفورنيا الشمالية، موزعة الكتاب، والتي روجت له في العديد من دوائر النقاد والمكتبات.
ويعرب هاردينغ عن شعوره بالمرارة من أن الرواية اختفت من الرادار تماماً في بعض الدوائر، ومنها صحيفة »نيويورك تايمز« التي لم تنشر عرضاً للرواية، إلا أنها أطلت في قوائم أفضل الكتب في نهاية العام في العديد من المجلات والمطبوعات، ومنها مجلة »نيويوركر« وقد وصلت » مصلحو الساعات« قبل فوزها بجائزة بوليتزر إلى بيع سبعة آلاف نسخة، فهو رقم شديد التواضع بمعايير صناعة النشر والتوزيع الأميركية.
ويتحدث هاردينغ خلال الحوار معه بحماس، ومن دون أن يكبح جماح كلماته، على النقيض تماماً في الأب والابن اللذين يقدمهما في »مصلحو الساعات«، وهي رواية تتسم بمحدودية مقاطع الحوار فيها، وبالمقاطع الطويلة التي تدور في أذهان الشخصيات.
ويدور إطار الرواية في أحد أبعاده حول السهر حول فراش العجوز جورج واشنطن كروسبي، مصلح الساعات الذي يرقد محتضراً في فراش، أعد له في غرفة معيشته في داره في نيو إنجلاند، ويضرب الكتاب في الزمن وفي الوعي، واصفاً التفاصيل الدقيقة للمياه الريفية في مين ونوبات الصرع التي يصاب بها هوارد، والد جورج، وهو مصلح ساعات وبائع جوال ينطلق في أرجاء الريف بعربته العتيقة التي يجرها حصان.
ويقول هاردينغ إن تكوين الرواية مستمد من شخصية جده، الذي نشأ في ريف مين، والذي تخلى أبوه المصاب بالصرع عن عائلته، عندما علم بأن زوجته تخطط لإبداعه إحدى المصحات.
ويوضح الفائز بجائزة بوليتزر في الرواية أنه أمضى طفولته في وينهام بولاية ماساشوستس، وهي بلدة لا تقع بعيداً عن المكان الذي يقيم فيه مع زوجته وابنتيه. وقد تعلم تصليح الساعات من جده، وبعد تخرجه من الجامعة سجل ألبومين غنائيين مع فرقة »كولد ووتر فلات« التي ساعد في تكوينها في جامعة ماساشوستس وقام معها بجولة غنائية في أوروبا، غير أن الخلافات الإبداعية أدت إلى حل الفرقة، فالتحق بمساحة للكتابة الإبداعية في سكيرمور كوليج.
ومع طلب التحاقه بورشة أيوا للكتاب قدم قصتين، كانت إحداهما تشكل القسم الأول من رواية »مصلحو الساعات«. غير أنه طوال معظم الوقت الذي أمضاه في ورشة أيوا للكتاب اشتغل على رواية تدور حول حبيبة في الثانية عشرة من عمرها، تتنكر في هيئة صبي، لكن تتمكن من العمل في منجم مكسيكي للفضة، خلال القرن السادس عشر، ولدى تخرجه من الورشة، أدرك أن هذه الرواية لن يقدر لها التكامل والإطلال في صورتها النهائية.
ومن جديد استقطبت قصة جده، فعاد للاشتغال عليها، وهو يقول في هذا الصدد: «كان أمراً يدعو إلى الشعور بالارتياح الا انه اضطر للعكوف على كتب التاريخ».
وبعد ميلاد ابنه الأول، وعمله بالتدريس في جامعة هارفارد وتدريس الكتابة الإبداعية في مدرسة ليلية أصبحت الرواية مشروعاً خارج المقرر كما يصفه، وهكذا كان يبادر إلى فتح الكمبيوتر النقال وبدء الكتابة في إطار الرواية حيثما استطاع.
وهو يشير إلى أن الأمور وصلت به إلى حد الكتابة على مؤشرات صفحات الكتب وعلى ظهر الإيصالات وأي ورقة تقع في يده، ثم يقوم بنقل فحوى هذه الأوراق إلى الكمبيوتر في وقت لاحق.
أخيراً وذات ليلة سبت أكمل كتابة المخطوط على كمبيوتره العتيق، وأعده بالشكل الذي سيشق طريقة أخيراً للنشر وبعد موافقة غولدمان على نشر الكتاب، ودفع ألف دولار كمقدم له، بدأت الأمور تمضى في طريقها.
وعلى الرغم من أن هذا المبلغ يشكل جزءا ضئيلاً مما تدفعه دور النشر الأميركية عادة كمقدم لنشر رواية، إلا أن هاردينغ لم يعرب عن الشكوى، بل اعتقد أن الوصول إلى هذه المرحلة من نشر روايته الأولى هو انجاز حقيقي.
وهو ويقول إن يعمل حالياً على روايته المقبلة، التي تدور أحداثها، في إينون، وهي بلدة متخيلة، يموت فيها جورج، بطل روايته الأولى، ولكن الرواية الجديدة تركز على شارلي حفيد جورج وعلى كاتي، ابنة شارلي.
ويضيف: «ربما تغير جائزة بوليتزر ظروفي، ولكنها لن تغير الكيفية التي أعمل بها.
وهو يختتم الحوار معه بالقول: «إنني أعرف كيف وصلت إلى هنا، أعرف كل خطوة قطعتها على الطريق، ويمكن لشيء كهذا أن يحدث لي، ولن يكون نجاحاً كارثياً».
منى مدكور
