إما رشوة للمدير، أو هدية له بمناسبة عيد الاستقلال، أو حلوان صفقة سيراميك كبيرة، وهي أسماء لمسمى واحد في الدوائر الحكومية غير الدائرية وغير الموقرة.
ولي بابا يظن أنّ كل موظف حكومي لص «على رأس عمله»، أو لص نائم سيستيقظ إن سنحت له الفرصة. شعار ولي بابا ومثله الأعلى «حلال عَ الشاطر»، والذي يعني حكماً؛ «حرام على القاصر»!وصل إلى قاعة الفرن، واتصل بالحرس مستفسرا عن الكبش، فقال له الحارس سعدون الأشقر: هدية للمدير من أحد الزبائن.. ولكن الكبش هرب يا أستاذ.هرب.. أين سيهرب من ولي بابا؟ولي بابا شخصية ديناصورية فريدة ليس لها مثيل، يشبه الغوريلا في ضخامته، ويبلغ به البخل أنه قادر على حلب النملة وقلي بيوضها بطريقة العيون (الصفار مثل العين وسط هلام البياض)! تخرج مهندساً من الاتحاد السوفييتي المرحوم. أوفد إلى هنالك بعد أن أصبح مناضلاً، والنضال كان محصوراً في إبداء إعجابه بلينين وستالين وتشي غيفارا وتشي كاسترو وإسرافه في لصق صورهم على الحيطان..
لا يعود «تشي ولي بابا» من عمله إلى الدار خالي اليد أبدا، فهو صاحب معجزات دائمة. كل يوم يغلف لوحاً من السيراميك بجريدة قديمة ؟ فهو يبخل على شراء جريدة جديدة، وغالباً ما يغنم جرائده من أحد الزملاء- ويخرج بعد التوقيع على دفتر الدوام.
واستطاع أن يكسو داره داخلاً وخارجاً بالسيراميك الوطني البراق! وقد احتاط لانكشاف سرقاته؛ فإذا ما حدث وسقط اللوح من يده - لا قدر الله - لسبب أو آخر، أو تجرأ حارس متهور أحمق وسأله عن الجريدة ليحل كلماتها المتقاطعة، فسيقول عندها: لوح وحيد أخذته من أجل رسم خريطة الوطن، أو لرسم.. وهي أعذار تجعل السائل محرجاً، فكل شيء مباح من أجل رسم الوطن أو.. !
وقد سئل مراراً من قبل زملائه في باص العودة أن يعيرها للقراءة فأبى: يا أخي إذا كنتم تحبون الثقافة اشتروا.. ثمنها خمس نكلات فقط! إنه لا يعيرها حتى لقراءة الأبراج كي لا تنكشف كلمة السر في الكلمات المتقاطعة، أو يعرف أحد طالع الشركة المنكوبة بأمثاله!
يبرر لزوجته المعجبة بفهلوته: الجميع يسرقون وحلال عَ الشاطر. وزوجته مأخوذة بمواهب زوجها البهلوان الذي يأكل رأس الحية ويلعب بالبيضة والحجر ويسرق الكحل من عين الخلد، وقد تزوج واحدة من بنات بلده، ليس مثل غالب زملائه الذين أوفدوا إلى جنة الاشتراكية وعادوا بزوجات روسيات صابرات على شظف العيش في البلاد غير الباردة. قالت له زوجه مرة مباركة: أظن انك وراء سقوط الاتحاد السوفييتي الظالم يا أبو حسن.
تفسيره لإقبال الروسيات على الزواج من شبابنا المناضل هو أنهم مناضلون بأسلون في حروب الباه ولهم أعياد ميلاد بعدد أيام السنة! وقد سئل مرة: لمَ لم تتزوج روسية؟.. على الأقل من أجل الجنسية يا أستاذ ولي؟
فيقول بانتقاص: أنا أتزوج روسية عاهرة..؟ الروس شعب...
ويشتم ولييف باباييف ناسياً أن لحم أكتافه من خير روسيا، ولعل له بنين وبنات في روسيا من غير أن يعلم!
كما سئل مرة مع غمزة عن درجة حرارة الشقراوات الروسيات؟ فقال: ليس عندهن ما «يغنم» سوى أجسادهن! السؤال هو: هل فكر بسرقة عضو من أعضائهن؛ المرارة، الكلية، إحدى العينين...؟
ويشرح لزوجته رضوى طريقة تحصيله لسرقاته التي يسميها «تنفيعات»: إنني أدهن نفسي بزيت يجعلني غير مرئي، يجعلني رجلاً خفياً. يا أم حسن.
أما الزيت فهو زيت الوطنية والمبالغة في ادعاء الولاء والاستعراض الوطني.. بلغت به الجرأة مرة انه اخرج رزمة من ألواح السيراميك معه عياناً بياناً أمام الجميع، وقال وهو يخرجها أمام عيون الحرس: هذه من اجل ترميم قاعدة النصب التذكاري للجندي المعلوم في الساحة الكبيرة.
ولي بابا لا يستحم إلا في العمل كي يوفر على نفسه أجرة تسخين الماء في بيته، وهو بعد الاستحمام الذي يهدر فيه ماء يكفي لغسل فروة فيل ماموث. يقوم بجولة على العمال، وغالباً ما يجد مجموعة منهمكة في الفطور أو الغداء أو العشاء بحسب موعد المناوبة، فيضطرون لدعوته فيندس إليهم ويأكل بلا هوادة.
وهو المكلف الدائم من قبل زملائه المهندسين بشراء لوازم المشروبات الساخنة والأطعمة في الوردية الرابعة باعتباره الوحيد المقيم في المدينة، فيأكل ويشرب مجاناً، وهم يعلمون بأنه يسرق من الجمعية، أو على الأقل لا يدفع حصته، لكن ما باليد حيلة. ومن كراماته أنه مرب فاضل؛ فهو يتصل كثيراً بأولاده على هاتف العمل، وأحياناً يحلّ مسائل رياضيات لهم في مكالمات طويلة، وينهرهم بصوت عال أمام الزملاء صارخاً: يا حسن.. إياك أن تضرب أختك!!
الآن وقت الدراسة يا حسن. أريدك أن تتوقف يا حسن. إذا عدت إلى البيت سترى العقوبة يا حسن.
وأحياناً يصرخ فيه: يا حسن يا حمار.. بسيطة يا ابن الكلب. سأعود وأضعك في سيبريا. ولعل سيبريا غرفة مظلمة في داره أو ما شابه.
هذه التهديدات تجعل الزملاء يرتجفون خوفاً أو قرفاً، فهو مؤذ و«خطه حلو»؛ أي أنه ملفق وشايات سيبرية وطنية مهلكة!
.. وفي معمل السيراميك بضع أشجار؛ داليتان وبعض أشجار اللوز، نمت وحدها من أغصان أو أقلام حملتها الريح الكريمة أو تبرع بها عمال متطوعون كي يستظلوا في ساعات الاستراحة، وما إن يحل الصيف حتى يكون ولي بابا أول من يبدأ موسم الحصاد، فيبدأ بالغزو المبكر، فيقطف العنب حصرماً ويشربه عصيراً.
كما يجني أوراق الكرمة من اجل وجبة «اليبرق» التي يحبها، وينهب اللوز عجرا، وإذا ما حدث وسبقه احد ما في احد المواسم فإنه يمر على أقسام العمل ويشتم ابن الحرام الذي سرق «المال العام»، ويسبّ هذا الشعب الحقير الذي لا يترك شجرة تسبح ربها. ثم يقول إن شعبا كهذا يحتاج إلى ستالين كي يربيه. أين أنت يا رفيق ستالين؟
أما إذا صادف يوم استراحته يوم عيد وطني، وفي الأيام الوطنية قد تتبرع الدولة ببعض المال لشراء حلويات للعمال حتى يتذكروا طعم الاستقلال أو طعم النصر، فإنه يلغي استراحته، ويهرع إلى الشركة حتى يتحلى وينتصر على الاستعمار بالسكر، وهو ينتصر بطريقة عجيبة، فإذا كان حظ العامل من التحلية قطعة أو فطيرة أو حبة شوكولاته، فإن ولي لا يكتفي بأقل من خمس قطع، مع أنه مصاب باستعمار الشحوم في الدم وانتداب السكر في البول!
أما ذكريات علي بابا ؟ هكذا يدعوه زملاؤه سراً- التي يسردها عن أيام الدراسة في الاتحاد السوفييتي فهي إحدى سرديتين: إما هي سردية ذكريات احتفالاته بعيد ميلاده اليومية، وهي طريقة معروفة «لسبي» الروسيات في ليال صاخبة حمراء نارية تنتهي نهاية بنفسجية، وقد اعترف بأنه سبى أكثر من 175 سبية شقراء في حفلات ميلاده، أو يتحدث عن براعته في تدبير معيشة فاخرة بالتهريب من الوطن وإلى الاتحاد السوفييتي وبالعكس.
كان ولي يتاجر ببنطلونات الجينز وحمالات الصدر وعلكة الشيكلتس من الوطن الأبي، ومن هناك يعود في العطلة الصيفية بأكياس الجوز والأدوات الكهربائية وصناديق الشطرنج..
وقد ارتابت المخابرات الجمركية السوفييتية في تهريبه للعملة الصعبة في السنة الأخيرة لكنها عجزت عن اكتشاف طريقته المبتكرة، فعمد زعيم جمارك المطار إلى دعوته إلى مكتبه، وهناك وقع له وثيقة تجيز له التجارة بما يشاء، شرط أن يكشف طريقة تهريبه للعملة، ولما آنس منهم الثقة والعهد، أو لأنه كان في السنة الأخيرة من الدراسة، كشف وسيلته في تهريب العملة، وهي طريقة لم تخطر على بال شيطان، مدّ ولي بابا يده إلى شعره الشوكي الملتف وأخرج لفافة مثل السيجارة..كانت عبارة عن مئتي دولار!
يقول ولي: أنا مثل شمشون الجبار قوتي كانت في شعري.
وصل ولي بابا إلى العمل في الشركة، والعمل عادة يقوم به عشرة عمال من أصل سبعين، ستون منهم يقضون وقتهم في لعب الشطرنج الذي كان يغنمه ولي أفندي أيام «الفتوحات» في بلاد السلاف.
وقد نوى أن يأكل من لحم الكبش مع أنه مصاب بارتفاع الشحوم وصعود الكولسترول وثورة السكر المخملية كما سبق القول، فاستعار سيارة رئيس الوردية بحجة القيام بجولة حول سور الشركة، وفعلاً أقنعه بأن ثمة أشباح «مشبوهة» تحوم حول سورها، فهوّن رئيس الوردية الأمر قائلاً: إنهم رعاة أغنام، ولا خوف من أذناب الاستعمار، لكنه جادل بأن الرعاة اقتربوا كثيراً من حمى الشركة، ولعلهم ينوون نية سيئة. سيكون لهم بالمرصاد..
أمام هذه النخوة الوطنية أعاره رئيس الوردية سيارته، فخرج في السيارة الشاحنة وفي عينيه التصميم الذي كان في عيني أبرهة الحبشي عندما قدم لهدم الكعبة، وعاد بعد ساعة وفي صندوق السيارة كبش كبير مبطوح ومقيد الأطراف بسلك حديدي. لاحظ الحارس نعيم السكجة أن الكبش يحاول الكلام لكن لسانه يخونه على صوت يخرج كالعواء!
كان الكبش أبيض اللون فيه بقعة سوداء. سحله وأنزله وربطه بصعوبة بشبك الباب الحديد بسبب عناد الكبش الذي ترك وراءه نحو 300 نعجة ثكلى، فكر الكبش في أنه بريء وأن المسألة ليست أكثر من تشابه أسماء بينه وبين كبش آخر، أو بين عيد الأضحى وعيد الاستقلال، وترحم على الاستعمار ولعن الاستقلال ويومه وتمنى لو استطاع الانتحار لولا أن قرنيه المعقوفين سيخذلانه بسبب القيد في أطرافه.
اتصل ولي بالمدير ليبشره بأنه عثر على الكبش الخائن. كان الحارس نعيم وقتها يفكر في الحيلة التي استطاع بها سلب الكبش من الراعي المسكين، ولعل الكبش كان فداء لذبح أحد الزملاء!
فقال المدير الذي كان مجتمعاً مع وفد اسباني: أي كبش؟
قال تشي ولي بابا: ولو.. الكبش الذي كان في الصباح مربوطاً بالباب الخارجي...
قال المدير: لا علم لي بكبش أو نعجة..!
ووضع المدير سماعة الهاتف ليكمل الاجتماع.
الكاتب في سطور
أحمد عمر، كاتب وقاص وروائي، من مواليد سوريا عام 1964. صدرت له عدة مجموعات قصصية : «مقصوف العمر»، «قلب الدراق»، «شارلز بن ديكنز»، «خلاف المقصود».

