في الوقت الذي تصارع فيه أوروبا من اجل الخروج من الركود الاقتصادي، أصدر هيرمن فان رومبوي، رئيسها الأول، مجموعته الشعرية الأولى بعنوان(هايكو)، ليعود إلى (أبسط حقائق) الحياة. (الحقائق البسيطة) للحياة. وقد عُرف هيرمن فان رومبوي بولعه بالقصيدة اليابانية ذات الـ 17 مقطعاً.
أمضى الشاعر في كتابة مجموعته الأولى، نحو ست سنوات، عندما كان يشعر بالضجر والملل من السياسة. وهو يحمل في أعماقه كل قلق الشعر وحيرته، وهذا حتى لو كان رئيساً للاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 بلداً مختلفاً وموحداً في آن. ويعبّر عن حيرته من خلال عدد من قصائده: (إنني أتلمس طريقي بين الألوان واللغات والأبراج والآلهة المختلفة). (نورس على ساق واحدة/ شامخاً يقف مشرفاً على البحر/لا يعي البرد).(إنهم غيروا الماء/ في البركة/ قليل من السمك الميت/ ظل متروكاً). (الطيور كأنها في جوقة، وأحدها يعلو صوته على الجميع .وأنا لا أعرف اسمه).
هذا الانشغال بالطبيعة والروح الإنسانية والزمن بلغة كثيفة موجزة وبرقية، تشبه لمحات من الفلسفة والعبقرية والتأمل والابتعاد عن كل ما هو يومي وسياسي وعابر، يجعله يقول: (قصيدة الهايكو توقظ الروح بعيداً عن العقلانية التكنوقراطية، وثمة بحث عن الانتباه يبرق في الأفق. لذا يجب أن نعود إلى الأساسيات لأن زمننا بحاجة إلى البساطة...).
ثم يضيف: (شاعر الهايكو، في السياسة لا يمكن أن يكون مفرطاً، ولا استعلائياً ولا متطرفاً. لا بد أن يضم في أعماله حس التوازن، والرغبة نحو البساطة والتناسق والشعور بكونه جزءا من الجزء الأكبر. وربما من الأفضل أن يبقى الشاعر بعيداً عن السياسة والعمل السياسي. وإنني بهذا المعنى، شاعر هايكو سياسي وليس شاعراً سياسياً للهايكو).
إن هذا ليس كلام السياسيين، بل كلام الشعراء والأدباء والفلاسفة الذين لا يعرفون ما هو العالم ويحاولون تفسيره بأعمالهم الإبداعية.ومن العجيب أن رومبوي نأى بنفسه عن الأضواء منذ انتخابه في منصب رئيس الاتحاد الأوروبي، ولم يكتب سوى قصيدة واحدة عن مدينته بروكسل، التي يُعتبر فيها ملكاً.
لأنه شاعر اختير للمنصب
لا يزال رومبوي يشعر بارتباك نتيجة منصبه الجديد، وهذا يعود إلى حسابات وتعقيدات في كواليس السياسة. وتم اختيار هذا الزعيم البلجيكي الخجول لأن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية انغيلا ميركل لم يرغبا في وجود بلير في الاتحاد الأوروبي، كي لا يطغى بحضوره عليهما.
وكان يحلو لهما مشاهدة رومبوي وهو يعكس افتقاره إلى الكياسة في بعض قصائده التي يصور فيها الطبيعة: حيث يقول: «كنورس يقف على ساق واحدة شامخاً في وسط البحر، غير مدرك لبرودة الجو». هكذا لا يرى رومبوي الكثير من العلاقات بين شعره والسياسة. وهذا ما يؤكده السفير الياباني في الاتحاد الأوروبي، نوبوتاكي اودانو، الذي سمع رومبوي يقرأ بعض شعره الذي يستند إلى التقليد الياباني،وفي رأيه المهذب بشأن النسخة البلجيكية من الشعر الياباني،يقول: (صحيح أن شعر الهايكو مرتبط بالقوالب اللغوية، لكن ما هو أكثر أهمية من ذلك التعبير عن المشاعر والأفكار، أكثر من الشكل).
وفي هذا الصدد يقول الشاعر: (يتيح لي الهايكو فرصة الرجوع إلى الأساسي في الكلام، من خلال قول الكثير من الأشياء وبمساحة قليلة، وبلغة غير مصطنعة). كما أن كتابة هذا الشعر تعتبر ابتهاجا بالحياة، كما تشير ترجمة (الهايكو) إلى ذلك.
6 أعوام
تتضمن مجموعته على 40 قصيدة، كتبها على الطريقة اليابانية ليشارك حب الشعر مع الآخرين، وعادة ما تتكون قصيدة الهايكو من 3 إلى 5 أبيات شعرية و17 مقاطعاً. هذه القصائد الأربعون كتبها الشاعر في غضون 6 أعوام، وجمعها تحت عناوين صغيرة مثل (فصول) و(لحظات) و( على الطريق)، وجلها تتركز على فكرة الطبيعة والزمن. ومنذ أن خط البيت الأول في قصيدته الأولى، لم يتوقف الشاعر عن الكتابة، ويأمل أن لا يكون هذا الشعر بالنسبة للقارئ مجرد تسلية وتمضية للوقت.
وتدعو قصائد رومبوي إلى وقفة تأمل مع القارئ، لأنها أصلاً مكتوبة للقراء الذين لا يتمتعون بوقت وافر لقراءة القصائد الطويلة. فقد انجذب الشاعر إلى كتابة قصيدة الهايكو لبساطتها، واستخدامها الوجيز والمكثف للغة، وطبيعتها المركزة. ويغطي مجموعته الكثير من أسفاره إلى استراليا والهند والتيبت، وغيرها من الأماكن، إضافة إلى أحاسيسه الداخلية إزاء العالم والحياة والذات.
هيرمن فان رومبوي في سطور
هيرمن فان رومبوي، سياسي بلجيكي يميني، وهو مفكر وشاعر واقتصادي متمرس. ولد فان رومبوي يوم 31 أكتوبر 1947م، في العاصمة بروكسل، وتلقى تعليمه في كلية «سينت جان بيرتشمانس» اليسوعية، وسط بروكسل، ثم درس الفلسفة والاقتصاد في جامعة «ليوفين» الكاثوليكية. وقبل انخراطه بالسياسية عمل رومبوي ـ الناطق بالهولندية ـ في البنك المركزي البلجيكي في الفترة بين عامي 1972م و1975م.
تولى رئاسة مجلس النواب في يوليو 2007 ، ثم منصب رئاسة الوزراء في بلاده ـ المنقسمة لغويا ـ في ديسمبر 2008 م،وذلك بعد 18 شهرا من النزاعات السياسية التي شهدتها البلاد في عهد سلفه، ليتيرمي،وذلك بين المتحدثين بالهولندية والمتحدثين بالفرنسية، فساعد على تهدئة الأوضاع في الدولة، وأثبت قدرته على إدارة التحالفات الصعبة.
ألف ستة كتب، وهو مدون نهم، وشاعر. اشتهر بصفته رئيس الوزراء الشاعر، وقد ترجمت له قصيدتان ونشرتا في صحيفة وول ستريت جورنال. اختارته قمة الاتحاد الأوروبي، التي انعقدت في بروكسل يوم 19 نوفمبر 2009م،ليكون أول رئيس للاتحاد.

