تتنقل بين جنبات الفكر والروح والجمال ممتطية متن قصيدة تارة، وحبكة حكاية تارة وفكرة في بحث تارة ونقش إزميل تارة، وفي جميع الأحوال تبحر

في عالم الإنسان في محاولة سرمدية لتلمس أهداب الوجود، فراحت تنظم الشعر وهي سليلة عائلة جعلت من الشعر مملكتها.

بينما أبدعت في لغة السرد القصصي وهي ابنة بيئة حكايات لا تنتهي حتى لو انبلج صبح، كما غاصت في ميدان البحث العلمي طارقة أبواب اللغة وامتداداتها في الوعي، وتشكل العقل مستنكرة تغييب تاء التأنيث الساكنة منها، ولإيمانها بتواصل جمالية الجسد والروح كرست جانبا من حياتها الإبداعية للنحت التركيبي وللموسيقى أيضا. هي الأديبة والكاتبة والباحثة والفنانة زليخة أبوريشة التي التقيناها على هامش منتدى الإعلام العربي في دورته التاسعة، الذي احتضنته مدينة دبي مؤخرا، فكان حديثا لا يدعي وصولا إلى نهايات بل هو تواصل على طريق فكر مفتوح ومنفتح على الفرد والمجتمع وما بينهما.

المعروف عن الأديبة زليخة أبوريشة أنها متعددة الوجوه الإبداعية، من القصة إلى الشعر إلى البحث إلى التشكيل، أين تجدين نفسك على هذه الخارطة؟ وما طبيعة العلاقة التي تجمع بين هذا الوجه أو ذاك؟ طبعا أجد نفسي في الشعر الذي يبث في بقية الوجوه الأخرى التي تحدثت عنها، ولا غربة عندي ولا اغتراب وإنما هي قنوات منفتحة على بعضها من خزان عظيم اسمه الشعر، حتى البحث له علاقة بالشعر بمعنى من المعاني، لأن الشعر بحث أيضا، بحث عن المعنى، بحث عن الصورة، بحث عن الشعور، بحث عن الجدوى واللاجدوى، بحث في الأشياء، بحث في ما وراءها، بحث لا يتوقف، بحث في اللغة.ولذلك وجدتني في البحث اللغوي أبحث عن صوتي أنا المرأة وأين غيبته البطريركية الذكورية وأين اختفى التأنيث من اللغة مثل مناصب النساء.

حيث يقال الأستاذة فلانة المدير التنفيذي، فلانة الفلانية المسؤول الأول، أي أن المناصب قد ذكرت وهذه من السوءات التي روج لها الإعلام. اللغة متاهة وعلى من يريد أن يجد نفسه أو تجد نفسها رؤية الصورة واضحة.

ما مدى أهمية البعد اللغوي في تشكل العقل؟

مهم جدا بالطبع، فاللغة ليست هي الفكر نفسه فحسب، بل إنها أداة صنعه في الوقت نفسه، مثل ما هي وسيلة للتخاطب والتواصل، فإذا فرغت اللغة من التأنيث يعني أن هذا محو منهجي للمرأة في الواقع، لا نستغرب أن تزول تلك الحساسية تجاه التأنيث، التي أزعم أنني أتمتع بقدر كبير منها، من الواقع نفسه، لأن صورة المرأة تبدأ تتحول داخل المرأة نفسها التي تبدأ بتقبل ارتداء لباس الذكر.

أنا لا أريد أن تتساوى المرأة مع الرجل حرفيا، وإنما أن تكون ندا له مع الاحتفاظ بجميع خصائصها البيولوجية والنفسية، إذا كان هناك من خصائص نفسية تمليها البيولوجيا، وكذلك الأمر بالنسبة للذكر، وأنا أرى أن اللغة لغة منصفة في أصلها، لا بل إنها لغة شديدة التعبير، واللغة كنظام حيادية لكن في الاستخدام والتوظيف تنحاز لأنها مستعدة لأن تمتلئ بالثقافة، سواء كانت ثقافة مذكرة أو ثقافة مؤنثة.

تتحدث زليخة أبوريشة في أبحاثها عن نظرية أسمتها نظرية تأنيث اللغة وتستخدم مصطلح «جندر» الإنجليزي، وكأنه مصطلح عربي مولود من رحم اللغة العربية، ما هو الطرح الذي تقوم عليه نظريتك التأنيثية؟ وما تعنين بالجندر؟

الجندر في الأصل هو موضوع التأنيث والتذكير في اللغة الانجليزية، ثم جاءت الحركات النسوية في الغرب لتطور المصطلح بحيث صار يعني الحقل الذي يدرس علاقة المرأة بالرجل من الناحية الثقافية، أما من الناحية البيولوجية فهذا موضوع حقله الطب وليس اللغة، فرحت استخدم الكلمة بحد ذاتها لأن هناك ترجمات أرى أنها غير مناسبة، مثل النوع الاجتماعي، حيث لا يمكن إخضاع الكلمة للاشتقاق، بينما كلمة «جندر» أستطيع أن أعربها كأن أقول: جندر، يجندر، جندرة، متجندر، مجندر..الخ.

كما وجدت أن هذه الكلمة شكلها عربي أصلا، وإيقاعها عربي، واصطفاف الحرف فيها ليس غريبا على الأذن العربية، ليس ككلمة تلفزيون مثلا، والتي دخلت، مع ذلك، اللغة العربية وباتت تستخدم بصورة طبيعية فيها، فغدونا نقول تلفز يتلفز تلفزة..الخ.

أنا أخذت كلمة جندر واستخدمتها في كتابي «تأنيث اللغة»، وبررت ذلك أيضا وأظن أن هذا التبرير له وقعه، فضلا عن أني تحدثت بهذا الخصوص مع عدد من طلبة الدراسات العليا في اللغة العربية ومع أستاذي الدكتور النحوي اللغوي نهاد الموسى، وأحس أن هذا اتجاه صحيح في تعريب المصطلح النسوي.

ذهبت إلى بريطانيا لاستكمال أطروحة دكتوراه تحت عنوان «صورة المرأة في رواية المرأة العربية»، ما الذي حل بهذا البحث؟

هو بحث سأنجزه، لكني الآن منصرفة لكتاب آخر أستكمل من خلاله أطروحتي في موضوع الجندر واللغة.

كيف تنظرين إلى صورة المرأة العربية في الأدب العربي عموما، وفي أدب المرأة العربية على وجه الخصوص، هذا إذا صح الفصل بين الأدبين طبعا؟

بالطبع هناك إمكانية للفصل بينهما لغايات البحث والدراسة، حيث أستطيع أن أسمي أدبا للمرأة وأدبا للرجل، لكن ثمة شيئا اسمه أدب نسوي وأدب غير نسوي أو أدب ذكوري.

والأدب النسوي هو الذي يكتب بوعي وعدل في موضوع المرأة وكيانها ووجودها وتفاصيلها، أي أني استطيع أن أصنف تحت باب الأدب النسوي أدب نجيب محفوظ، وذلك إلى حد ما طبعا، لأن نجيب محفوظ لم يدن المرأة في رواياته جميعها، وإن كان وصف واقعها، صحيح أنه لم يرسمها ثائرة أو مغيرة للواقع، لكنه لم يستعملها، لم يهنها، بل إن أسوأ ما فعله، إن كان لنا أن نقول ذلك، هو أنه صورها.

كما هي في الواقع، بما في ذلك واقعها السيئ، حتى بائعة الهوى لا يسخر منها ولا يقيمها ولا يصدر حكما قيميا ضدها، وإنما يصفها كما هي فقط وحتى في روايته «ميرامار» جعل الوطن في صورة فتاة تخدم في فندق، وجعل كل صنوف الاحتيال والخسة الذكورية تقع عليها، ولكنه في النهاية أنصفها ولم يتركها هكذا ولم يدعها تنكسر، صحيح أن محفوظ يقصد مصر في روايته، لكنه لم يستعمل المرأة، وهذا بحد ذاته يعتبر إنصافا وحساسية مرهفة تجاه المرأة.

كما أستطيع أن أصنف رواية «حادثة النصف متر» لصبري موسى في إطار الأدب النسوي، وأستطيع أن أصنف الكثير من الأدب الذي كتبته النساء في إطار الأدب الذكوري، فأنا أرى أدب الكاتبة اللبنانية هدى بركات، على سبيل المثال، أدباً نسوياً رغم أنها لا تعلن النسوية ولا تتحمس لها بوصفها أيديولوجية، وكذلك الكاتبة سلوى بكر، والشاعرة السورية عائشة أرناؤوط، والشاعرة والكاتبة ميسون صقر القاسمي التي صدر لها رواية بعنوان «ريحانة».

ومن الأمثلة التي يمكن أن نسوقها في ميدان الأدب الذكوري الذي كتبته نساء، تبرز روايات أحلام مستغانمي جميعها، حتى كتاباتها الصحفية كتابات ذكورية واضحة المعالم، بمعنى أن المرأة ملغية تماما، فالكاتبة تتحدث عن نفسها ككاتب طوال الوقت، فهؤلاء الكاتبات اللواتي يتحدثن عن أنفسهن بسهولة ككتاب ذكور هن كاتبات ذكوريات أصلا.

وألفت الأدلبي، وغادة السمان رغم كل تمردها، إلا أن كتاباتهما ذكورية وحتى كتابات النسوية الكبيرة نوال السعداوي، كما ذكر الناقد جورج طرابيشي في كتابه «أنثى ضد الأنوثة»، هي فعلاً كذلك، هي كمين الكتابة الأيديولوجية ويحدث هذا الكمين عندما توضع الفكرة أولاً ثم ترسم الشخصيات بناء عليها، فالبطلة الرئيسية هي كائنة نسوية متمردة وجميع الشخصيات النسوية الأخرى في الرواية هن كائنات يسخر منهن، موسومات بأحكام قيمية تطلق عليهن، والعلاقة مع المذكر هي علاقة انتقامية وهذا لا ينشئ أدباً نسوياً. الأدب النسوي أدب حساس، عادل وقضيته لا تقتصر على المرأة، ولكن هناك قضايا متعددة، أهمها العدل.

هذا يقودنا إلى ما ذكرته حول موضوع الايديولوجية، بالرغم من أني أعرف موقفك من القوالب الأيديولوجية الجاهزة، فهل لك أن تسلطي الضوء على موضوع الكتابات الأدبية التي تنطلق من بعد أيديولوجي؟ ما هو موقفك من الأدباء الأيديولوجيين؟

عندما تصبح القضية الفلسطينية، في الشعر أو في الرواية أو غيرهما، هي الغاية ويسقط الفن، فهذه أيديولوجية، والذين يقعون في هذا المطب كثر، ففي فلسطين هناك شعراء كثر تكرسوا لهذه القضية، لكنهم لم يطوروا أنفسهم فنيا، ما يجعلهم عرضة للانزلاق أيضاً وذلك بسبب الإصرار الشديد على رفع الصوت العالي في الأداء وفي الهتاف وفي التوجع.

انظر إلى محمود درويش كيف ناضل كثيراً وطرد الأيديولوجية من شعره، صحيح أنه استمتع في البداية بالتصفيق الكثير الذي حظي به، لكنه أيضا كان يتوقف مع نفسه دائما وينظر في شعره وإلى أين يذهب، ولم يكن راضياً عن نفسه شعرياً قط ولقد سمعته أكثر من مرة في جلسات اجتماعية متكررة يقول إنه لا يحب قصيدة «أحن إلى خبز أمي» أو «سجل أنا عربي»، وإنه يعتبرهما من الشعر الذي انتهى منه، وكنا نقول له لكن الناس تحب هذه القصائد وهي مرحلة من مراحلك وأنت لا تستطيع التنكر لها، وكان يجيبنا كلامكم صحيح.

وحضرت مرة في عمان قراءة شعرية له، قرأ خلالها شعراً يحبه الجمهور، ثم قال: «الآن بعد أن أسمعتكم ما تحبون أريد أن تسمعوا ما أحب»، وقرأ قصائد جديدة فيها درجة عالية من التجريد الذي ذهب إليه في نصوصه الأخيرة، وربما كانت قصيدة النثر حاضرة في كتبه الأخيرة التي نشرت وهو على قيد الحياة، لكنه لم يسمها قصيدة نثر وأنا سمعته يقول انه لا يعترض على قصيدة النثر ولو أنه لم يكتبها، مضيفا أنه لا يعلم إذا كان سيفعل ذلك أم لا، أي أنه ليس لديه موقف ضد قصيدة النثر ولم يكن لديه مانع من أن يكتبها هو نفسه، وهذا أيضاً خروج عن الأيديولوجية.

ما مدى مساهمة حركة النقد إيجابا أو سلباً في الحركة الشعرية في الساحة العربية؟ ما رأيك في الحركة النقدية بصفتها رافدا لحركة الإبداع الشعري في المنطقة العربية؟

بشكل عام لا أرى حركة نقدية، هناك نقاد عرب موجودون هنا وهناك وجميعهم لا يتابعون. حضرت عدداً كبيرا من الملتقيات والمؤتمرات النقدية في الوطن العربي وكنت أجد ملاحظة تتكرر دائما، وهي أن عددا كبيرا من هؤلاء النقاد يقدمون أوراقا من مخزونهم الخاص، بعيدا عن نقد المواضيع المطروحة، وبعيدا عن تقديم صورة مرآتية للشعراء والشاعرات والمبدعات أنفسهم، فما يحصل أن هناك كلاماً كثيراً في النقد ولكن المنقود قليل والخلاصة أقل. فالنقد الراهن لا تأثير له في الإبداع العربي، ومؤسسة النقد بشكل عام غائبة، والموجود لا يعدو كونه أصواتاً نقدية فقط، بحيث أصبح الإبداع يتيما ويمشي وحده.

هل أنت راضية عن حركة أدب الطفل عموماً في البلاد العربية وإسهامها في تنشئة الأجيال المتعاقبة؟ ألا يشعر الطفل نفسه بغربة في بيئته من خلال قراءة نص مترجم، سواء كان مكتوبا أو مرئيا أو حتى مسموعا؟

ليس لدينا نقاد في أدب الأطفال، وأهل الاختصاص هم قلة في هذا الميدان، أدب الأطفال قديم في الأدب العربي، ومن وجهة نظري حتى السور القصار في القرآن الكريم أعتبرها من أدب الأطفال، لما فيها من إيقاع ولما فيها من قصر ولما فيها من تكرار، وكأنها أناشيد.

وأذهب إلى الشعر الجاهلي الذي كان يقرأه الكبار للكبار وكان الصغار أيضاً يحضرون تلك المجالس ويعلق في أذهانهم وفي آذانهم ما يعلق من إيقاع وقصائد، حتى ان أحد الأطفال وهو طرفة بن العبد، استطاع أن يقول الشعر وهو في السابعة من العمر، وأذهب إلى الثعالبي الذي كتب «فقه اللغة» للناشئة، وقصص ابن المقفع التي فيها الكثير من عناصر أدب الأطفال، إلى أن نأتي إلى العصر الحديث.

وأذكر هنا الأديب كامل الكيلاني الذي ألف الكثير من الكتب للأطفال والمراهقين والكبار، وترجم الكثير وبسط بعض القصص والكتب القديمة مثل «كليلة ودمنة» و«ألف ليلة وليلة»، لتسهيل عملية تقديمها للأطفال وكلها كانت تتمتع بأصول الكتابة للأطفال من لغة مضبوطة وخيال سليم.

هناك قصص مترجمة لكنها بعيدة عن واقع الطفل العربي من حيث القيم، بالإضافة إلى الكثير من الأخطاء اللغوية وهناك ترجمات لكتب جميلة ومطورة من حيث المظهر، لكن نصوصها ضعيفة وغثة، والأثر الايجابي الوحيد الذي أحدثته تلك الترجمات هو لفت الأنظار إلى ضرورة الاهتمام بإخراج كتب الأطفال. أدب الأطفال يحتاج إلى عدة في اللغة وفي طريقة الخطاب، وفي معرفة اللغة وفي المحتوى القيمي وفي صحة المعلومات، وكثيرون من كتاب أدب الأطفال لا يعرفون إلى هذه المعدات سبيلا.

أين المخرج؟

المخرج بيد الجهاز الحكومي والمجتمع المدني، على أن تنهض الجمعيات والمكتبات وجمعيات ثقافة الأطفال، بالإضافة إلى وزارات الثقافة، بواقع أدب الأطفال عن طريق تدريب كوادر شابة باتجاه حركة التأليف بجميع أشكاله.

باسل ابو حمدة