ما زالت سرقة التاريخ والتراث الفلسطينيين من قبل الصهيونية العالمية، مستمرة على قدم وساق، حيث أخذ المؤرخون يكتفون بما يرونه ويسمعون به يتداول وينتشر بكثافة بشأن تاريخ فلسطين(رغم انه واضح صدوره من قبل الصهيونية وأبواقها الإعلامية)، دون أي تحقق أو تعديل لازم.

وهكذا باتت سرقة وتشويه حقائق التاريخ تمر أمامنا دون أي تمحيص أو تدقيق، ليصبح هذا التزوير، ومع مرور الزمن، من المسلمات التي لا تناقش أو تخضع للدراسة، خصوصا في ظل كونها صادرة عن مؤرخي الغرب، الذين يحظون بحالة سحرية من التصديق والإقرار والتخويل العالمي التام بالقدرة على الحسم والجزم. هناك الكثير من الشواهد والأمثلة الواضحة في هذا الخصوص، ويشكل المقال، المنشور في مجلة «ايستوريا» الفرنسية، لأحد الكتاب الصهاينة، أبرز صورة لها، حيث تتجلى ملامح عنصرية هذا الكاتب في عدد من العبارات المدسوسة التي تبدو في ظاهرها طبيعية متسقة مع ما حولها، إذ يذكر، مثلاً، أن جد برنيس الفلسطينية، التي لعبت كبير الدور في احداث ومجريات الامور بتاريخ روما خلال فترة محددة، هو هيرودوس الكبير، مؤسس المملكة التي حكمت فلسطين في أيام الرومان.

مشيرا إلى انه الابن الأصغر لموظف عربي ولد في المشرق!، ولكن السؤال التحقيقي والتوثيقي الملح هنا هو في أي مشرق يقصد هذا الكاتب يا ترى في ظل كون برنيس هي حفيدة هذا الرجل المشرقي؟ فكيف أصبحت يهودية رضعت مبادئ الدين اليهودي مع حليب أمها وتعمقت في ديانتها وفهمت أسرارها؟ أليست هي التي أبصرت النور عند البحر الميت على أطراف البادية العربية، في مدينة ملاطة الموجودة للان باسمها العربي، حيث كانت الغزوات والغارات التي خلّدها الشعراء العرب هي الشغل الشاغل لفرسان البادية وأهلها. ويتابع الكاتب في المقال نفسه، جملة افتراءاته التاريخية، فيبين، مع ذكره لجرائم هيرودس الكبير، أنه عربي، ولكنه يعود ليقع في مطب التناقض، حين يعرض لطبيعة وتوصيف المملكة التي أسسها هيرودس والنظم التي أرساها ومن بعده أولاده، إذ يؤكد في هذه المحطة على أنهم يهود.

وذلك رغم حقيقة أن الديانة اليهودية تشدد على أنها ليست ديانة تبشيرية ولكنها ديانة بالولادة، أي أن اليهودي يهودي منذ ميلاده، ولا يمكن ان يكون غير ذلك، حيث لا تضم اليهودية أحدا إليها، فاليهودي هو المولود من أم يهودية فقط، وهذا في نظرهم للمحافظة على ما ورد في الفصل السادس من سفر التكوين، والذي يقول:

«ورأى أبناء الآلهة أن بنات البشر جميلات فتزوجن منهن وأنجبن بنين وبنات»، وهذه العبارة هي الأساس لعلم يدعى علم القباّلة في الديانة اليهودية، ويرتكز علم القبّالة هذا على التفرقة بين اليهودي وغير اليهودي، وذلك بالكلمة العبرية المعروفة «هاجوى هاجوييم»، أي أنه اممي، ومن هذا المنطلق ينبع مبرر أنه يحق لليهودي قتل الأمميين (الهاجويم) بدم بارد...

نظرة تحقيق معمقة

ٍّلا مفر من الرجوع إلى الكثير من المصادر التاريخية والأعمال الإبداعية التي تشرح الكثير من النقاط الغامضة، وتجلي الحقائق في هذا المجال. ونرى انه كتب الكثير عن برنيس في الآداب العالمية، وخاصة في الأدب الفرنسي، كما يحتفظ متحف اللوفر بتمثال نصفي يظهر الجمال الأخاذ لتلك المرأة.

ويقول المبدع المسرحي راسين في إحدى مسرحياته بهذا المجال:

«بعد انتصار طيطس في فلسطين، اصطحب الإمبراطور إلى العاصمة روما، برنيس، التي يذوب فيها عشقاً، آملاً الوفاء بوعده والزواج منها، لقد أجل طيطس زواجه من حبيبته احتراماً لرغبة والده الإمبراطور فيسبازيان، وقبلت برنيس ذلك برحابة صدر وتفهم.

الآن بعدما نصّب مجلس الشيوخ طيطس إمبراطورا، خلفاً لوالده فيسبازيان، فليس هناك من مانع يحول دون زواجها من حبيبها إمبراطور روما. فهي على يقين من عشق طيطس لها، وهو الآن الإمبراطور الآمر الناهي، ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن فالإمبراطور يعلم جيداً أن مجلس الشيوخ، لا بل الشعب الروماني بأجمعه، لن يقبل إمبراطورة غير رومانية، نعم إنها ليست من عامة الشعب وهي ملكة من المشرق، ولكنها ليست رومانية.

أخيراً ينتصر منطق العقل ومصلحة الإمبراطورية على الحب والعشق، ويبلغ طيطس برنيس، وفؤاده يقطر دماً وقلبه يتمزق بفعل قرار طردها من روما، فالقرار لا يعني استحالة الزواج أو الهجر فقط، بل الطرد أيضاً، لن تستوعب برنيس هذا القرار الظالم!

طيطس عشيقها يطردها وهو في أوج قوته ومجده، أو وهو مازال يذوب فيها وجداً وعشقاً!! فليس في الأرض من قوة أو منطق يستطيع إقناع برنيس بصواب هذا القرار الذي يحطم قلب العاشقين على صخرة الإمبراطورية الرومانية !

فطيطس يعلم علم اليقين بأن عليه انجاز العمل الذي بدأه والده وأن من واجبه إصلاح أمور الإمبراطورية التي تكتسحها الفوضى العارمة !قبلت برنيس الرحيل والغصة في حلقها، مجرجرة أذيال اليأس والقنوط مضحية بقلبها لمصلحة عشيقها».

ويقول راسين على لسان برنيس في الفصل الرابع من المسرحية: « أعشقه وأهرب منه مدلّهٌ بي ويهجرني!».

كما ألف الأديب الفرنسي كورني رواية أخرى عن برنيس قدمها بعد مسرحية راسين، وكذلك كتب الكثيرون عن مأساة هذه الملكة الشرقية، ولا نعرف بالضبط متى بدأت الكتابة عنها، وقد قال راسين إن فكرة هذه التراجيديا لمعت في ذهنه بعد أن قرأ عبارة المؤرخ الروماني سويتان، التي تلخص تلك المأساة ببلاغة متناهية، وبكلمات قليلة :

« طردوها رغماً عنه وعنها ». وبالرغم من تلخيص التاريخ لحياة تلك الملكة بكلمات محددة ومختصرة جدا، وبالرغم من حقيقتها التاريخية، فنحن لا نعرف الكثير عنها، ولذا تظل مأساة الكاتب الفذ راسين، هي الخيال والواقع حولها في آن واحد!

حفيدة هيرودس الكبير

حكم بيلاطس البنطي اليهودية في عام 28 م، وتولى هيرودس حكم ربع الجليل، كما حكم أخوه ايتورية، وليسنيوس أبيلاف. وكان قيافا رئيس كهنة لليهود في تلك الفترة، وكانت كلمة الله في الصحراء للنبي يحيى بن زكريا، وفي قرية صغيرة تدعى الناصرة، عاش وعمل ابن نجار صغير يدعى المسيح. وفي قصر ملاطة الرابض على ضفاف البحر الميت جنوب القدس، أبصرت النور أميرة دُعيت برنيس. إنها بطلتنا التي نحاول كشف شخصيتها.

وهكذا نجد أن برنيس سليلة هيردوس، الذي يرتبط اسمه بمجازر الأبرياء وبمنظر رأس النبي يحيى في طبق، ليشبع نزوة امرأة شبقة. وكان هيرودس فظاً قاسي القلب، فأعدم هيركان، كبير كهنة اليهود، الذي أنقذ حياته وساعده في الوصول إلى منصبه، كما أعدم حماته وثلاثة من أصهاره، وثلاثة من أبنائه، وعددا غفيرا من وجهاء الطبقة الوسطى.

ودوما عشق بشبق بدائي، زوجته مريم، التي طبقت شهرتها الآفاق لجمالها الأخاذ الذي أورثته لحفيدتها برنيس. ولكنه أعدمها في ثورة غيرة، وكاد يموت كمدا عليها، وعزل نفسه بعدها في منزل ريفي، فهده المرض واستولى عليه الجنون، وفى احد الأيام نهض في الصباح الباكر وأمر بإعدام أربعة من اخلص أصدقائه.

انزوى أغريبا في قصر ملاطة الذي يمثل كل ما تبقى من ارث ومال، وفي عام 25 أو 26 ميلادية تزوج من سيروس ابنة عمه التي احتفظت لنفسها بحق إدارة أملاكها، ويدل شرط زوجته هذا على مدى فقدان الثقة التي كان ينظر بها الناس إلى أغريبا العربيد، ومن ثم أنجبت له زوجته مولودين، هما ابنه الشهير ب أغريبا الثاني، وابنته برنيس، بطلة بحثنا هذا.

ولم يبق أمام أغريبا إلا أمل واحد هو اللجوء إلى هيروديا، شقيقته وزوجة هيرودس أنتيباس، حاكم ربع الجليل. وهي هجرت أخاً لتتزوج الثاني، وطلبت من هيرودس رأس يوحنا المعمدان ؟ النبي يحيى ؟ لأنه وقف حجر عثرة أمامها وعطل زواجها، فكان يقول لهيرودس لا يحق لك أن تتزوج امرأة أخيك أنتباس.

وفي سنة 41 ميلادية عاد أغريبا ودخل أورشليم دخول الظافرين، وكانت إلى جواره ابنته برنيس ذات الـ 14 ربيعاً، حيث نما عودها واكتملت أنوثتها وأصبحت تشع جمالاً وحيوية، فغدت ساحرة بجمالها، ويشهد على ذلك تمثالها النصفي الموجود في مدينة نابولي في ايطاليا، فهي مياسة القد ومتناسقة التقاطيع، صغيرة الفم مكتنزة الشفتين، ومستقيمة الأنف ومحددة الملامح، كما أنها ذات منخرين ينمان عن خيال جامح.

إنها في الرابعة عشرة من عمرها، في سن الزواج في تلك الحقبة، سواء لبنات الملوك أو لراعيات الغنم.

عيّن الإمبراطور كلوديوس هيرودس، شقيق أغريبا ملكاً على مملكة خلقيس ـ وهي بعلبك الحالية في لبنان ـ وبذا لن يحول شيء دون إتمام مراسم الزواج والاحتفال به.

وترحل الابنة برنيس مع زوجها الذي يكبر والدها، إلى مملكتها الجديدة، وفي خلقيس تسنح الفرصة لبرنيس لتتعلم لعبة السلطة والسيطرة، ويقول المؤرخ سترابون: «كانت المملكة تتكون من الايتريان وبعض الرعاة الذين يعيشون على السرقة والسطو، وأما سكان السهول والوديان فكانوا أكثر وداعة وارتباطاً بالزراعة ». وعاد أغريبا إلى قيصرية وبرنيس ابنته معه، وفجأة انتابه مغص حاد ولفظ أنفاسه إثرها.

ولم يطل الأمر ببرنيس لتعرف مشاعر أخيها نحوها وتقرر استغلال الموقف. إن ما يهمها هو الملك، وبما أن استمرارية الملك ممكنة بالزواج، فلم لا يكن من الشقيق ؟ فهو ليس به ما يعيب من حيث المظهر والشكل، خصوصا وأنه امتلك أغريبا الابن جاذبية من نوع خاص، حببت فيه الكثيرين، فكان موضع إعجاب من الجميع، وأعجب به كلوديوس، ومن بعده نيرون وفيسبازيان وطيطس وأخته برنيس!

وعندما وصل إلى خلقيس كان يبلغ الواحدة والعشرين من عمره، وشقيقته التي تكبره بعام واحد تقريباً تحكم المملكة من خلف الستار منذ 7 سنوات، وهي على دراية بأمور المملكة التي لا يعرفها، وأبدت استعدادها لمعاونته والوقوف بجانبه، ومن ثم يمكنه إزاحة الحمل عن كاهله بالزواج منها، وهي فوق ذلك ذات جمال خارق.

عشيقة لأخيها

لم يذكر التاريخ زوجة لأغريبا الثاني، وعلى المؤرخين قبول الوضع كما هو!. وأثر حب السلطة والتملك في دفع برنيس لتخطي كل حدود الأخلاق المعروفة، وهي باختصار أصبحت عشيقة لأخيها، ولا يمكننا دحض ما ذكره وأكده اثنان من المؤرخين بهذا الخصوص، وهما فلافيوس جوزف وجوفينال.

ويذكر الجميع أن ارتكاب المحارم كان معمولاً به في العالم أجمع تقريباً، وأشهر من مارسه للحفاظ على نقاء الدم والسلالة الإلهية هم الفراعنة الذين اتخذتهم برنيس مثالاً لها، ولذا طبقته بسرعة، خاصة وأنها تريد الملك والحكم بأي وسيلة كانت.

تمثل حلم برنيس في أن يتولى أخوها مملكة أبيه المترامية الأطراف وهي بجانبه ملكة على كل المملكة، ولكن الرياح التي هبت من هناك حملت معها دخان ثورة تحت الرماد، وقيل إن الناس يرفضون وجود المستعمر بينهم ويحاولون إزاحته بشتى الطرق، ما جعل حلم برنيس صعب التحقيق.

وبدأت المناوشات تحتد بين اليهود والرومان، ولكن برنيس ترفض الاستسلام للواقع، ومثل أبيها، ترى في روما مصدر ومنبع الخير والقوة، فهي الأصل في كل شيء وعندما حدث التململ في روما بعثت بأخيها إلى روما لمساندة الإمبراطور، وكانت محقة في ما فعلته، فقد عاد من روما وهو يضم إلى مملكته ربعي فيلبس وليسانياس، الأمر الذي جعل رقعة مملكته شبيهة بالرقعة التي كانت لوالده، لا بل أكبر. وفي سنة 53 ميلادية اتجهت برنيس وأخوها إلى قيصرية فيلبس، حيث عاشت سابقا في تلك البقعة الغناء.

وهذه الفترة منذ سنوات قليلة، حكم على نجار في الناصرة بالصلب في الجلجلة، ومضى الحدث مثل غيره من الأحداث، ولكن هناك حفنة من الناس تهمس بالخفاء بأن له أتباع، وبأنه تنبأ عن خراب أورشليم وهدم هيكلها، وبرز منهم رجل يدعى بولس، قابل في قيصرية فيلبس برنيس وأغريبا الثاني الذي حقق معه بشأن الشكوى المقدمة عليه من قبل رئيس الكهنة.

وبعدها أرسله أغريبا إلى روما، لأنه روماني الجنسية. وعندما علم أغريبا الثاني بأنه قد حكم على مسيحي آخر يدعى يعقوب، بالرجم في أورشليم، أقال رئيس الكهنة الذي أصدر هذا الحكم من منصبه، ولكن هذه الأمور تعد سطحية بالنسبة للثورة التي اندلعت في المملكة وامتدت كالنار في الهشيم. فقد أصبح الثوار جيشا جرارا، وبدأت مدن بكاملها تتمرد على الملك والحكم.

برنيس تخلب لب طيطس

كانت برنيس قد تعدت الثلاثين من عمرها، وكان طيطس ابن فيسبازيان، في السادسة والعشرين من عمره، وقال عنه معاصروه إنه كان يتمتع بجمال أخاذ، ويتميز بالعظمة والحكمة، وأنه قائد ممتاز يتقدم الجميع في القتال، ومتأنق جداً وذو ثقافة عالية يقرض الشعر ويلعب بالقيثارة. ويشير المؤرخ اميل ميرو إلى أنه ربما تم اللقاء الأول بين برنيس وطيطس في شتاء عام 67 ميلادية في بطليموسه تحت وقع قعقعة الحراب.

وبطليموسه مدينة صغيرة تطل على المتوسط ويقع خلفها جبل الكرمل، حيث تجمع هناك مائة ألف جندي روماني، وهذا ماعدا الجموع الغفيرة الأخرى من النساء والمهربين الذين كانوا يرافقون الجيوش عادة.

هل يمكننا القول بأن الحب من النظرة الأولى ربط طيطس ببرنيس والعكس بالعكس؟ لقد وقع الحب عليهما وقع الصاعقة. ومن المؤكد تاريخياً بأن فيسبازيان وطيطس انحازا وأعجبا تماماً بأغريبا وبرنيس، وأنهما وقعا في غرام بعضهما البعض فور أن التقيا، أي من النظرة الأولى، ونعرف تماماً أن برنيس بطبيعتها التي نعرفها عنها، تركت نفسها تنقاد لهذا الحب الجارف الذي يتماشى مع مصالحها وتطلعاتها.

وبالنسبة لها ولأخيها كان أفضل ما يمكنها الحصول عليه في ظروف كهذه هو صداقة طيطس المتنامية. وأصبحا موضع شك أمام رعيتهما، وكذلك أمام روما وكان عليهما إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وبالذات مع قواد الحملة الرومانية الغازية ولم تحظ برنيس بصداقة طيطس فقط، بل بغرام جارف.

وتوجهت جحافل الرومان إلى الجليل، وحاصرت مدينة جوتباتا التي سقطت في الثاني من يوليو سنة 67 ميلادية، وللحال انتهز أغريبا الفرصة للتودد، ودعا قائد الحملة فيسبازيان للاستراحة مع جيشه في قيصرية فيلبس، وكانت برنيس تشرف على ضيوفها بنفسها، ومرت الأيام متنقلة من عيد إلى وليمة ومن وليمة إلى احتفال.

وهكذا أعجب العجوز فيسبازيان بجمال هذه المرأة الساحر، أما بالنسبة لأبنه طيطس فقد خلب هذا الجمال لبه منذ أمد بعيد، وهل من شك بعد ذلك بأنها بذلت كل ما في وسعها لسحره، وهي التي لعبت دور العشيقة لأخيها لتظل ملكة بجانبه ؟ فأي حيلة من حيل أو وسيلة من وسائل الإغراء لم تستعملها ؟

كل الوسائل مباحةٌ ومتاحة، إنها كليوباترة فلسطين وسورية. وبفضل تلك الصداقة التي ربطت بين قائد الحملة وابنه من جهة، وبين برنيس وأغريبا من جهة أخرى ؛ جنت برنيس الثمرة مباشرة، فقد عادت المقاطعات التي ثارت على ملك أغريبا الثاني صاغرة إلى حظيرة الملك.

من المؤكد أن برنيس وطيطس يتبادلان الحب، ويبدو جلياً أن برنيس ببراعتها، عرفت كيف تدمج السياسة الفعلية مع الحب، وهي لا تشعر بوخز ضمير لأنها وقفت مع المحتل ضد شعبها لأنها تعتبر نفسها ملكة له ولا علاقة للمحتل به، وهي تسير على خطى والدها فلا يهمها الماضي، ولكن نظرتها للمستقبل بقيت الاساس.

وجمع الحب بين العاشقين طيطس وبرنيس، عاشقان لا يفترقان أبداً، فجابا معاً أرجاء سورية وفلسطين، يخضعان المدن المتمردة، ويمر الزمن والتاريخ يركض أسرع من الحب والعاطفة، وتنتاب القلاقل روما ويموت نيرون مقتولاً بعد حريق المدينة الشهير، ويطفو على السطح من خضم هذه الاضطرابات وجه القائد الفذ فيسبازيان، ويصبح إمبراطورا لروما !

وبقي ابنه طيطس في فلسطين يعيش مع عشيقته برنيس. ظل طيطس في الشرق، السيف المسلّط على المتمردين وحامي حمى الإمبراطورية، وكان عليه القضاء على بقية الجيوب المتمردة، ومنها أورشليم وكانت برنيس ترافق طيطس في حله وترحاله.

وفي ابريل من عام 70 ميلادية حاصر جيش طيطس أورشليم وبعد 15 يوماً من الحصار، أي في 17 مايو سنة 70، سقط السور الأول، وبعده بتسعة أيام سقط السور الثاني، ومن ثم اقترب الجيش الروماني من السور الثالث.

وفي الثاني من سبتمبر استولى الجيش الروماني على كل ما تبقى من المدينة، وبعدها أُضرمت النار في الهيكل، وأمر طيطس جيشه بتسوية أورشليم بالأرض وحرقها وقتل كل من بقي فيها حياً، ففر سكانها وأصبحت يباباً قفراً، وهو الخراب الذي تنبأ به المسيح، وانتهت الحرب وأصبح على طيطس اللحاق بأبيه في روما، فارتعدت برنيس لذلك، لأنها لحظة فاصلة في حياتها، فهل يطلب منها طيطس مرافقته إلى روما ؟وهل سيرحل ويتركها وحيدة ؟

نهاية

ولكن الواقع هو غير ما ذكره الكاتبان، فها هي برنيس أخيراً في روما تعيش في قصر عشيقها طيطس على مرأى ومسمع الجميع، بمن فيهم والده الإمبراطور فيسبازيان.

إنها خليلته وهذا يعني في التشريع الروماني أنها زوجة، ولكن من الدرجة الثانية، وكل ما تصبو إليه هي الورقة الأخيرة لعشرة عمر امتدت لسنوات عدة، ولابد من تحقيق ذلك بزواج رسمي يتم يوماً ما ليجعل منها إمبراطورة على روما.

ويقول المؤرخ ديون كاسيوس: «إن برنيس كانت تعيش منتظرة ذلك اليوم». ويؤكد المؤرخ سويتون أن طيطس وعدها بذلك، وهكذا نرى أنه تبدو الأمور لبرنيس جلية واضحة، فقريبا سيترك العجوز فيسبازيان العرش وستتوج هي، إلى جانب ابنه طيطس، إمبراطورة على روما؛ ولكن ذلك بقي حلما في تلك الآونة.

وطلّق طيطس برنيس، فوقع الخبر على أهل روما وقوع الصاعقة، لقد كانت برنيس ترافقه كظله فلماذا طلقها ؟ وها نحن نطرح السؤال نفسه بعد 20 قرناً، ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أن فيسبازيان مازال على قيد الحياة، ولم يناد بطيطس إمبراطورا، وبرر راسين ذلك بسبب محدد:« وهو أن طيطس فضل الإمبراطورية».

وتنازل العجوز فيسبازيان، الذي ينوء بثقل ماضيه العسكري، كما ينوء بثقل سنين عمره العديدة، عن الكثير من مهام الحكم لابنه طيطس، وعينه مشرف مقر الحاكم، ويؤكد المؤرخ سوتيون أن قصره كان يحوي الكثير من الخلان والخصيان، وكانت حفلات العربدة على قدم وساق، وكانت برنيس نفسها تهيئ الجو لعشيقها. فأهم ما في الأمر البقاء بقربه، حتى وان قضى وطره مع غيرها من النساء أو الجواري، فهي باقية بقربه وفي قصره.

استمرت الحياة على هذا المنوال لسنوات ثلاث، وبعدها استولى الملل على طيطس، واكتشف بأنه لم يعد يحب برنيس، فهي تمثل له ماضيا بعيدا لا يحب اجتراره، لذا يقرر التخلي عنها ولا رجعة في قراره، فهو لا يتخيل نفسه إمبراطورا مع هذه المرأة، ويجب عليها أن تختفي تماماً من حياته، ومن ثم تغادر روما حسب ما ذكره لنا المؤرخ ديون كاسيوس، الذي ترك لنا تاريخ هذه الأحداث بكل وقائعها وتفاصيلها، ويقول في هذا:

«بعدما نودي بطيطس امبراطوراً، أتت برنيس إلى روما لتراه، ولكنه رفض لقاءها، ولم تشاهد ثانيةً هذا الأمير الذي هامت بحبه. وما حدث لطيطس قلما يحدث لأحد، لقد انقلب رأساً على عقب، فلقد استماله فلاسفة الصلاح واللطف، فأصبح واحداً منهم، ورفض إصدار أي أمر بالإعدام». ويقول أيضا في نهاية يومٍ لم يفعل فيه خيراً «لقد أضعت يومي سديً».

وقد عرفت رعيته ذلك فيه فأطلقوا عليه بأنه خير الجنس البشري، أما برنيس فقد عادت إلى وطنها فلسطين، ولا نعرف أين أمضت بقية عمرها ولا متى وافتها المنية ولا أين شاخت أو ماتت، لقد انطوت صفحتها التاريخية عندما انقطعت علاقتها بطيطس.

صدقي خليل