أثناء مروره أمام أحد المساجد في حلب، توقف الفنان الفرنسي جوليان فايس ليستمع إلى أصوات عذبة تنشد دون موسيقى قادمة من داخل المسجد، ووجد أن شيئا قويا يدفعه للدخول.
وكانت تلك بداية قصته مع الإسلام والصوفية، فهذه الأنغام مع ذلك الإنشاد الذي استمع إليه «جوليان»، أنتجا وقع تأثير كبير في نفسه، فشعر وكأنه ارتوى من عطش الفن الذي كان يؤرقه دوما بالرغم من شهرته التي حققها في العالم، فهو أشهر عازف قيثارة في العالم، ولكنه اليوم أصبح واحداً من أشهر العازفين على القانون، ويكاد علم الموسيقى لايذكر دون جوليان جلال الدين، وهو الاسم الذي اختاره لنفسه ليشتهر به في عالم موسيقي مختلف.من باريس إلى حلب، ومن الموسيقى الكلاسيكية والباليه إلى التخت العربي، ومن جوليان إلى جلال الدين. إنها رحلة الموسيقي الفرنسي الذي عشق الموسيقى العربية واعتنق الإسلام.
بدايات
ولد الفنان الفرنسي جوليان فايس في العام 1935م، في مدينة باريس، من أب فرنسي وأم سويسرية، ومنذ طفولته الأولى ظهرت ميوله الموسيقية، ما جعل والديه يوجهانه نحو تعلم الموسيقى، ومع السنوات الأولى في مرحلة يفاعته، ظهرت قدراته الغنائية، فانهالت العروض على والديه من قبل المسارح الغنائية كي يظهر في فقرات فنية، وتنبأ له كبار الفنانين بأنه سيصبح نجما من نجوم البوب والجاز في فرنسا.
والتحق جوليان بمعهد الموسيقى في باريس في العام 1966م، ليتعلم العزف على آلة القيثارة الكلاسيكية، وبسرعة غير عادية أتقن العزف على هذه الآلة، وحقق شهرة واسعة في الأوساط الفرنسية، وصار نجما مطلوبا لإحياء حفلات العزف على القيثارة، في جميع البلدان الفرنسية.
وهكذا في سن مبكرة اتسعت شهرة جوليان في فرنسا، ثم امتدت إلى الدول الأوربية الأخرى، وهو ما جعل كبريات شركات الإنتاج الفني والسينمائي تتسابق لتوقيع عقود عمل مغرية معه، ولتطلقه كأحد كبار نجوم الغناء الغربي والسينما العالمية، وعن تلك الفترة يقول جوليان:
«كشاب مراهق آنذاك، كانت عروض العمل التي تقدمها الشركات مغرية جدا بالنسبة لي، فهي تفتح لي باب الشهرة والمال، ولكن كان هناك فراغ روحي واسع في أعماقي، وكنت أشعر بأن عالما فنيا آخر يناديني ويجب أن أبحث عنه، لذلك رفضت كل عقود العمل المغرية، ولم أكترث بالشهرة التي حققتها كعازف قيثارة، وبدأت رحلة البحث عن ذلك العالم».
تساؤلات وفراغ
وحول مسار حياته وتوجهاته اللاحقة، يضيف جوليان: «ورغم أنني حققت شهرة كبيرة في فرنسا، ولكن بدأ التساؤل الملح لدي: ماذا بعد الشهرة؟! ربما ستوفر لي الشهرة المال، ولكن ماذا بعد أن يتوفر المال؟
!أسئلة محيرة لازمتني، وكفنان قلت إنه لا بد من وجود فن مختلف، فن يملأ الفراغ الذي تزداد مساحته اتساعا في أعماقي، لذلك بدأت البحث، فسافرت إلى بلدان أوروبية عدة، حيث كانت شهرتي كعازف قيثارة تسبقني إليها، ومنها انتقلت إلى بلدان آسيوية، وفي العام 1974م عدت إلى باريس.
لكن دون أن يتقلص إحساسي بالفراغ، وقد عكفت على تأليف مقطوعات موسيقية كلاسيكية للقيثارة حققت أسطواناتها أعلى الأرقام في المبيعات في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها، فانهالت علي عروض العمل المغرية من هوليوود وشركاتها السينمائية، ولكن مرة أخرى رفضت، وقررت البحث من جديد عن عالم فني آخر أشعر أنه ينتظرني».
.. في حلب وبغداد
جوليان فايس عازف القيثارة الفرنسي الشهير، والذي طالما أحس بفراغ فني بداخله، لم تملؤه نغمات القيثارة الحساسة، وظل يبحث عن ما يسد هذا الفراغ حتى وجد الفن الشرقي الأصيل خلال تجواله في مدينة حلب، وكانت بمثابة نقطة تحول في حياته كلها، سواء في الجانب الفني أو في الجانب الديني، وأسس فرقة وأسماها فرقة «الكندي»، والتي أصبحت مشهورة ومطلوبة عالمياً.
ونجد جوليان يغادر باريس مرة أخرى، ويتجه هذه المرة إلى تونس، وفيها يمسك ببداية الخيط الذي سيقوده إلى العالم الفني الذي يبحث عنه، إذ بالمصادفة يستمع إلى عازف العود العراقي منير بشير، ومع كل نغمة كانت تصدر عن أوتار العود كان يشعر بأن الفراغ في داخله يمتلئ، فوقف وصاح باللغة الفرنسية: «وجدتها.. هذه الموسيقى التي أبحث عنها...».
ومع صيحته أعلن قراره بهجر القيثارة الغربية، وتفرغ فورا لتعلم العزف على آلة العود. لقد تعلم خلال فترة وجيزة العزف على آلة العود، ولكنه اكتشف بأن إمكانات هذه الآلة محدودة، فقرر أن يتعلم أيضا العزف على آلة القانون، لذلك لازم الفنان العراقي منير بشير في العراق، وبسرعة تفوق في العزف على آلة القانون إلى حد جعله من أشهر العازفين عليها في العراق، وهو ما جعل منير بشير يؤلف قطعة موسيقية باسم جوليان فايس، وعزفها تكريما له في أمسيات بابل الفنية في العراق.
لم يكتف جوليان بأن يصبح متفوقا في العزف على آلة القانون، فقد شغف بها لذلك انكب على دراستها لسنوات، وتمكن من ابتكار قانون جديد يحتوي على 201 حبل موسيقي، بدلا من 87 حبلا، ما وسع من قدرات الآلة إلى خمسة أوكتافات، وكان أول عزف على هذه الآلة في مدينة أزمير التركية، على يد العازف التركي أكدر كوليل، فأذهلت الآلة المستمعين لقدراتها اللحنية الواسعة، وعلى الأثر نال جائزة «فيلا ميدسي» للعزف على هذه الآلة، وعلى مجمل أبحاثه.
وفي رحلة بحثه زار جوليان مدينة حلب السورية، وكان قراره أن تكون مدة الزيارة طويلة لأن هذه المدينة العريقة تضم إرثا فنيا ضخما، وبنفسية الباحث الدؤوب عايش البسطاء في الأحياء القديمة يستمع إلى أغانيهم، وصار يحضر الأعراس في الأحياء الشعبية مسجلا ألحان الأغنيات والمواويل. وفي كل يوم كان يكتشف الجديد الثمين من الألحان الشرقية الأصيلة في هذه المدينة.
ولكن كان لا بد من أن تنتهي زيارته، وحين أراد جوليان أن يودع أحياء مدينة حلب القديمة، وقبل أن يغادرها، قام بجولة مسائية في بعض الأحياء، حيث لم يبق إلا بضع ساعات لموعد إقلاع الطائرة التي حجز عليها من مطار حلب إلى باريس، وفي جولته الوداعية تلك، مر أمام مسجد صغير، فتوقف أمام باب المسجد مذهولا، حيث تنساب من داخل المسجد أصوات أناشيد دينية ومدائح نبوية، فلم يتمالك نفسه ودخل إلى المسجد، فوجد حلقة ذكر يقيمها بعض أبناء الحي الذين بادروا للترحيب به.
«أنا مسيحي، فهل أستطيع دخول مسجدكم؟». سأل جوليان بارتباك، فأجابه شاب بترحاب: «أنت في بيت من بيوت الله يا سيدي، والله أكرم ولا حدود لكرمه، فكيف لا تدخل بيت أكرم الأكرمين وأنت مطمئن؟». وبدأت هنا تنسجم وتتشكل ملامح الحوار بينهما، فرد جوليان:« وما هذا الذي تفعلونه؟»، فقال الشاب:« إنه ذكر.. وهو أننا نجتمع في هذا المكان الطاهر، فننشد أشعارا نشكر الله فيها على نعمه علينا، ونثني على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم».
وإثر ذلك يبقى جوليان ليستمع للرجال في حلقة الذكر، وللمرة الأولى يشعر أن الفراغ الروحي في داخله قد زال، وكفنان يستمع إلى أجمل الألحان، يخرج من المسجد بعد نهاية حلقة الذكر، فيعجل كأول شيء، في تمزيق بطاقة السفر، وأعلن: «في هذه المدينة سأبقى وأعيش».
ويتابع جوليان حديثه في هذا الصدد: «أمضيت أياما وأنا أتجول بين مساجد حلب القديمة، مستمتعا بحلقات الذكر التي تقام فيها ليلا، ودهشت من ذلك الكم الكبير من التراث الموسيقي واللحني الذي تؤدى به الأناشيد الدينية والمدائح النبوية، حتى لكان أوركسترا كبيرة تعزف مع أنه لا توجد أية آلة موسيقية في حلقات الذكر هذه، ومن خلال مواظبتي على المساجد تفهمت حقيقة الدين الإسلامي، وأنه هو العالم الذي كنت أبحث عنه منذ طفولتي، ولذلك، ومن دون تردد، اتجهت إلى أقرب مسجد ونطقت بالشهادتين، وأشهدت الحضور على إسلامي واسمي الجديد هو جوليان جلال الدين.
هكذا، وبعد إسلامه، أقام جوليان في أحد أحياء حلب القديمة وهو حي باب قنسرين، وتعلم اللغة العربية وحفظ القرآن وتعلم التجويد.
فرقة الكندي
كانت بداية فرقة «الكندي»، التي كونها جوليان عام 1983 مكونة من أفضل العازفين : العود (قدري دلال) والناي (زياد قاضي أمين)، الدف والرق (عادل شمس الدين)، فتكون هذا التخت الشرقي من هؤلاء، وعلى رأسهم جوليان عازف القانون.
واشتهرت فرقة «الكندي» بالموسيقى الكلاسيكية العربية المعتمدة على الإرث الموسيقي الشرقي، وانطلقت من سوريا وراحت تذيع أنغامها ومدائحها في العالم كله، متنقلة بين سويسرا والبرازيل والجزائر وغيرها من البلدان.
وسمى جوليان الفرقة بـ «الكندي» نسبة إلى الفيلسوف العربي الكندي، واضع أول سلم للموسيقى العربية، والذي استعان بالرياضيات وبالسلم الموسيقي اليوناني الذي ابتدعه.
وكان هدف الفرقة منذ البداية هو أداء المقطوعات الموسيقية بمستوى عال، وأرادت أن تجمع لنفسها قائمة من البرامج الموسيقية الكلاسيكية، من جميع أنحاء العالم العربي، على غرار أوروبا.
وكان هدف جوليان من تأسيس فرقته هذه أن يبين قيمة الموسيقى العربية في الوقت الحالي، وقد قال عن ذلك: «ولأن الموسيقى العربية الكلاسيكية شديدة الأهمية ومتعددة الجوانب، فهي عالم رائع».
يتلذذ بالإقامة في بيته
تربط جوليان صداقات بعدد من رؤساء الدول الأوروبية والعربية، وما زالت شركات إنتاج سينمائية عالمية تحاول إقناعه بتصوير قصة حياته، ولكنه الآن يمارس استمتاعه بعيشه في بيته القديم في مدينة حلب، سعيدا بزيارات جيرانه واستقبال المهتمين بالموسيقى العربية، وإكرام الضيوف الذين يأتون من دول العالم خصيصا لمقابلته، وتذوق فنون الموسيقى العربية في أرقى درجاتها.
عازف القانون
تعتبر آلة القانون، التي أتقنها وبرز بها جوليان، إحدى الآلات التي لا بد منها في حفلات فرق الموسيقى العربية الكلاسيكية المسماة بـ «التخت». وهي آلة تشبه القيثارة ولها ثمانية وسبعون وترا، إلا أنها تحتوي على مفاتيح متحركة تساعد على إنتاج العديد من النغمات ذات المسافات الدقيقة جدا، في حين أن أصغر مسافة في الموسيقى الأوروبية هي نصف النغمة.
فرقة صوفية
وفي ما بعد قرر جوليان توسيع فرقة الكندي الموسيقية، حيث سافر إلى سوريا وهناك تعرف على الشيخ حمزة شكور، المغني المشهور في الموسيقى العربية الكلاسيكية. وهو من مدرسة الغناء التقليدي في دمشق ورئيس جماعة الدراويش الصوفية هناك.
وأغانيه مأخوذة من المحيط العربي والأندلسي وتحتوي على موضوعات دينية ودنيوية. والرجل ليس موهوبا في الغناء فقط، بل إن صوته قوي جهوري يملأ المكان ويعادل فرقة موسيقية بأكملها. وهو يجيد فن الغناء العربي المعبّر المسمى بالطرب والذي لا يجيده إلا القلة.
اعتناق الإسلام والتجديد الموسيقي
في عام 1986 اعتنق جوليان فايس الإسلام، وسمى نفسه منذ ذلك الوقت جوليان جلال الدين فايس، نسبة إلى شيخ الصوفية والشاعر الكبير جلال الدين الرومي. وأقام في وسط مدينة حلب بالقرب من باب قنسرين بأحد قصور المماليك الذي يرجع إلى القرن الرابع عشر.
ولقد اختار مدينة حلب لأنها تقع في شمال سوريا وتتمتع بجو موسيقي من نوع خاص، ولها تقاليد موسيقية ثرية جدا، حتى إن تأثيرها تخطى حدود وطنها. وهناك بدأ العمل المشترك مع العديد من مطربي الموسيقى الكلاسيكية من العراق وسوريا، أمثال أديب الدايخ وحمزة شكور والمطرب والموسيقار التونسي لطفي بوشناق.
وفي حلب حقق عدة مشاريع، منها إنتاج اسطوانتين مع المغني عمر سرميني بعنوان «الحملات الصليبية من وجهة نظر الشرق».وهنا استخدم جوليان القالب الموسيقي الكلاسيكي المعروف بـ «الوصلة»، وهي المتابعة الكلاسيكية التي ما زالت تُعزف إلى الآن في حلب، وهنا ترك جوليان العنان لولعه بفن القصيدة غير المرتبط بزمان معين.
رباب محمد

