اهتم المصريون عبر مختلف العصور بإقامة القناطر والسدود لكبح جماح فيضانات نهر النيل، وكانت أراضي الوجه البحري، حتى أوائل القرن التاسع عشر، تروى عن طريق «الحياض» (الوجه القبلي) فلا يزرع فيها سوى المزروعات «الشتوية».
وبالمقابل تنحصر زراعة الأصناف «الصيفية» بمنطقة شواطئ النيل، أو الترع القليلة المشتقة منه، وعندما تولى الحكم محمد علي باشا، باني مصر الحديثة ـ كما يطلق عليه ـ أخذ على عاتقه تغيير نظام الري هذا تدريجياً، فشرع في إقامة الجسور على شاطئ النيل وشق الترع وتطهيرها، ليضمن بذلك توفير مياه الري في معظم العام.
توج محمد علي إصلاحات وتطويرات أعمال الري التي أقامها، بإنشاء «القناطر الخيرية»، حيث وضع حجر أساسها في إبريل من العام 1843م، ثم افتتحها في العام 1868م.
ويعني مسمى «القناطر الخيرية» تنظيم وضبط الري لخدمة الزراعة المصرية في الدلتا والوجه البحري، وبذلك فهي تعتبر فاتحة خير وبركة على الشعب المصري، لأنها سد من النوع المفتوح، وهي، وإن كانت آخر أعمال تطوير محمد علي في مجال الري، إلا أنها كانت وتبقى أعظمها نفعاً وأجلها شأناً وأبقاها أثراً، فحققت مع جدواها حلمه وعزمه في هذا الصدد، خصوصاً أنه قرر تنفيذ مشروعها بعد أن عرف واطلع على فوائد القناطر التي أنشأها على الترع المصرية المختلفة.
إذ نجح في الاستفادة من كميات عظيمة من مياه الفيضان كانت تضيع هدرًا في البحر، فوظفها في ري الأراضي التي تفتقر إلى مصادر الماء على مدار السنة، وهكذا فإنه اعتزم ضبط مياه النيل للانتفاع بها ولإحياء الزراعة الصيفية في الدلتا، عبر إنشاء قناطر كبرى في نقطة انفراج فرعي النيل، المعروفة ب«بطن البقرة».
وعلى الفور أسرع في ترجمة رؤاه وخطواته، فعهد بدراسة هذا المشروع الضخم إلى جماعة من كبار المهندسين آنذاك، ومنهم مسيو لينان دي بلفون (لينان باشا)، كبير مهندسيه، فوضع تصميماً وشرع في العمل وفقاً لهذا التصميم سنة 1834 م.
ومن ثم توقف فترة من الزمن، وعندما اعتزم محمد علي استئناف العمل استعان بمهندس فرنسي آخر هو «المسيو موجيل بك»، على إثر إعجابه بمقدرته الهندسية في إنشاء حوض للسفن بميناء الإسكندرية، فقدم هذا المهندس تصميماً «للقناطر الخيرية» يختلف عن تصميم «المسيو لينان» الذي كان يرى إنشاءها على اليابسة بعيداً عن المجرى الأصلي للفرعين.
واختار لذلك قطعتين بين ملتويين من ملتويات فرعي النيل، وذلك حتى إذا تم إنشاؤها حَوَّل الفرعين إليها، عبر حفر مجريين جديدين، ولكن مشروع «موجيل بك» كان يقتضي إقامة القناطر مباشرة في حوض النهر، حيث يتألف هذا المشروع من قنطرتين كبيرتين على فرعي النيل، يوصل بينهما برصف كبير، وشق ترع ثلاث كبرى تتفرع عن النيل في ما وراء القناطر، لتغذية الدلتا.
وهي «الرياحات» الثلاثة المعروفة برياح المنوفية ورياح البحيرة ورياح الشرقية، وهو ما عرف بالتوفيقي بعد ذلك، لأنه أنشئ في عهد الخديوي توفيق باشا. وقد شرع في العمل بهذا الخصوص على قاعدة تصميم «موجيل بك»، وبمعاونة مصطفى بهجت باشا ومظهر باشا، المهندسين البارزين آنذاك.
أعظم حدائق الشرق
يعد علي مبارك باشا أول من قام بإدارة القناطر، وقد أقيمت عند تفرع نهر النيل إلى فرعي دمياط، ويبلغ طوله 242 كيلومتراً، ومتوسط عرضه 270 متراً، ويبلغ طول رشيد 236 كليومتراً، ومتوسط عرضه 500 متر.
وترك محمد علي باشا مئات الأفدنة حول القناطر، لأجل التوسعات المستقبلية، كما خصص 500 فدان تطل جميعها على النيل مباشرة، وتحتضن الحدائق المقامة على نمط المتنزهات والحدائق الأوروبية، وهي مزودة بالأشجار النادرة التي استقدمت شتولها من مختلف أنحاء العالم، وأطلق عليها عند افتتاحها، أعظم حدائق الشرق.
وتستقبل القناطر الخيرية سنوياً نحو 5 ملايين زائر، بين مصري وعربي وأجنبي، وبسبب التطوير المستمر لها منذ عهد محمد علي باشا وحتى الآن، فإنها أصبحت منطقة سياحية من الطراز الفريد، وساهم قربها من القاهرة التي تبعد عنها بمسافة 22 كيلو متراً، وإمكانية الوصول إليها عبر النيل بسهولة واتساع حدائقها ومعانقتها للطبيعة الريفية البسيطة، في ازدهارها كمنطقة جذب سياحي. ففي الأعياد والمناسبات تنطلق الرحلات مغنية «يا سواق يا شاطر..
ودينا القناطر»، حيث تتميز القناطر الخيرية بطرازها المعماري الجميل، وتشتهر بالعيون أو البوابات، وهي 71 بوابة على فرع دمياط، و61 بوابة على فرع رشيد، وخصصت جميعها لسريان المياه منها، حيث يصل عرض كل منها إلى نحو خمسة أمتار.
وبخلاف أهميتها المعمارية، تعد القناطر مزاراً سياحياً وترفيهياً، ومتنفساً، خاصة للشباب المصري من طلبة المدارس والجامعات، دون أن يمنع ذلك استقبالها لأعداد كبيرة من السائحين العرب والأجانب، وما تتميز به القناطر أنها مفتوحة طوال أيام العام، ويزيد الإقبال عليها أيام العطلات الرسمية والأعياد، وذلك في ما يعرف برحلات اليوم الواحد.
والرحلة إلى القناطر الخيرية قد تكون عبر البواخر النيلية أو الأتوبيسات النهرية التي تشق طريقها في نهر النيل لأكثر من 120 دقيقة، كما يمكن الوصول إليها براً، عبر وسائل المواصلات المختلفة، العامة والخاصة، في زمن أقل بكثير، لكن ذلك لا يضاهي جمال ومتعة الرحلة النيلية.
رحلة سحرية
تبدأ الرحلة النيلية من كورنيش النيل بالقاهرة في تلك المنطقة المشهورة باسم «ماسبيرو»، نسبة إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري، وهناك يمكن ركوب البواخر الكبيرة التي تتسع لعشرات الأفراد، أو استئجار مركب خاص.
ومع بدء الرحلة يستمتع الفرد بالمشاهد الطبيعية التي تطل على النيل مباشرة، والمرور المتعدد في أسفل الكباري التي تصل بين ضفتي نهر النيل، وعلى طول الطريق يمكن ملاحظة العديد من الفلل المتجاورة، المملوكة لبعض المشاهير في المجتمع المصري، من الفنانين والإعلاميين، الذين فضلوا أن يكون استمتاعهم بالنيل من هذا المكان.
وخلال الرحلة يمتزج صوت المياه، الناتج عن شق المراكب طريقها، تمتزج مع أصوات الضحكات والموسيقى والغناء، لتزيد من متعة الرحلة وتبعث في داخل الفرد تشويقاً لما ينتظره عندما ترسو البواخر في القناطر الخيرية.
ومع وصول الباخرة أو القارب إلى مرساه في القناطر؛ لن يحتاج الزائر إلى مرشد سياحي ليدله أو يرتب له برنامجاً للزيارة، فأمام الزائر أكثر من وسيلة للترفيه يمكنه الاستمتاع بها، على مدار ساعات اليوم، وأولها الاستمتاع بالجلوس وسط الحدائق الشاسعة، والتي تفتح أبوابها مقابل قروش قليلة، وهذه الحدائق تعد فرصة للانطلاق واللعب، خاصة للأطفال الذين بإمكانهم أيضاً استخدام الأرجوحة والألعاب الترفيهية. وإذا أردت أن تكتشف مناظر بديعة أكثر للنيل، يمكنك القيام بنزهة نيلية على أحد القوارب.
والتي تتجول براكبها بجوار العيون أو الجزر الصغيرة التابعة إدارياً لمدينة القناطر، وأيضاً الاقتراب من فرعي النيل، دمياط ورشيد عند نقطة الملتقى، فهذه الرحلة تعد فرصة لمشاهدة المناظر الطبيعية وحدائق القناطر المتجاورة في منظر بانورامي بديع.
وهناك قصر الخديوي الذي بناه محمد علي باشا، مؤسس القناطر، والذي كان يتخذه الملك فاروق، ملك مصر السابق، كاستراحة له، وكذلك توجد استراحة شهيرة للرئيس المصري السابق محمد أنور السادات، حيث كان يقيم فيها أكثر وقته، وكان استقبل فيها معظم ضيوفه من رؤساء دول العالم والملوك والأمراء.
وهناك محلج للأقطان، ذلك الأثر المهم الذي يتميز بموقع فريد على النيل، وقد أنشئ في عهد محمد علي باشا عام 1847، بعد أن أنشأ القناطر بهدف النهوض بصناعة القطن المصري والاهتمام بزراعته، خاصة أن القطن المصري يمتاز بالجودة والمتانة على مستوى العالم، والمحلج حالياً يخضع لعملية تطوير لتحويله إلى مركز عالمي للحفاظ على التراث المصري.
محمد الحمامصي
